عرف المجتمع المصري في الآونة الأخيرة نمطاً جديداً من الدعاة يختلفون جذرياً عن الدعاة التقليديين الذين تعود الناس عليهم عبر سنوات طويلة مضت، ويقدم الكاتب الصحافي المصري الشاب وائل لطفي في كتابه العام «ظاهرة الدعاة الجدد» رصداً دقيقاً لأصحاب الصورة المغايرة من الدعاة، وهم الذين أطلق عليهم المؤلف تعبير «الدعاة الجدد». في 214 صفحة يقدم المؤلف في أول مؤلفاته كل ما يتعلق بالدعاة الجدد، مشيراً إلى أنهم استغلوا جميع الوسائل المتاحة لنشر أفكارهم،
وتمكنوا من التعامل مع أدوات الحداثة ومنجزات التكنولوجيا الحديثة، ومع نتائج العولمة على المستوى الاتصالي والمعرفي توغلوا في الفضائيات ومواقع الانترنت، ويؤكد المؤلف على أن هؤلاء الدعاة يختلفون شكلاً ومضموناً عن أولئك الدعاة التقليديين، فلا يلتزمون بزيهم التقليدي، ولا بلغة الخطاب التراثية القديمة،
ويؤكد المؤلف على أنهم دعاة أخلاقيون في المقام الأول يتبنون فكرة الإصلاح من أجل المجتمع، لأنهم يهدفون كما يشير المؤلف إلى الوصول لمجتمع متدين دون مخاطرة الانضمام لجماعة من الجماعات ودون التصدي لما هو سائد أو العداء معه، ويرى المؤلف أنهم بهذا المنحى يمكن اعتبارهم متحمسين للإسلام الاجتماعي وليس السياسي، أما طريقة تقديمهم فهي تعتمد على أسلوب جديد يعتمد على الإلقاء بطريقة درامية متميزة تصل بالمتلقين إلى درجة عالية من المتعة والتشويق.
ويتتبع المؤلف النشأة التاريخية للدعاة الجدد مشيرا إلى أنه من الخطأ التصور أن عمر هذه الظاهرة ثلاث أو أربع سنوات فقط، وإنما هي عبارة عن أجيال متعاقبة وبدأت وبالتقريب عام 1991 ويحددها المؤلف مع الداعية السكندري ياسين رشدي الذي يعد الجيل الأول وأول حالة نموذجية للدعاة الجدد، فهو قبطان بحري يملك استثمارات في مجال تصدير واستيراد القمح، ولمع نجمه من خلال مشاركته في برنامج تليفزيوني مصري عام 1991.
وتميز رشدي في خطابه الديني بالبعد عن السياسة مركزا على البعد المجتمعي، كما أن النسبة الغالبة من جمهوره كانت منتمية لطبقته الاجتماعية أي طبقة رجال الأعمال وفي سيرة هذا الرجل ما يلمح إلى علاقته الوثيقة بالفنانات المحجبات وهو ما أصبح سمة أساسية في حياة الدعاة الجدد ، وقد زوجته الشائعات من ممثلة الإغراء الراحلة والمعتزلة مديحة كامل لكنه نفى هذه الشائعة بشدة.
ومن ياسين رشدي تتواصل الظاهرة مع عمر عبدالكافي وهو الداعية الأشهر خلال السنوات الأربع الأولى من عقد التسعينات، ويعمل باحثا في أكاديمية البحث العلمي، ورجل أعمال يملك شركات ومدرسة إسلامية خاصة لتعليم اللغات ووصل بشعبيته إلى حد حضور عشرات الآلاف لدروسه الدينية في مسجد أسد بن الفرات في حي الدقي الراقي، كما أنه أول من حول نادي الصيد إلى مركز ديني قوي، ويعد هذا النادي ثاني أكبر النوادي المصرية من حيث تكلفة الانضمام إليه والشرائح الاجتماعية التي تنضم لعضويته.
ويؤكد المؤلف على أن عمر عبدالكافي الذي ارتدى الملابس الأوروبية الفخمة ودافع عنها مستندا إلى مقولة للتابعي أبوالحسن الشاذلي الذي يدافع فيها عن ملابسه الحريرية غالية الثمن بقوله إن من يرى هذه الملابس سيدرك أن صاحبها لا يحتاج لشيء سوى رضا الله هو أحد أطوار تكوين ظاهرة الدعاة الجدد، وربما كان هو رأس الذئب الطائر الذي تعلم منه الآخرون فيما بعد وبالتحديد عمرو خالد، فمن ناحية المظهر والجمهور وأماكن الخطابة والتحالف مع المراكز الدينية الجديدة ذات الصبغة البرجوازية كان هو نموذجا للداعية الجديد.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن عمرو خالد الذي يعد بحق النجم الأشهر بين الدعاة الجدد فهو الشاب الذي لا تقف علاقته بالحداثة والعولمة عند حدود الأزياء الأوروبية شديدة الأناقة، وإنما الأمر يتعدى ذلك بمراحل، فأحد أهم وسائل تواصله مع جمهوره هو موقعه على شبكة الانترنت الذي يفخر بأنه من أهم خمسمئة موقع على مستوى العالم، وعمرو خالد هو خريج كلية التجارة في جامعة القاهرة عام 1988 وملأ الفراغ الذي تركه عمر عبدالكافي في نادي الصيد ثم انطلق بسرعة الصاروخ محققا شهرة واسعة ،
ويرى المؤلف أن سر نجاحه يكمن في أنه يجيب للشبان الصغار الذين يعانون من الفراغ على كل المستويات على أسئلة كيف ترضي والديك؟ كيف تنجح في عملك؟ كيف تتزوج؟ وكيف تكون سعيدا في الدنيا والآخرة؟ ويطرح المؤلف التفسيرات المختلفة في ظاهرة عمرو خالد الاجتماعية والسياسي ويتبنى تفسيرا يصلح لتفسير ظاهرة الدعاة الجدد ككل يقول فيه إن طبقة الصفوة هي التي أفرزت هذا النوع من الدعاة ليقدموا لها تدينا آمنا ودافعا إلى مزيد من الصعود الاجتماعي لا يعادي السلطة،
ليس فقط لأنه لا يهاجمها، ولكن لأنه يعمل يوما بعد يوم على استقطاب المزيد من الدولة المحيطة بها، والمطلوب ليس تغيير السلطة، ولكن إكسابها طابعا دينيا يمكن أن يملأ حالة الفراغ الروحي والفكري والسياسي لديها، كما أنه يكسبها مزيدا من الشعبية والشرعية ويطيل من عمرها بما يحقق مصلحة الجميع. يرصد الكتاب أسماء عديدة أخرى مثل صفوت حجازي وراغب السرجاني وحازم أبو إسماعيل وأكرم رضا ..
أما خالد الجندي فهو أيضا الداعية الذي خطب في مسجد نادي الصيد وطرحته وسائل الإعلام منافساً لعمرو خالد . ويتحدث الكتاب عن الداعيات السيدات، ويعتبرهن المؤلف «داعيات ضد التهميش»، ويقصد بذلك أن الانتشار الجماهيري للداعيات ليس كبيراً بسبب بعض الأفكار منها الاعتقاد بأن صوت المرأة عورة، ورغم ذلك فإن بعض الداعيات تجاوزن هذه الفكرة، لنراهن على شاشات الفضائيات، ويعتبر المؤلف هذه الظاهرة محاولة جادة للخروج من إطار الزوجة الجميلة التي تبقى في المنزل كأحد مقتنيات الزوج إلى فضاء أكثر رحابة تستطيع المرأة فيه أن تكون مؤثرة في المجتمع.
محمد سليمان
الكتاب: ظاهرة الدعاة الجدد
تأليف: وائل لطفي
الناشر: مكتبة الأسرة ـ القاهرة 2005
الصفحات : 215 صفحة من القطع المتوسطظاهرة الدّعاة الجدد
