هيلين كارير دانكوس، مؤلفة هذا الكتاب هي أمينة الأكاديمية الفرنسية طيلة الحياة عندما جرى انتخابها لهذا المنصب عام 2000 بعد أن كانت قد أصبحت أحد الخالدين، حسب التسمية المعروفة عن أعضاء هذه الأكاديمية، في عام 1991. السيدة دانكوس هي مؤرخة مختصة بالتاريخ الروسي..

وكانت من أوئل، ان لم تكن أول المثقفين الغربيين الذين تنبأوا بنهاية الاتحاد السوفييتي، وذلك عندما أصدرت كتابين كرستهما لهذا الموضوع تحت عنوان «الامبراطورية المتفجرة» و«السلطة المصادرة». لها أيضاً عدة مؤلفات أخرى من بينها «مجد الأمم» و«روسيا الظافرة» و«البؤس الروسي» و«نيكولا الثاني» و«كاترين الثانية» و«لينين»... الخ.

في هذا الكتاب الجديد «امبراطورية أوراسيا» تاريخ الامبراطورية الروسية من عام 1552 إلى يومنا هذا «تقرأ هيلين كارير دانكوس ماضي أحد أكبر الامبراطوريات من حيث المكان الذي شغلته على قارتين، أوروبا وآسيا، «أوراسيا» ولكن أيضاً من حيث الاستمرارية في الزمن بالصيغتين الروسية ثم السوفييتية ثم الانبعاث من جديد في الصيغة الروسية ثم السوفييتية ثم الانبعاث من جديد في الصيغة الروسية الراهنة.

ان الامبراطورية الرومانية وحدها التي تفوقت عليها من حيث الامتداد في المكان والزمان، وعرضت نفس مكامن القوة امبراطوريتان أخريان في التاريخ، هي الامبراطورية البيزنطية والامبراطورية العثمانية.«كل امبراطورية مآلها الفناء» هذا ما أثبتته دروس التاريخ البشري حتى الآن..

ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في الحديث عن «الاستثناء الروسي» .. فالامبراطورية الروسية قد بدلت دائماً من ثوبها مع المحافظة دائماً على جوهرها سواء أكان على رأسها قيصر أو أمين عام للحزب الشيوعي.

فإذا كانت الثورة البلشفية لعام 1917 قد قضت على حكم القياصرة لتعيش على مدى سبعة عقود من الزمن الامبراطورية السوفييتية التي اختفت بدورها عام 1992 لتترك المكان لروسيا التي تتشابه في كثير من النقاط، كما تشرح هيلين كارير دانكوس بكتابها، الامبراطورية التي كانت قد شهدت ولادتها عام 1552.

ذلك ان هذه الامبراطورية الحالية، مثل السابقة، تمتد على قارتين «أوروبا وآسيا» ومثلها أيضاً تضم داخل حدودها العديد من الحضارات والشعوب بالطبع مع تفوق العنصر الروسي .. كما ان الامبراطورية الحالية هي مثل الأولى مسيحية «أرثوذكسية» أساسياً، لكن فيها أيضاً مسلمين، و«الجمهورية الشيشانية» هي المثال الأكثر بروزاً في السياق الحالي لكنه ليس المثال الوحيد..

وفيها أيضاً بوذيين كما تؤكد بعض الأرقام التي تؤكدها مؤلفة الكتاب.. والامبراطورية الحالية عليها أيضاً مثل الأولى ان تحقق السلام في العالم المتنوع الذي تسيطر عليه. وما تؤكده المؤلفة هو أن الامبراطورية الروسية الحالية تواجه سؤالاً جوهرياً إذ عليها ان تحدد إذا كانت دولة أوروبية أو انها سوف تحافظ على بقائها كـ «أوراسيا»؟..

بكل الأحوال ومهما كانت الإجابة على هذا السؤال فإن التاريخ المضطرب لهذه الامبراطورية «الروسية» حالياً يطرح سؤالاً أيضاً، وسؤالاً حاسماً، لمستقبل القارة الأوروبية وأيضاً لمستقبل الاتحاد الأوروبي الذي يواجه اليوم مشكلة تعريف حدوده.. وإذا كانت المسألة التركية وانضمام تركيا، وريثة الامبراطورية العثمانية إلى الاتحاد الأوروبي تطرح الكثير من المشكلات على الاتحاد الأوروبي، فإنه بالأحرى ان يطرح الاتحاد المشكلة حيال روسيا.

ان مؤلفة هذا الكتاب تؤكد على ان المعطيات الثقافية التاريخية، وتداخل العلاقات الأوروبية ـ الروسية وحتى، وربما خاصة، في زمن بعض القياصرة مثل كاترين الثانية، تسمح بالتفكير جدياً بضم روسيا إلى الاتحاد الأوروبي..

على أساس ارثها الثقافي وواقعها الديني، خاصة بالقياس إلى بلد مثل تركيا.. لكن المشكلة المطروحة لهذا الانضمام هي ذات طبيعة سياسية واستراتيجية إذ انه من الصعب على الاتحاد «ابتلاع» روسيا الضخمة فوجودها في داخله سوف يغير كل المعطيات وموازين القوى داخل الاتحاد، لكن الصعوبة الأساسية في انضمام روسيا إلى الاتحاد الأوروبي تجدها مؤلفة الكتاب في القول بان قبول انضمامها انما يعني نسيان ان روسيا وراءها تاريخ طويل كـ «امبراطورية»،

وهذا التاريخ «الامبراطوري» شكل بدوره ذهنية تجعلها قابلة «لاحتواء» غيرها دون أن تكون قابلة للاحتواء من أحد. لقد كانت امبراطورية أولاً ثم سوفييتية لاحقاً.. وها هي تستمر الآن في الواقع الروسي الحالي.. هذا يعني انها امبراطورية مستمرة منذ حوالي خمسة قرون ونصف، هنا تفتح المؤلفة قوسين لتطرح سؤالاً له علاقة بالتاريخ الروسي نفسه، هذا السؤال تطرحه بالصيغة التالية، لماذا هذه الامبراطورية التي ماتت مرتين تعود لتنبعث من جديد مثل طائر الفينيق الذي ينبعث من رماده؟

أما الإجابة التي تقدمها على هذا السؤال فتتمثل في القول بأن عنصر الاستدامة في تاريخ الامبراطورية الروسية يأتي من كون انها جسر بين قارتين كبيرتين هما آسيا وأوروبا.. وباعتبارها جسراً فإنها عنصر «تجميع» وليس عنصر «تمزيق».. وهي بذلك تشكل «نموذجاً» جديراً بالاحتذاء به بهذا المعنى، ان «أوراسيا» تضم داخل حدودها روساً أوروبيين وتتاراً وبشكيريين مسلمين وشعوباً بوذية مثل شعب «الكالموك» ..وهؤلاء جميعاً وغيرهم من مكونات الامبراطورية يعيشون معاً منذ عدة قرون.

وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى عمل رمزي شهدته منطقة «قازان» أحد معاقل الإسلام وحيث كان «ايفان الرهيب» قد هدم أكبر مساجد المدينة من أجل بناء كنيسة ضخمة.. واليوم تشهد المدينة وجود مسجد يفوق ارتفاع مئذنته ما هو موجود في أوروبا كلها، ويقع بالقرب من الكنيسة، بل في مواجهتها تماماً.. الأمر الذي ترى فيه هيلين كارير دانكوس «نموذجاً فريداً للتعايش» ..

وهذا التعايش تقوم بتعميمه كي يشمل «أوراسيا» كلها حيث يحس الجميع بأنهم يعيشون في بلدهم.. وذلك بعد ان اختفى إلى درجة كبيرة «منطق الفتح» وحيث أدت الاستمرارية الزمنية إلى نوع من الجنوح «الطبيعي» نحو السلم مع ما يترتب على هذا من تعايش وحوار.

وفي محصلة هذا النهج من التحليل والتفكير يتم الوصول إلى القول بأنه ليس من المطلوب «ضم» روسيا إلى الاتحاد الأوروبي بملايينها الـ 150 وانما بالأحرى إقامة «شراكة» حقيقية معها والاستفادة من قراءة مسيرتها التاريخية والاستلهام منها في مختلف مشاريع توسيع الاتحاد الأوروبي الذي يضم اليوم 25 بلداً أوروبياً.

ولا تركز المؤلفة في دراستها للعلاقات الأوروبية الروسية على الدور المركزي الذي تلعبه الثقافة والبعد الحضاري.. وإنما على الدور المهمل في السياق الحالي إذ ان آلية التفكير لا تقوم على أساس الثقافة والحضارة، وإنما بالأحرى على خلفية المصالح الاقتصادية واقتصاد السوق وإهمال أية قواسم مشتركة أخرى.

هذا على الرغم من أن أوروبا تمثل بالدرجة الأولى «حضارة» و «بعداً ثقافياً» وتنويرياً، إلى درجة مثلاً انه في بلاط بعض القياصرة كانت لغة الحديث هي اللغة الفرنسية، وحيث تروى في هذا الإطار حكاية مفادها ان أحد القياصرة بدأ عند وصوله على العرش، بعد ترة انفتاح كبيرة على الثقافة الأوروبية عامة والفرنسية خاصة (عهد قيصر الأكبر وكاثرين الثانية)،

بأن يوظف أحد الأساتذة لإعطائه دروساً خصوصية بـ «اللغة الروسية» لأن لغته «الأصلية» كانت الفرنسية. وبالتالي هذا البعد الثقافي كان، ولا يزال بمنظوره «الإنساني» كما ترى المؤلفة، عنصر «توازن» لابد منه في العالم. لكن هذا لا يمنع واقع ضرورة المحافظة على «أوراسيا» من حيث انها قد تكون نموذجاً لأوروبا الغد.

ان هذا الكتاب يبدو ذا راهنية كبيرة من حيث ما يطرحه من قضايا ذات أهمية استراتيجية مستقبلية. وذلك على ضوء دراسة تاريخ الامبراطورية الروسية «أوراسيا» منذ ولادتها في أواسط القرن السادس عشر وتوسعها الاستعماري وما فرضته بعد ذلك من «سلام روسي» ثم «سلام سوفييتي» وصولاً إلى «الامبراطورية المتفجرة» كما تقرأ في عنوان الفصل الأخير من الكتاب. وكما كانت المؤلفة قد اختارت عنواناً لأحد كتبها السابقة.

الكتاب: امبراطورية أوراسيا

الناشر: فايار ـ باريس 2005

الصفحات: 508 صفحات من القطع المتوسط

L'empire d'eurasie

Helene carrere d'encausse

Fayard - paris 2005

p. 508