شاكر النابلسي، مؤلف هذا الكتاب، هو باحث وناقد أردني معروف، درس الآداب في مصر، ومكث حوالي ثلاثة عقود في السعودية، وهو يقيم حاليا في الولايات المتحدة الأميركية. كان مؤمنا بالأفكار الماركسية، وعند سقوط الاتحاد السوفييتي بدأ يميل إلى الفكر الليبرالي، وهو يعد، الآن، أحد ابرز «الليبراليين العرب الجدد». ينشر، بصورة مستمرة، في بعض الصحف والدوريات العربية وكذلك في بعض مواقع الإنترنت،

وله مؤلفات عديدة؛ من أهمها: (فدوى تشتبك مع الشعر ـ دراسة في شعر فدوى طوقان)، (رغيف النار والحنطة ـ دراسة في الشعر العربي الحديث)، (الضوء واللعبة ـ دراسة في شعر نزار قباني)، (مجنون التراب ـ دراسة في شعر محمود درويش)، (نَبْتُ الصمت ـ دراسة في الشعر السعودي الحديث)، (قامات النخيل ـ دراسة في شعر سعدي يوسف)،

(مذهب للسيف ومذهب للحب ـ دراسة في أدب نجيب محفوظ)، (فضٌّ ذاكرة امرأة ـ دراسة في أدب غادة السمّان)، (مدار الصحراء ـ دراسة في أدب عبد الرحمن منيف)، (الزمن المالح ـ أوراق في جدلية السياسة والثقافة العربية)، (عصر التكايا والرعايا ـ المشهد الثقافي لبلاد الشام في العهد العثماني)، (الثقافة الثالثة ـ أوراق في التجربة الثقافية اليابانية)، (الفكر العربي في القرن العشرين)، (النار تمشي على الأرض ـ شهادات في الحياة العربية)، (وِسادة الثلج ـ العرب والسياسة الأميركية)، (الشارع العربي)، (المال والهلال)، (طَلْقُ الرمل) وغيرها الكثير من الأبحاث والدراسات.

يتبين من هذا التعريف بان النابلسي هو كاتب غزير الإنتاج في مجالات الأدب، والفكر، والنقد والسياسة..وهو إذ يتصدى، الآن، لأي قضية من القضايا، فانه يتناولها من منظور كاتب واسع الخبرة والاطلاع، ولعل ذلك يتجلى في كتابه (الزلزال: أوراق في أحوال العراق) الذي صدر مؤخرا عن دار المدى(دمشق 2005) ضمن سلسلة «الكتاب للجميع» التي توزع مجانا مع بعض الصحف العربية المعروفة، وهو يضم بين دفتيه مجموعة من المقالات التي نشر معظمها في بعض الصحف، وفي بعض المواقع الإلكترونية.

يتحدث الكتاب عما يسميه الكاتب بـ «الزلزال» الذي حدث في العراق في شهر مارس 2003 وانتهى بسقوط النظام الديكتاتوري مع سقوط تمثال الرئيس المخلوع صدام حسين في التاسع من الشهر التالي، أي شهر ابريل والذي يعتبره النابلسي يوما سعيدا في تاريخ العراق والعرب عموما، فهذا الزلزال المدمر والمعمر في آن،

والذي لا يقاس بمقياس «ريختر»، بل بمقاييس البيت الأبيض و10 داوننج ستريت، هو يوم الفصل لما قبله ولما بعده، وهو الذي أحدث انقلابا في المنطقة إذ أصبحت الأنظمة العربية، كما يقول الباحث، «تخشى مآل صنم الوهم الأكبر» في إشارة إلى تمثال صدام حسين الذي هوى في ذلك اليوم التاريخي الذي يعتبر «ظاهرة عربية غير مسبوقة» على حد تعبير النابلسي.

يقسم الباحث كتابه إلى خمسة أقسام هي: يوميات الزلزال، رجال الدين والزلزال، الزلزال والديمقراطية، الزلزال والعرب، في ثقافة ما بعد الزلزال، وهو يحاول عبر هذه الأقسام تسليط الضوء على ما جرى ويجري في العراق عقب الحرب الأميركية البريطانية، ويخصص مساحة واسعة للرد على أولئك الكتاب الذين عارضوا هذه الحرب، وينتقد الأنظمة العربية القامعة للشعوب مركزا على نظام صدام حسين المخلوع،

ويدافع، في جميع فصول الكتاب، عن الديمقراطية، والعلمانية، والتعددية السياسية، وفصل السلطات، وحقوق الإنسان وسواها من المفاهيم التي يعتبرها الباحث سبيلا إلى تحديث المجتمعات العربية وتطويرها وخروجها من حال الجمود، والتخلف نتيجة للسياسات الخاطئة على مدى العقود الماضية.

إن أهم ما يلفت النظر في هذا الكتاب هو رفض الباحث إطلاق صفة «الاحتلال»(!) على الوجود الأميركي في العراق، إذ يستعيض عن هذه الصفة بصفة «الإحلال»، فهو يرى بان الغزو الأميركي للعراق لم يأت لكي ينزع أرضا أو وطنا من شعبه، كما هي الحال بالنسبة لـ «الاحتلال» بصورة عامة، بل إن قوات التحالف جاءت إلى العراق لـ «إحلال» نظام حكم وطني منتخب من الشعب محل حكم ديكتاتوري طاغ وسارق،

وهو، عبر هذا التوضيح، يسعى للرد على أولئك الذين يخلطون بين الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وبين الوجود الأميركي في العراق، محاولا تبين الفوارق بين الحالتين. فالاحتلال الإسرائيلي استهدف منذ بدايته «احتلال» الأرض وطرد سكانها منها، واستبدالهم بسكان آخرين، في حين ان «الإحلال» الأميركي جاء ليؤكد بان العراق للعراقيين،

كما ان «الاحتلال» الإسرائيلي جاء لينزع أرضا من شعب، في حين ان «الإحلال» الأميركي قام بنزع الأراضي الشاسعة التي استولت عليها عائلة صدام وطغمته الحاكمة وردها إلى أصحابها الشرعيين من المواطنين العراقيين، وإذا كان «الاحتلال» يخلق مقاومة عفوية لصده، فان ما جرى في العراق هو العكس، إذ رحب سكان البلاد بالقوة العسكرية التي جاءت لتخلصهم من الحكم الفاشي السابق،

وفي حين يحاول «الاحتلال» محو شخصية الأمة أو الشعب، فان ما نراه في العراق هو تأكيد وتثبيت للشخصية الوطنية الحقيقية السليمة. وإذا كانت كل الأمم تجمع على مقاومة «الاحتلال»، فان الحال في العراق مختلف إذ ان الشارع العراقي ونخب العراق السياسية والأحزاب والقوى المختلفة تقف إلى جانب قوات التحالف... لهذه الأسباب وغيرها، فان ما يجري في العراق هو «إحلال» وليس احتلال.

والوقع ان وجهة النظر هذه غريبة بعض الشيء، وهي تناقض القوانين والمواثيق الدولية التي أطلقت على الوجود الأميركي صفة «سلطة الاحتلال» بحسب قرار صادر من مجلس الأمن الدولي.

السمة الأخرى اللافتة في الكتاب هي سمة التفاؤل التي تصاحب الكاتب لدى حديثه عن الأوضاع الجارية في العراق ومستقبل هذا البلد، ولئن يجهد الباحث في تعداد مساوئ الأنظمة الشمولية كنظام صدام حسين البائد الذي أوصل العراق إلى حافة الانهيار، فانه وفي الآن ذاته يعرب عن تفاؤله بالأوضاع القائمة في العراق عقب سقوط هذا النظام،

إذ يقول بان ما يجري في العراق الآن «أشبه بالحلم المستحيل الذي ظل يحلم به العربي منذ نصف قرن»، وهو يدعم هذا القول بالإشارة إلى قيام حوالي 80 حزبا سياسيا في العراق من كل الاتجاهات والأطياف السياسية، والى إصدار أعداد كبيرة من الصحف دون رقابة أو رسم لخطوط حمراء كما ان صحف العالم كلها تدخل العراق الآن دون رقيب،

ويلفت الباحث هنا الانتباه إلى ان الإعلام المقروء والمسموع والمرئي لم يعد ملكا للدولة الشمولية التسلطية كما هي الحال في مختلف البلاد العربية، كما أن أطباق الفضائيات تنتشر في العراق، ووسائل الاتصال الحديثة منتشرة انتشارا هائلا في بلد حرم من هذه التقنيات لأكثر من ثلاثة عقود، ومؤسسات المجتمع المدني بدأت تنشط بعد ان كانت مغيبة.

ورغم هذه النبرة التفاؤلية التي ترسم صورة وردية لعراق اليوم إلا ان الباحث لا يغفل عن الإشارة إلى ان الخطر الذي يهدد العراق اليوم، والمتمثل في الإرهاب الذي تمارسه، كما يحدد الباحث، تيارات مناصرة لنظام البعث السابق، والفصائل الدينية المسلحة، التي تحاول عبثا وقف عجلة التقدم والحداثة السياسية بالقنابل والسيارات المفخخة..منتقدا في هذا السياق شخصيات سياسية وثقافية عربية وبعض الأبواق الإعلامية التي تحرض في خطابها الإعلامي هذا الإرهاب بدلا من إدانته وفضحه.

وفي عودة إلى الأجواء السياسية التي سبقت الحرب، ومن هو المسؤول عن إشعالها؟ يرى الباحث بأن المسؤول عن هذه الحرب، إضافة إلى بريطانيا والولايات المتحدة، هم العرب حكاما ومثقفين وشعوبا، وعلى رأس هؤلاء صدام حسين الذي قاد العراق من كارثة إلى أخرى عبر إشعال الحروب، وقمع المعارضين، والمقابر الجماعية، ونفي أصحاب الرأي الآخر وسط صمت عربي رسمي مطبق إزاء سلوك هذا الحاكم المستبد،

ويشير الباحث في هذا السياق بأن مسؤولية هؤلاء الزعماء «تتركز عندما غيّب الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى المبادرة البيضاء المخلصة التي أطلقها حصيف العرب الراحل الشيخ زايد بن سلطان عن قرارات مؤتمر القمة العربية» التي سبقت الحرب الأميركية.

أما مسؤولية المثقفين العرب فتكمن في السكوت عما كان يجري في العراق، بل ان الكثير من هؤلاء المثقفين ممن حصلوا على كوبونات النفط (ويذكر الباحث أسماء العديد منهم في مواضع مختلفة من الكتاب) راحوا يطبلون ويدبجون المقالات الحماسية للدفاع عن وجهة نظر الحكم العراقي القمعي، أما مسؤولية الشارع العربي فتكمن في كونه «شارعا مكبوتا، مضطهدا، خائفا، جائعا، عريانا، عاطلا عن العمل...» لا حول له ولا قوة.

ويتحدث الباحث عن هذا الشارع العربي في بحث مستقل محاولا تحليل ممارساته وسلوكه إزاء ما جرى في العراق مستنتجا بأنه شارع موجه، ولا يملك حق التعبير وإبداء الرأي المخالف للرأي الرسمي العربي، كما ينتقد بشدة أداء الإعلام العربي في تغطيته لهذه الحرب وتداعياتها اللاحقة،

ويدين نهجه في بث صور غير إنسانية وتجاهله للجوانب الإيجابية على المسرح العراقي، كما ينتقد المراسلين المنتدبين إلى العراق الذين يجهلون، بحسب رأي الباحث، جغرافيا العراق وتاريخه، وهو يشن هجوما عنيفا على الحركات الدينية المتطرفة والفتاوى الدينية التي تبيح مقاومة المحتل بينما تكون الضحية دائما الشعب العراقي، ويلاحظ بأن أصحاب هذه الفتاوى، الآن، كانوا، فيما مضى، يغضون الطرف عن جرائم صدام الكثيرة، معتبرا ان ذلك يمثل ازدواجية لا يمكن أن تغتفر.

وهو يقترح، انطلاقا من هذا الفهم، بأن يتضمن الدستور العراقي الجديد بندا صريحا ينص على منع مزاولة رجال الدين الذين يصفهم بـ «فقهاء سفك الدماء» للسياسة، داعيا إلى اكتفاء هؤلاء بالهداية الروحية «دون زج الدين المقدس بفن السياسة المدنس، ودون زج الدين الثابت بالسياسة المتحولة، ودون زج تعاليم السماء الروحية بألاعيب السياسة الأرضية».

وتحت عنوان «خواطر حزينة حول حرب الخليج الثالثة (أي الحرب الأميركية الأخيرة في العراق) يشير الباحث إلى ذلك الفرق الشاسع والمؤلم بين ما رآه من قصور لصدام فخمة وراقية ومترفة وشاهقة بحمامات ذهبية وحدائق غناء وبين ما رآه من مناظر بائسة في مدن العراق وقراه من شوارع متربة معفرة فقيرة، وبيوت طينية آيلة للسقوط، فالعراقيون كان يموتون من الجوع والقهر والعوز بينما كان الحاكم الأوحد يرفل في النعيم.

إبراهيم حاج عبدي

الكتاب: الزلزال، أوراق في أحوال العراق

الناشر: دار المدى ـ دمشق 2005

الصفحات: 310 صفحات من القطع المتوسط