جان ماري هومبير هو المدير العلمي لهذا الكتاب الجماعي، هو عالم لسانيات والمدير الفرنسي لبرنامج «أصل الإنسان واللغات». من أين أتت اللغات؟ متى تكلم الإنسان الأول؟ وهل هناك لغة أم؟ وبأية معجزة تنتقل اللغة من الأهل إلى الأبناء؟ وكيف تم التوصل إلى تحدث حوالي ستة آلاف لغة اليوم؟
ولماذا نصف هذه اللغات هو الآن بصدد الاختفاء؟ أسئلة كثيرة وغيرها يحاول المؤلف في هذا الكتاب الإجابة عنها، وذلك بالاعتماد على آخر المكتشفات وآخر الأعمال في مختلف الميادين. ما يؤكده جان ماري هوبير منذ البداية هو أن أصول اللغات كانت حتى فترة قريبة من الزمن مغلفة بالأسرار وبالإبهام، وحتى بالنسبة لعلماء اللسانيات التاريخيين.
لكن مساهمات علم الوراثة ـ الجينيطيقا ـ جاءت لتلقي أضواءً جديدة على فترات أبعد من الـ (10000) سنة التي كان أخصائيو اللغات قد استطاعوا، إلى هذه الدرجة، وتلك، سبر أغوارها. إن علوم الوراثة استطاعت أن تحدد فترة ظهور الإنسان العاقل «هومو سابيات» إلى فترة أقرب بكثير مما كان يتم تصوره سابقاً وبأنه قد تواجد قبل ما بين مئتي ألف إلى مئة ألف سنة..
وبنفس الوقت جرى الربط بين ظهور هذا «الإنسان العاقل» وبين ظهور اللغة على أساس أنه كان «الإنسان» الأول الذي استخدم «اللغة الإنسانية». أما في الفترات التي سبقته فقد تواجدت منظومات من «التواصل البدائي»، لكن دون الوصول إلى أية درجة من التجريد.. وإنما كان التواصل يقتصر على «هنا والآن» بمساعدة عدد من الإشارات الصوتية مثل الإنذار مثلاً بوقوع خطر محدق. إنها وبكل الحالات، كما يتم وصفها، كانت منظومة عاجزة عن التعبير أو عن التواصل فيما يخص شؤون المستقبل والماضي.
إن علماء الوراثة اكتشفوا بأن جنس «الإنسان العاقل» الأكثر قرباً من حقبتنا، كان قد انطلق من القسم الشرقي لافريقيا منذ حوالي مئة وخمسين ألف سنة.. ثم جرى إثبات انه كان هناك نوع من «التماثل» بين انتشار الإنسان وانتشار اللغات.
وبسبب قلة الكثافة الديموغرافية آنذاك كان يتم الانتقال بمجموعات صغيرة تضم عدة عشرات من البشر فقط.. وحيث كانت هناك علاقات قليلة فيما بينها. هكذا يدل المختصون بالديموغرافيا العالمية بأن عدد سكان الأرض لم يكن يتجاوز المليون نسمة منذ حوالي خمسين ألف سنة. وقد وصل هذا العدد منذ حوالي عشرة آلاف سنة إلى 10 ملايين نسمة.
حتى ذلك التاريخ يسود الاعتقاد بأنه كان هناك جذر لغوي واحد ... فمن أين أتت الـ 6000 لغة التي تتحدثها اليوم أمم العالم وشعوبه؟ إن التفرع قد بدأ منذ حوالي خمسة آلاف سنة حيث كان يوجد في العالم 300 لغة مع تواجد 50 مجموعة بشرية متمايزة إلى هذه الدرجة أو تلك.. بينما لم يكن هناك منذ فترة تقع ما قبل عشرة آلاف وخمسة عشر ألف سنة سوى خمس عشرة مجموعة ...
والسؤال هو هل كانت هناك لغة أم واحدة انبثقت منها اللغات الأولية أم خمس عشرة لغة من الأمهات؟ ما يؤكده المساهمون في هذا الكتاب هو انه من المستحيل الإجابة عن هذا. ذلك أنه وحتى إذا أمكن البرهان على أن هذه المجموعات الخمس عشرة قد انحدرت من لغة أم واحدة، فإنه من الممكن تصور أن اللغة قد انبثقت في أمكنة مختلفة وأن مصدراً واحداً استطاع البقاء.
وما يؤكد عليه جان ماري هومبير هو ان للغة عدة مصادر وليس مصدراً واحداً .. فمثل هذا التأكيد على الأصل الواحد للغة إنما يجد تفسيره في المنهج الديني للتفكير. تبقى خصوصية الإنسان في انه قام أثناء مسيرة تطوره التاريخية بـ «تكديس المعرفة» وليس «التقليد» فقط كما هو في عالم الحيوان. عند الإنسان هناك ما هو «غريزي» وما هو «مكتسب». وهكذا تطورت منظومات التواصل تبعاً لعملية التكدس لدى مجموعات بشرية كانت قد تفرقت في أصقاع مختلفة.
إن المساهمين في هذا الكتاب، على مختلف مشاربهم وميادين اهتمامهم، حاولوا أن يجمعوا المعلومات ويقوموا بمقارنتها ومحاولة إيجاد تقاطعاتها بغية إيجاد «السيناريو» الأكثر منطقية لنشأة اللغة ومنظومات التفاهم. وعلى هذا الأساس يتم إجراء نوع من المقارنة بين اكتساب اللغة لدى الطفل وبين ظهور اللغة لدى «الإنسان العاقل».
فمثلاً هناك مرحلة يتقدم فيها الطفل ببطء كبير في تعلم «القاموس» اللغوي ثم فجأة يدرك بأنه يستطيع أن «ينتج جملاً ذات معنى» بواسطة الكلمات.. وهذا ما يسمى بـ «التفجر القاموسي». وبنفس الشكل يمكن تصور شيء مشابه بالنسبة لظهور اللغات ومنظومات التفاهم البشري. هكذا مثلاً كانت هناك في البداية إشارة صوتية واحدة للتحذير من خطر قادم،
ولا شيء يمنع من التفكير أيضاً بأن الإشارات الصوتية قد تعددت فيما بعد من أجل التنبيه عن «أخطار متعددة» هي الأخرى. فمثلاً أصبحت هناك إشارة بالنسبة للنسر وأخرى للفهد وثالثة للأفعى. ويمكن أيضاً تصور أن «القاموس» يتطور تدريجياً وصولاً إلى «تجريد» مفهوم الخوف نفسه بحيث ان الإشارة الصوتية نفسها قد أصبحت ذات قيمة «اتفاقية».
ثم إن نشوء اللغة واللغات وتطورها كان مرهوناً دائماً بتطور الدماغ الإنساني كشرط لازم، لابد من تحققه من أجل التوصل إلى منظومة لإنتاج الكلام.. وهي منظومة «معقدة» لا يمكن أن تصدر إلا عن عقل «معقد» هو الآخر. وكان العلم قد اعتبر لفترة طويلة جداً من الزمن أن انطلاق اللغة كان تابعاً لوضع «الحنجرة».. وطالما كانت الحنجرة في وضع «عالي» فإنه لم تكن هناك إمكانية للوصول إلى النطق،
لانه لم تكن هناك فسحة كافية للسان كي يتحرك في تجويف الفم من أجل إصدار مجموعة هائلة من الأصوات المتمايزة فيما بينها. لكن مثل هذا التحديد «التشريحي» لا يبدو مقنعاً لوحده، حسب الباحثين بأصول اللغات. ذلك ان عملية «إعاقة» إصدار الإشارات الصوتية المتمايزة لا تقع على مستوى إمكانية تمفصل هذه الإشارات وإنما خاصة، وأساساً، على مستوى الإدراك العقلي وتطور المنح. وما يؤكده علماء التشريح والباحثون في تطور الحياة الإنسانية هو أن حجم المخ قد ازداد ثلاثة أضعاف خلال الثلاثة ملايين سنة الأخيرة.
ويؤكدون أيضاً أنه إذا كان لـ «حجم» الدماغية أهمية فإن الأهمية الحقيقية هي لشبكة التلافيف ودورة الشعيرات الدموية الداخلية .. وعلى هذا الصعيد بالتحديد يتميز الإنسان عن غيره من الكائنات «تشريحياً». لكن بعيداً عن الخصائص الدماغية وتطورها وما ترتب عليها، فإن جان ماري هومبير، والعديد من الباحثين الآخرين، يعتبرون بأن المفتاح الحقيقي لفهم أصول اللغات يتمثل في الانتقال عبر المكان وخاصة عبر البحار..
ويتم الحديث في هذا الإطار بشكل خاص عن رحلة أولئك الذين انطلقوا من الجزء الشرقي للقارة الافريقية إلى استراليا. ومن الثابت ان هؤلاء كانوا قد تواجدوا في استراليا منذ حوالي (50000) سنة. الفرضية المطروحة في هذا الكتاب هي انه ما كان للقدماء أن يشرعوا بالانتقال إلا نحو ما يرونه، إذ هناك مخاطرة أقل بمعرفة أين نذهب مما هو نحو المجهول والمغامرة العشوائية.
وتدل الخارطة «الاحتمالية» التي جرى رسمها للطرق المستخدمة للوصول إلى استراليا في منطقة الشمال حيث توجد إمكانية دائمة لرؤية ما هو بالمقابل. أما الجدول الزمني فيدل على أن أولئك الذين انطلقوا من شرق افريقيا قبل مئة ألف سنة.. وكان لابد لهم للقيام بمثل هذه الرحلة إلى استراليا من تبادل كمية كبيرة من المعلومات.. وهكذا بدأوا «كما يفترض» بتبادل «الحديث» منذ حوالي سبعين ألف سنة.. وذلك على أساس انه لا يمكن تصور القيام بمثل تلك الرحلة دون تبادل الحديث، أي دون وجود لغة شفهية لـ «تبادل المعلومات».
أما أولئك الذين ظلوا في افريقيا لم تكن هناك حاجة للغة حقيقية لانهم لم يغيروا محيطهم الجغرافي. وفي محصلة التحليل حول أصول اللغات وتطورها يتم التأكيد في هذا الكتاب بأن أغلبية الستة آلاف لغة المحكية في العالم اليوم مهددة اليوم بالانقراض وبحيث ان 90% منها سوف تزول في مدى قرن، وهذا لا يعود فقط إلى هيمنة اللغة الانجليزية .. فمثلاً لم يعد هناك اليوم هندي واحد يتحدث لغته التقليدية باستثناء أبناء منطقة «نافاجوس» الذين يستفيدون من برنامج للحماية اللغوية.
وفي جميع مناطق العالم تقوم لغات الأغلبية بـ «التهام» لغات الأقلية. وفي بلد مثل «الغابون» في افريقيا الاستوائية سيكون هناك فقط 20 لغة مستخدمة من أصل 50 لغة اليوم.. وذلك في أفق عام 2025. وهناك 5000 لغة من أصل الـ 6000 المستخدمة اليوم يتحدثها 10% من مجموع سكان العالم.. وهذه النسبة ستشهد «سقوطاً» سريعاً.. و«تسقط» معها التعددية اللغوية. فأية لغة ستتحدثها الأجيال اللاحقة؟! إلى جانب الانجليزية بالطبع.
الكتاب: في أصول اللغة
الناشر: فايار ـ باريس 2005
الصفحات: 514 صفحة من القطع المتوسط
AUX ORIGINES DES LANGUES
ET DU LANGAGE
JEAN - MARIE HOMBERT
FAYARD - PARIS 2005
P. 514
