مقابلة أجرتها محررة مجلة «ذي إيدج» الإلكترونية مع الروائي الماليزي «تاش أو» بمناسبة صدور روايته الأولى «معمل هارموني سيلك». دار الحوار حول موضوعات الرواية واهتمام مؤلفها بالتجريب. ظهر اسم الكاتب الماليزي تاش أو في الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات ووسائل الإعلام الأجنبية ومن بينها صحيفة انترناشيونال هيرالد تريبيون التي كتبت (كاتب ماليزي مغمور تتجاوز مبيعاته نصف مليون جنيه استرليني للشهر الواحد وذلك بعد تعاقده مع عشر مؤسسات للنشر).

وهو ما أتاح لغيرها من الصحف البريطانية منها الغارديان فرصة الإعلان عنه كأحد الأسماء الجديدة في عالم التأليف إضافة إلى الإسراع بنشر روايته الأولى «معمل هارموني سيلك». «تاش أو» في الثالثة والثلاثين، وقد ترجمت روايته إلى أكثر من 12 لغة عالمية موزعة على دول منها اسكندنافيا، وهنغاريا.

إضافة إلى جولته التي شملت أميركا وأدنبره للمشاركة في عدد من الفعاليات الأوروبية أثناء لقائنا الهاتفي يبدو لي هادئاً على الرغم من قوله المفاجئ بأن عليه أن يغادر إلى لندن، يدعي أو بأنه يعشق الوحدة ومع ذلك فهو لا يتردد في الثرثرة حول كتبه المفضلة وكتابته وهواياته (الموسيقى، الأطعمة اللذيذة، والسباحة) دون أن ينسى الأشياء التي لا يحبها. تقع أحداث «معمل هارموني سيلك»، وهي حكاية تدور حول ثلاث شخصيات تقوم بمهمة السرد في الأربعينات في كينتا فالي،

المكان الذي ما زال يعيش فيه بعض أفراد عائلته «أو» وهو المكان نفسه الذي تعود على أن يمضي فيه إجازاته الدراسية. يتميز هذا العمل بالإيجاز. كان قد بدأ بكتابته أثناء عمله في المحاماة. وقد أسفر عن 20000 كلمة كتبها خلال خمس سنوات من العمل المتواصل في الصباح الباكر في إجازاته الأسبوعية على فترة دراسته بجامعة إيست أنجليا «لقد كنت حريصاً على أن يكون العمل صادقاً قوياً ومقتضباً».

أمضى تاش أو قرابة العامين من البحث المتواصل في المكتبة البريطانية. يقول هذه الهواية بعيدة جداً عن السيرة الذاتية. وربما كان السبب في ذلك هو صعوبة التعامل مع الأمور الذاتية، لأنها قليلة الارتباط بالعمل الروائي. الواقع انك تشعر بالالتزام تجاه الواقع، حتى لو كان غير منسجم مع الرواية، وهكذا فقد قرر البقاء بعيداً عن كينتا فالي التي عاش فيها جده.

يضيف: «ما أحبه أكثر هو القدرة على المراوغة، أريد أن أفعل شيئاً، أريد من الناس أن يدركوا أنها رواية، سيكولوجية مثيرة، وقصة عاطفية، كل هذه الأشياء، رواية «لوليتا» ورواية «موبي ديك» كلها تنتمي إلى هذا النوع»، يذكر أو أسماء عدد من كتابه المفضلين ومنهم فولكنر، وشتاينبك ونابوكوف، وكونراد وبورخيس، ولا يتردد في الإشادة بأسلوب كل من فلوبير وهمنغواي وشاتون.

بينما يؤكد على أن اختياره سيقع على عدد من الأعمال هي «الصخب والعنف»، و«موبي ديك»، و«آنا كارنينا» و«لوليتا» وربما الكتاب الأكثر روعة خلال العشرين سنة الأخيرة رواية شارلز سبروسون «أشباح المدلك الأسود» الذي يبقيه بالقرب من سريره لكي يظل على اتصال دائم به. يعترف بصعوبة الوضع الذي يعيشه المبدعون الماليزيون بسبب قلة القراءة «المبدعون الماليزيون لا يجدون من يقرأ أعمالهم» وبدوره فهو يسعى إلى تحسين هذه الصورة في الفترة المقبلة.

«لقد عثرت بالفعل على مجموعة من القصص القصيرة المعاصرة أثناء اشتغالي بروايتي وقد وجدتها ممتعة»، ولكن ماذا عن سومرست موم؟ إنه النعمة والنقمة بالنسبة له، ثمة شعور بالثورة كان يراودني تجاه هذا الكاتب. كنت أريد أن أتحرر من القيود التي فرضها على الآخرين في ثلاثينات وأربعينات القرن المنصرم، ولكنه ألهمني فعلاً.

ثمة أشياء لا تتعارض مع قناعاته كثيراً، كالأشكال الإبداعية الجديدة التي يتبناها بعض الكتاب الآسيويين الذين يعمدون إلى إبراز الوجه الغرائبي أثناء الكتابة عن بلادهم. الواقع أن هنالك ميلاً للكتابة عن الأشياء التي يأكلها الناس في بلادنا كالمانجو والسامبوسا. وكلها أوصاف ضبابية غامضة، ذات نكهة شرقية لم تصل بعد إلى النضج.

يستأنف «الحقيقة أن كوالالمبور لا تختلف عن غيرها من المدن الأوروبية، لدينا أصدقاء، نشاهد البرامج التلفزيونية وعندما نتناول طعامنا المحلي لا نفكر في ذلك كثيراً، المهم هو شعورنا الداخلي، ما يجعلنا نختلف عن غيرنا هو هذه الأشياء التي بداخلنا».

يعود الفضل في التعريف بهذا الكاتب إلى ديفيد غودوين، الوكيل الأدبي الذي سبق له تقديم بعض الأسماء المهمة ومنها أو ونداتي روي، وجيم كراس، وسيمون ارميتاج، وبن رايس، وألن وارنر. وهو مدين له بالكثير مثل صدور روايته عن دار فورث إستيت للنشر، وما حققه من نجاح على مستوى المبيعات.

في حين يواصل عمله الآن، في كتابة روايته الثانية، التي تقع أحداثها في التسعينات بين ماليزيا واندونيسيا ويلقي موضوعها الضوء على الحياة في هذين البلدين في المراحل الأخيرة من الاستعمار وبداية عهد الاستقلال. يعلق على هذا العمل على الرغم من أنني لا أتعلق كثيراً بالماضي إلا أن هنالك واقعاً يفرض نفسه، لكي تفهم الحاضر ينبغي لك أن تبحث في الماضي.

كما أن ذلك يسهل لي شيئاً كاللعب بالحقائق والاحتمالات الكثيرة التي أعيد صياغتها. والحقيقة أنك لو كنت في قلب الأحداث في تلك المرحلة لما تتسنى لك الكتابة عنها بشيء من الوضوح. إننا نحتاج إلى هذه المسافة التي تبعدنا عنها، نحتاج إلى مسافة زمنية تفصلنا عن المرحلة التي كنا نعيش فيها لكي نتمكن من النظر إليها بموضوعية.

والواقع أنه يعيش متعة الكتابة على الرغم من كل شيء، فهو منهمك في كتابة روايته الجديدة منذ ثلاثة أعوام كما أن لديه الرغبة في الحصول على وقت إضافي. يقول: إن مخططاتي سهلة للغاية، وهي تتلخص في التالي: الاستمرار في كتابة الأعمال الروائية، والمضي في التجربة حتى اللحظة الأخيرة من حياتي! وهكذا فقد تسنى لنا المزيد من الحوار.

ـ ما هي الذكريات التي تختزلها عن ماليزيا؟

ـ إنني لا أختزل أي ذكريات عنها لأنني لم أنقطع عنها على الإطلاق. إنني على اتصال دائم بها فهي لا تزال المكان الذي يعيش فيه أبواي وعائلتي الممتدة، لم أنقطع عنها على الرغم من إقامتي في إنجلترا التي تصل إلى 15 سنة، وفي لندن على وجه التحديد التي أقيم فيها منذ 11 سنة.

ـ لا بد من أنك قد ضقت ذرعاً بدراسة القانون؟

ـ لقد كان الخيار المناسب بالنسبة لي. فقد أصابني بالإحباط هذا المنهج الإنجليزي المتبع في غالبية الجامعات البريطانية الذي يدرس الأدب القديم، أدب ما قبل عصر النهضة في حين أن اهتمامي هو رواية القرن العشرين. كنت حريصاً على الدراسة الحرة للأدب دون التقيد بأشياء كملحمة بيولف، وترجمتها من الانجلوسكسونية وعلى الرغم من دراستي للقانون إلا أنني لم أكن راغبا في العمل في هذا المجال.

لقد كنت اشعر باستمرار بأنني كاتب حتى أثناء عملي في مكتب للمحاماة بلندن. كنت استغل ما تبقى لدي من الوقت في الكتابة، كما كنت اشعر باستمرار بأن الكتابة هي مهنتي الحقيقية! من جهة لا أتصور ان أي وظيفة تمنعك من الكتابة. ان كل الكتاب يعملون من اجل رزقهم.. لكي يسددوا التزاماتهم المادية في الحياة ومع ذلك فان هنالك ما يفصل بين حياتك العملية في الحياة وحياتك ككاتب وعندما يراودك هذا الشعور يتحتم عليك أن تتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

ـ إذاً فقد تحتم عليك ان تسعى لاستعادة عافيتك من خلال الكتابة الابداعية؟

ـ أمل، لقد أمضيت عاماً واحدا من الدراسة بجامعة ايست انجليا ـ هذه الجامعة تشتهر بأنها خرجت العديد من الكتاب المعروفين من أمثال، ايان ماكوين، وكازو ايشغورو، وتريسي شيفالييه، وعلى الرغم من أهمية ذلك، الا انني اعتقد بأن مثل هذه الدراسة غير ضرورية بالنسبة للكتابة الإبداعية ولا حتى للنشر.

ان كل الذين التحقوا بهذه الجامعة كانوا يحلمون بالتحول الى شخصيات مهمة لان قلة من الطلاب هم الذين يقبلون فيها للدراسة ولانها تحظى بسمعة طيبة. غير ان الواقع يبدو قاسيا بعض الشيء، حيث ان قلة منا قد تحقق لها ما كانت تحلم به، كالعثور على دار قوية للنشر، ولكن في النهاية، لو كان عملك جيدا وممتعا فستحظى بذلك سواء كنت خريج أحد برامج الكتابة الإبداعية أم غيرها من البرامج.

ـ لماذا تكتب الرواية التاريخية؟ ولماذا تختار كينتافالي على وجه التحديد؟

ـ لقد أردت أن اكتب هذه الرواية لأنني كنت أريد أولاً ان اكتب عملاً مهما ليس بالضرورة عملا ملحميا ولكن مهم.

انني اعمل بهذه الطريقة، افكر في العمل بشكل موسع وفسيح، وثانياً، وهو الأكثر أهمية، لأنني ارغب في التجريب، وهذا النوع هو الذي يناسبني بشكل خاص، ان أحداث الرواية تقع بين الثلاثينات والاربعينات، وبالنسبة لي تبدو هذه الفترة عادية ومتخمة بالأحداث. وبينما يبدو مشهد الرجال البيض الذين يرتدون سترات التدخين صادماً، بالنسبة للقارئ الذي يعيش في انجلترا على وجه الخصوص، فان سومرست موم سيوفر له الإجابة على ذلك!

وبالتالي فان ما أسعى إليه هو التجريب الذي يرمي إلى إثارة اهتمام الناس بالتوقعات من خلال الرواية التاريخية التي يكتشف القارئ في النهاية انها ليست رواية تاريخية. أما اختياري للمكان وهو كينافالي فهو يعود الى انه المكان الذي تنحدر منه عائلة امي، وعندما كنت صغيرا كنت ازوره ايام العطلات المدرسية. وهنا جدتي التي تعيش في باريت، البلدة الصغيرة التي تقع على ضفاف نهر بيراك التي استلهمت منها المشهد الافتتاحي للرواية.

ـ بالنسبة لبطل الرواية، جوني، هل هو نسخة عن الشخصية الماليزية الحقيقية؟

ـ اتمنى أن يجسد بعض صفاتها، على سبيل المثال، روحه الابتكارية، تعطشه للعلم والمعرفة، ذلك النوع من القلق الذي يساوره حول ذاته. اما بقية الأشياء المعقدة كعلاقته بالسياسة فهي لا تتعلق بالشخصية الماليزية. الا انك محق في اعتباره شخصية لا شرقية ولا غربية كما ان هذا ينطبق على باقي الشخصيات. في حين اننا كماليزيين حريصين على التمسك بثقافتنا المحلية.

ـ أثناء كتابة الرواية هل كنت تضع في اعتبارك قارئاً معيناً؟

ـ كلا، على الإطلاق. كنت أكتب لنفسي. وهو لا يعني إنني لم أفكر في القارئ. ان أي كاتب ملتزم لابد وان يفكر في ذلك وإلا أصبح مملاً.

حقائق عن «تاش أو»

ـ تاش أو من الأصوات الجديدة في الرواية الماليزية المعاصرة.

ـ درس القانون في جامعة إيست أنجليا البريطانية، وعمل محامياً قبل تفرغه للكتابة الإبداعية.

ـ «معمل هارموني سيلك»، منشورات فورث إستيت، أول أعماله الروائية. حققت هذه الرواية نجاحاً كبيراً على مستوى المبيعات، وترجمت الى عدة لغات