صدر كتاب جديد بعنوان (عامية لكنها فصيحة ـ دراسة في اللهجة الكويتية) للمرحوم عبد الحميد محمد البسيوني وقدم للدراسة الدكتور عبد الله يوسف الغنيم، ويضم هذا الكتاب مجموعة من المقالات التي نشرها حول عدد من الكلمات العامية في اللهجة الكويتية، ولكنها ذات أصول لغوية في العربية الفصيحة. وكان المؤلف قد نشر مجموعة من البحوث والدراسات الإسلامية من بينها كتاب «من بر الكتاب الكريم» و«من هزم الأحزاب وحده»
إضافة إلى مجموعة من المقالات والبحوث في المجلات العربية المتخصصة ، عمل في وزارة التربية في دولة الكويت مدرساً ومستشاراً في مركز بحوث المناهج واشرف على تأليف عدد من الكتب المدرسية في اللغة العربية والتربية الإسلامية.
شارك في التحرير والإعداد لقاموس القرآن الكريم الذي يصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي وكتب الكثير من المداخل المهمة ضمن ذلك المشروع. عمل خبيراً بمكتب أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح إلى حين وفاته. وقد نشرت هذه المقالات في إحدى الصحف الكويتية ابتداء من 27 يونيو عام 1987. وأذيعت بعد ذلك في أحاديث إذاعية من خلال إذاعة دولة الكويت. وقد اشتمل الكتاب على خمس عشرة كلمة يتداولها أهل الكويت في أحاديثهم اليومية العادية،
وهذه الكلمات هي: استن ـ مستن ـ مسنة ـ الخور، وجمعها: خيران،العاير، ذرب، فوح ـ سلق، أشوى، هل الدمع ـ هلت العين، كود، راهي ـ راهية، ولات، لاث، لوث، الجال أو اليال، الشاوي، الحزة، وأخيراً السيف.يقول المؤلف حدثني الثقة انه في منتصف الخمسينات، كان يعمل في إحدى الدوائر مستشاراً، وكان قد أعد ورقتين، فرغ من إحداهما، ولم يبق في الأخرى إلا سطر أو سطران لم يكتبهما، أعطى الأولى للمراسل ـ وكان فتى نشيطا ـ وقال له: «استن» ولشد ما كانت دهشته عندما انطلق الفتى المراسل لا يلوي على شيء.
وأخذ المستشار أشد العجب مما يرى، أن هذا الفتى الذكي آية في الأدب والدماثة.. ما له اليوم! يأمره بالانتظار ليأخذ الورقة الأخرى، فإذا هو يطير بالورقة الأولى عاصيا لأمره! أين يكمن السر في هذه المفارقة؟
مكمن السر هو هذه الكلمة التي قالها المستشار: «استن». صحيح إنها تنطق في اللهجة المصرية بفتح النون المشددة، فيكون معناها: تمهل، وانتظر، ولا تعجل.
ولكنها تنطق في اللهجة الكويتية بسكون النون فيكون لها مدلول آخر، لا دخل له بالتمهل والانتظار، بل هو على النقيض من ذلك. فهي عند أهل الكويت تعني الاندفاع والعدو في قولهم «استن فلان» أو «فلان مستن». ويقولون أيضا للطريق المهيأ «مسنة».. وهذا الاستخدام مغرق في العربية.
ومن الكلمات التي شرحها المؤلف في هذا الكتاب كلمة (العاير) والعاير هي زاوية المنزل الخارجية. أو كما يقول الشيخ جلال الحنفي في معجمه: هو رأس الركن من جدار الدار، يكون عند منعطف الطريق. وفي الكويت كان الأولاد يلعبون عند العاير، أو يجلس الشبان يتحدثون، أو كبار السن، ممن لا عمل يشغلهم.
ويحكي سعيدان أن بعض البائعين كان يجلس عند العاير، وكان بائع السجائر ينادي «زكاير، توه داير، بالعواير» فمن أين أتت هذه الكلمة.. العاير؟ وهل لها علاقة بلفظ «العيار» بمعنى المحتال المخادع الذي قيل فيه «مال البخيل يأكله العيار» و «ما دام البخيل حي فالعيار عايش»؟ كثيراً ما نسمع على ألسنة أهل الكويت هذه الكلمة «فلان ذرب» وهم ينطقونها بفتح الذال، بعدها راء ساكنة، مرققة، ثم الباء.
والذرابة هنا مما يمدح به. قال الشاعر الشعبي فهد بورسلي، يحيي سمو الشيخ جابر الأحمد طيب الله ذكره:
يا مرحبا يا حي ذربين الإيمان
وتحية من مال غصن الجريدة
وقال أيضاً مخاطبا احد أصدقائه:
أسلم وسلم لي على ذرب الأفعال.
و«فلان ذرب» تعني ـ غالبا ـ ثلاث صفات: الذوق في رقة، واللباقة والمهارة.
ومن المعاني البارزة للذرابة في اللغة العربية: الحدة، ولذلك يوصف بها السيف، والسنان، واللسان، والرجل، ومن معانيها أيضاً: الاستطلاق. وهناك أيضاً كلمة كود وهذه كلمة ما زالت مستخدمة دارجة على ألسنة أهل الكويت، وتنطق بكاف ممالة بين الضم والفتح. و«كود» بمعنى كوم، ومنه المثل الكويتي: «كود حجار ولا هالجار» والمعنى واضح، إذا كان الجار مؤذيا أو قليل النفع كان كوماً من حجارة أنفع منه.
فالكود: كوم من تراب أو حجارة أو أي شيء يكوم. تقول امرا «كوّد الرمل» أي اجمعه كوما، ويوصف الرمل في هذه الحالة بأنه «كوّد»، «بدال ساكنة، وكاف مفتوحة، وواو مشددة مفتوحة». وفي التوسع إذا كان الشيء كثيرا وافرا، وصف أيضاً بأنه «مكوّد».
وهذه اللفظة عربية صحيحة، ففي اللسان والتاج: «الكود» كل ما جمعته وجعلته كثباً أي أكواما ـ من الطعام وتراب ونحوه، والجمع أكواد. و«كود التراب»: جمعه وجعله كثبة، ثم أفاد صاحب اللسان أن هذا اللفظ مستخدم من اليمن.
ويشير المؤلف إلى أنه عادة ما تسمع في الكويت احدهم يقول لآخر معاتباً أو زاجراً: «كل ما جينا ندورك تنحاش»! ويقولون للتلميذ الذي تعمد الهرب من المدرسة «انحاش عن المدرسة»، وهذا التلميذ «منحاش». ويخبرون عن إنسان بأنه «لما شاف الكلب واقف له بالشارع انحاش».
وإذا تملص إنسان من الحديث في موضوع ما قال المخبر عنه كل ما حاكيته في الموضوع (أو: كل ما جبت له الطاري) لقيته يتنحش عنه. وينصح احدهم آخر فيقول له «انحاش أحسن لك». ويؤكد محدثك ما آل إليه الموقف مع فلان، حتى صار المتحدث يتهرب منه تهربا، فيقول: «قاعد اتنحش منه» أو «قاعد انحاشة منه كل نحشة والثانية!».
وهكذا تستخدم اللهجة الكويتية الفعل «انحاش» ومضارعه «ينحاش» والامر «انحاش» واسم الفاعل «منحاش». ويصوغون منه «يتفعل» فيقولون «يتنحش». ويعدونه بحرف الجر «عن» أكثر الأحيان، وبالحرف «من» أحياناً أخرى. والمصدر من «انحاش»: نحشة. والكلمة في جميع هذه الاستخدامات تعني الهرب.
أنور الياسين
الكتاب: عامية لكنها فصيحة
دراسة في اللهجة الكويتية
الناشر: خاص ـ الكويت 2005
الصفحات: 136 صفحة من القطع الصغير
