وجه أية دعوة للإصلاح والتغيير الديمقراطي. ويبدو أن هذه الأنظمة التي ولدت عاجزة، لا تزال تعيش أوهام استمرارها الأبدي، مفضلة أخذ مختلف أنواع المقويات والمسكنات من حراسها، القدامى والجدد، ومن تقارير أجهزة الأمن والاستخبارات.
ويرى برهان غليون أنه بعد مرور أربعة سنوات من حكم الرئيس بشار الأسد فإن الاعتقادات الأولى بالإصلاح والتغيير لم تعد على ما كانت عليه من الصلابة، وأخذت الثقة التي كانت قوية بالتغيير في مطلع العهد الجديد تتآكل شيئاً فشيئاً أمام الإخفاق الواضح في التغيير وجمود مقلق في كل الأوضاع، بل والتقهقر في العديد من شروط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
ولا يمكن للاختيار الاقتصادي والسياسي الجديد إلا أن يدفع الأزمنة الراهنة التي فتحها إفلاس النظام الشمولي إلى مزيد من التفاقم، وأن ينقل الصراع الاجتماعي والسياسي إلى المزيد من الالتهاب.
وسيجد النظام صعوبات أكبر فأكبر في مقاومة الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة في اتجاه السير نحو مشروع تغيير ديمقراطي يكون أكثر قدرة على الرد بصورة إيجابية على حاجات تطور المجتمع وضمان مصالح غالبية سكانه.
أما فولكر برتس فيعتبر أن الجدل بين أطراف النظام من ذوي التفكير الإصلاحي لم ينته، وطاول إمكانية إصلاح النظام من الداخل، والخلاف دائر حول أولوية الإصلاحات السياسية كشرط لنجاح الإصلاح الاقتصادي والإداري ولمعافاة الاقتصاد.
ويذهب سمير عيطة إلى القول بأن الاختناقات التي تكبح نمو الاقتصاد السوري هي في جوهرها مؤسساتية، وتكمن تحديات الإصلاح في إمكانية إزالة هذه الاختناقات، لإطلاق حرية المبادرة والعمل، وخلق فرص عمل كافية. في حين يطالب لؤي صافي بتحديد طبيعة الخلل في المجتمع السياسي السوري،
وكذلك تحديد القوى الاجتماعية، وتحليل أولوياتها والمصالح التي تسعى إليها، ومن ثم البحث في الآليات والمقاربات اللازمة لتحقيق المشروع الإصلاحي. ويخلص إلى أن مصير الإصلاح في سوريا سيبقى مرهوناً بتكون إرادة شعبية للإصلاح، نابعة من احتياجات أفراد المجتمع.
في حين أن رضوان زيادة يحاول الإجابة عن مدى وحدود الإصلاح السوري الذي من الممكن أن يقوم به نظام البعث السوري كما استقرّ دستورياً ومؤسساتياً وشعبياً، مع أن التفكير في المستقبل يدفعنا اليوم إلى التفكير في مآلات تبدو في المنظور القريب مستحيلة، لكنها ممكنة في ضوء صيرورة التاريخ والحراك الاجتماعي الذي يمدنا بالأمل.
وكنا نأمل في أن تكون سرعة انهيار نظام صدّام حسين تجعل الأنظمة العربية تعيد حساباتها الداخلية، لتبدأ بالإصلاح السياسي، مرجحة العودة إلى منطق المصالحة الوطنية، ومستفيدة من الدرس الذي يفيد بأن الأنظمة الشمولية في طور التفكك والأفول، وهي وإن اتصفت بالقسوة والقمع والضراوة، داخلياً، فإن ذلك لن يمكّنها من امتلاك أسباب القوة الكافية، ويجعلها قادرة على مواجهة أخطار الخارج.
وتبرز معظم مواد الكتاب الحراك والمؤشرات الجديدة في الحياة السياسية السورية بعد تولي الرئيس بشار الأسد السلطة في سوريا، وهي مؤشرات تقول بالإصلاح والتغيير الاقتصادي والسياسي، وتقاطعت مع طموحات الراغبين في التغيير نحو الأفضل، فتفعّل الحراك الاجتماعي، وعبّر عن نفسه في صور متعددة، تجلت في صدور بيانات ووثائق، تطالب بإلغاء حالة الطوارئ والمحاكم والأحكام العرفية والاستثنائية، وبإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في السجون السورية، وإطلاق الحريات، وسوى ذلك كثير. ونشأت تجمعات للمثقفين والعديد من منتديات الحوار.
ورغم أن الحوار سكن صالونات وغرف ضيقة، لكن صداه تعدى جدران الغرف والصالونات المغلقة وخرج إلى الشارع. ومن الطبيعي أن يلاقي هذا الحوار حول هموم المواطن والوطن المختلفة صدى واسعاً، بل وتفاعلات اختلفت آليتها باختلاف شرائح المجتمع واختلاف الموقع الاجتماعي والسياسي، من رجل الشارع العادي إلى المهتمين بالشأن العام وإلى رجال السلطة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية المتعددة، وبرهنت أن همّ الوطن وحاله مسألة تهم كل أبناء الوطن وليست حكراً على حزب بعينه أو جماعة بذاتها، أياً كانت. وقد أظهر الحراك الاجتماعي الذي شهده الشارع السوري في فترة «ربيع دمشق» مدى تعطشه للحوار ولتبا��ل الرأي دون أي إمكان قطعي للمفهوم.
ومن الطبيعي أن يكون المثقفون في طليعة من حملوا راية الحوار، فطالبوا بإرساء مقومات ضرورية لإحياء وتفعيل المجتمع المدني، ونمت محايثات جديدة للكينونة والمواطنة، ومطالبات بإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، مما جعل فئات كبيرة من قوى المجتمع معنية به، وعنى ذلك رسم صورة جديدة للفكر، وبداية أرضنة لمفهوم الحوار والتعاقد وفق التربة السورية. لكن وبعد أشهر قليلة تبين أن هناك، وخصوصاً من هم في السلطة، من يريدون كبح حراك المجتمع السوري، ووقف مختلف أشكال الحوار فيه، وكأن مسألة الوطن تخصهم وحدهم دون سواهم، لكن الذي جعلهم يتحركون ويتصرفون بقسوة وعنف، هو أنهم لا يريدون أن ��تشكل أية حركة يمكنها أن تضّر بمصالحهم الشخصية الضيقة والمكتسبات المادية والمعنوية التي جنوها فيما مضى.
غير أن الإصلاح في سوريا، ليس حديث ترف أو تسلية، لكن البعض يرى بضرورة التغيير الإنقاذي، إذ إن الإصلاح لم يعدد ممكناً، نظراً لتفاقم الأوضاع، وهذه الدعوة تتلقفها قوى سياسية وأصوات متناثرة بأكاديميتها ومكانتها البحثية والعلمية ومسؤوليتها الأخلاقية والمعرفية.
ما يمكن تسجيله في هذا الكتاب هو الرصد التحليلي العملي للتجربة السورية، ويستند إلى مجموعة تصورات وتوصيات طوعية، تستوفي رؤى قبلية وتنفيذية. وهو مؤشر أن ظهور خطاب الإصلاح بكثافة عالية، ودلالة على تفاقم حالة التردي والانهيار والفشل على مختلف الصعد، ما يعني أن الأنظمة العربية لم تستطيع إنجاز شيء فعلي لبناء الداخل في البلدان العربية، نظراً لأنها قمعت جميع الأصوات المعارضة لأفعالها وأقوالها.
لكن الإجماع على ضرورة الإصلاح عليه أن يتحول إلى فعل اجتماعي، بفعل القوى الحية في المجتمعات العربية، لكن مع الأسف فإن القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في الإصلاح السياسي غائبة تماماً عن الفاعلية السياسية، وهو غياب قسري، سببته حالة الطوارئ وأحكامها العرفية والاستثنائية التي تمتد إلى أكثر من أربعين عاماً، بالترافق مع الاستبعاد من المشاركة والفعل، فضلاً عن تناثر
وتناحر ما تبقى من قوى المعارضة، الأمر الذي يجعل الإصلاح السياسي هدفاً، من غير قوى فاعلة تتبناه وتدافع عنه في ظل أنظمة شمولية، جعلت مختلف أجهزتها العسكرية والأمنية في مواجهة القوى المجتمعية.
عمر كوش