مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور ممدوح أنيس فتحي حاصل على درجات للدكتوراه في تخصصات عدة تشمل العلوم السياسية والاستراتيجية وأثرى المكتبة العربية بنحو 44 كتاباً ومرجعا فضلا عن العديد من الدراسات في صحف عربية وأجنبية عدة. ويأتي كتابه هذا انطلاقا من الأهمية التي أصبحت تمثلها الدراسات المستقبلية بما يجعله محاولة علمية جادة لاستشراف التحديات والمخاطر التي تواجه الإمارات على مدى الأعوام الـ 25 المقبلة.
وتنطلق رؤية المؤلف من أن الإمارات في حاجة الى خريطة واضحة المعالم للعالم الذي نعيشه السريع التغير والشديد التعقيد حتى تستطيع أن تمتلك رؤية واضحة لطبيعة التحديات والتهديدات المحتمل ان تواجهها وتدرك بوضوح كافة الأخطار التي قد تعترض مسيرتها نحو التقدم، ولا يصبح مستقبل الدولة مرهونا بمواقف الدول الأخرى ومصالحها وتقتصر سياسة الدولة على ردود الأفعال وتفتقد المبادرة، الأمر الذي يفرض ضرورة استشراف المستقبل الذي ترغبه الدولة في إنطلاقها الحضاري.
وفي محاولته للقيام بهذه العملية اعتمد الدكتور ممدوح انيس فتحي على طرق تتبع الظواهر ومناهج تحليل الواقع ومعدلات نموه وتطوره مع التسليم بأن معطيات الواقع أو الأوضاع الراهنة محليا وإقليميا ودوليا تمثل معطيات المستقبل ومراعاة التطورات التقنية التي ستغير وجه الحياة في المجالات كافة.
كما اعتمد في مناقشة مستقبل الإمارات على سيناريو متفائل وهو استمرار تماسك الاتحاد على مدى فترة الاستشراف والتعرف على ما تم إنجازه منذ قيام الدولة في 2 ديسمبر 1971 وحتى الآن. وإزاء الأهمية التي أصبح يحتلها مفهوم الأمن القومي في عالم اليوم وضرورة احتلاله مكانة مركزية في التفكير الاستراتيجي السياسي والعسكري للإمارات .
يقدم المؤلف مقترحا لمحتوى المفهوم بالنسبة للدولة في القرن الحادي والعشرين وفق المعطيات المادية والمعنوية. وفي تحديده للوضع الراهن كنقطة الانطلاق نحو المستقبل يشير الى أن الإمارات تعتبر واحدة من الدول التي تتمتع بأكبر قدر من الاستقرار الداخلي في منطقة الخليج العربي ويعرض في هذا الإطار للوضع الراهن للسياسة الخارجية للإمارات، ونظامها السياسي، والتحديات الراهنة للإصلاح السياسي أمام الدولة، وأهمية هذا الإصلاح في ضوء التطورات الحاصلة على مستوى دول خليجية أخرى، مقدما ملامح تصور للإصلاح المطلوب وأبرز التحديات التي يمكن أن تواجهه.
من هذه النقطة ينطلق الى قضية القوات المسلحة في مواجهة متطلبات القرن الحادي والعشرين، مشيرا الى خطأ الاعتقاد بأن السنوات المقبلة ستكون بداية لحقبة تاريخية ينعم العالم خلالها بالسلام والإستقرار وهو ما يتطلب عملية تطوير للقوات المسلحة وتحديثها الى قوة عسكرية نظامية صغيرة الحجم وعالية الكفاءة القتالية
وتمتلك قدرات حربية مؤثرة بحيث تستطيع فرض تفوقها في العمليات العسكرية المحدودة والشاملة بكل أشكالها وتكون قادرة على أن تلعب دورا فاعلا في تحقيق السلم والأمن الدوليين والمساهمة في الحفاظ عليهما.
ويعرض هنا بالتفصيل، الأمر الذي يتعذر الإفاضة فيه من خلال هذه السطور، للتطورات العسكرية المحتملة حتى عام 2030 التي قد تؤثر في تطوير القوات المسلحة الإماراتية سواء في شؤون الحرب أو في مجال التنظيم والقدرة العسكرية والتسليح، فضلا عن طبيعة وشكل حروب المستقبل، محاولا الخروج من هذا الإستعراض برؤية تتعلق بالمحددات الممكنة للإمارات لبناء مؤسستها الدفاعية الأكثر حداثة. ويشير الدكتور ممدوح الى أنه يمكن أن يكون هناك الكثير من المفارقات والمفاجآت في المستقبل المنظور وهو ما يعني ان جميع الخطط الدفاعية يمكن ان تخضع للتعديل.
ومما يخلص اليه الدكتور ممدوح أنيس في هذا الصدد أن سباق التسلح التقليدي في منطقة الخليج يفرض ضرورة وجود خطة إستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى لبناء قوات مسلحة والحفاظ على تطورها وفق متطلبات واقعية وعملياتية، مع ضرورة العمل على تحقيق التوازن في توزيع القوة البشرية للقوات المسلحة الإماراتية على أفرع القوات المسلحة وفق المهام المحتمل أن تكلف بها والعدائيات المتوقع العمل ضدها. ويقترح هنا أن تكون القوات البرية بنسبة 80% والجوية 12% والبحرية 8%، وذلك في إطار مقترح متكامل بشأن تطوير القوات المسلحة الإماراتية.
وفي إطار رصده للتطورات المستقبلية يعرض لتوقعات تطور البيئة المحلية والإقليمية والدولية حتى عام 2030 متوقعا عدم حدوث تغير في مستوى العلاقات وطبيعتها مثلا مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا نظرا الى عدم تغير المصالح الحيوية المشتركة مع هذه الدول.
كما يشير الى توقع استمرار الدولة كذلك في التمسك بنفس ثوابت سياستها الخارجية وعدم تغييرها على المدى البعيد. وبالنسبة للوضع الداخلي يشير الى عدم احتمال حدوث تغييرات حادة في تركيبة النظام السياسي للدولة وطبيعته على المدى البعيد نتيجة للوضع الداخلي المستقر على مدى الـ 34 عاما الماضية.
غير أنه يقرر إمكانية توقع حدوث تطورات سياسية عدة من بينها زيادة الدور الرقابي والتشريعي للمجلس الوطني ومنح المرأة دورا أكبر في مستويات الإدارة العليا وإزدياد مستوى المشاركة الشعبية في صنع القرارات العامة من خلال تنامي دور مؤسسات المجتمع المدني والتوسع في النقابات المهنية وجمعيات النفع العام.
أما بالنسبة لتطور البيئة الجيوسياسية في منطقة الخليج فإنه يتوقع تقاربا على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي وسط احتمال تزايد حدة النزاعات الطائفية في إطار دول معينة مما سيدفع هذه الدول الى القبول بالتعددية السياسية. وهنا يقرر أن دول مجلس التعاون بشكل عام مطالبة أكثر من أي وقت مضي بالإتفاق على صياغة واضحة لمفهوم الأمن ومن ثم إدراك التحديات التي يواجهها المجلس في الأعوام الـ 25 المقبلة.
وعلى ذلك يقرر أن بناء منظومة أمن الخليج يحتاج الى الإرتكاز على ثلاثة عناصر متداخلة وهي توازن القوى والإصلاح الداخلي ومشاركة أطراف متعددة موضحا انه لا يمكن تحقيق التقدم والإستقرار المطلوبين لضمان أمن الخليج من دون توافر هذا المزيج من العناصرالثلاثة. ويوضح أن من أهم المصادر التي تهدد إستقرار المنطقة وأمنها التوترات المختلفة والصراعات الداخلية بالإضافة الى التواجد العسكري الأجنبي المكثف والحرب ضد الإرهاب، هذا بالإضافة الى تصاعد حدة التطرف الديني والعمليات الإرهابية وهي عوامل تتطلب رؤية واضحة للتعامل معها.
أما مشكلة المشاكل فتتمثل في احتمال اتساع نطاق الهجرة من دول جوار إقليمي مع نقص في موارد المياه وهو ما يفرض في أحد أوجهه تبني استراتيجية التجنيس للتغلب على الخلل في التركيبة السكانية. ورغم ما يذهب اليه من احتمال استمرار الولايات المتحدة في لعب دور اللاعب الرئيسي المهيمن في بناء ومساندة معادلة التوازن المستقر للقوى الإقليمية في الخليج، إلا أنه يشير الى توقع أن تعمل على تقليص وجودها العسكري للحد من الانتقادات الموجهة اليها من التنظيمات الإسلامية المتطرفة من جانب والحد من النفقات العسكرية من جانب آخر وهو ما لا يعني انسحابها من المنطقة وإنما تغيير شكل وجودها.
وتتضح أهمية أخذ هذه الاعتبارات في البال في ضوء كون منطقة الخليج بؤرة اتصال استراتيجية مهمة ما يفرض عليها تبني رؤى واضحة بخصوص التطورات على قمة النظام الدولي وسياسات القوة العظمى. أما عن أهم ملامح التطورات المحتملة في البيئة الاقتصادية الدولية فيشير المؤلف الى أنها إنما ستتمثل في الإتجاه بإطراد نحو تراجع مجالات السيادة الوطنية المشمولة بالحماية القانونية الدولية وعودة مسائل الهوية لتطرح نفسها بقوة أمام الهزات الشديدة الناجمة عن النظام الدولي الجديد وتسارع التحولات الاقتصادية العالمية.
أما عن مستقبل سوق الطاقة العالمي فرغم توقعه ازدياد الطلب على النفط إلا أنه يشير الى احتمال تذبذب أسعاره نتيجة لحالة عدم الإستقرار التي ستشهدها منطقة الشرق الأوسط عموما وغموض مستقبل بعض أنظمة الحكم فيها ومع توقع انفراط عقد منظمة الأوبك إزاء مجمل الظروف التي سيواجهها سوق النفط، فإنه يتوقع في الوقت ذاته أن تقوم الدول الرئيسية المنتجة مثل إيران والعراق والسعودية والإمارات بتقوية مركزها الجماعي كأهم مصدري النفط في العالم. بعبارة اخرى سيظل الخليج العربي لاعبا أساسيا في عالم النفط لكن نماذج ومسارات التوريد ستطرأ عليها تغييرات.
ومن خلال هذه الرؤية للوضع الجيوسياسي للدولة يشير الى أن الإمارات تواجه بمجموعة من التحديات تجعلها، حسب تعبيره، جزيرة عائمة في بيئة إقليمية ودولية متضاربة ومتصارعة وتعج بالأخطار. ومن التحديات التي يشير اليها مثلا حال الدول المصدرة للعمالة الى الدولة حيث تواجه هذه الدول حالة عدم استقرار وافتقار الى الأمن الداخلي مما قد يدفع في المستقبل الى تهديد الأمن الداخلي في الإمارات في حال انتقال الصراعات الطائفية والعرقية التي قد تنشب بين حين وآخر في هذه الدول الى داخل الإمارات.
فضلا عن أن انتشار العمليات الإرهابية في دول خليجية عربية مجاورة يتطلب توافر أعلى درجات الحيطة والحذر من القوات المسؤولة عن مكافحة الإرهاب ويفرض ضرورة مراقبة الحدود البرية والبحرية والجوية لمنع تسرب أي أسلحة أو متفجرات أو إرهابيين حسبما يذكر المؤلف.
وفي مرحلة أخيرة ينتقل المؤلف الى استشراف التحديات والمخاطر والتهديدات المحتمل أن تواجه الإمارات على مدى 25 عاما المقبلة. يقسم المؤلف هذه الفترة الى مراحل مختلفة يتناول من خلالها التحديات الداخلية والخارجية. فعن هذا النوع الاول على المدى القصير يشير الى الحاجة الى توفر القدرة على إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية والكوارث على المستويين الاتحادي والمحلي بأقل قدر من المخاطرة مع حماية المصالح الحيوية وتأمينها،
كما يشير الى تحدي زيادة القروض الشخصية الممنوحة سواء للمواطنين أم للوافدين ما يكشف عن الخلل المتمثل في إنفاق هذه القروض على المظاهر دون الاستفادة منها في نواح إنتاجية. كما يتطرق الى التحدي الماثل في تجارة التأشيرات والتعدد الكبير في قوانين وقرارات وسياسات تنظيم سوق العمل. أما عن التحديات الخارجية فيعرض لأهمها وعلى رأسها القدرة على التعامل مع انعكاسات وتداعيات النظام العالمي الجديد من حيث السيطرة الأميركية على الأمم المتحدة ومجلس الامن،
وكذا استمرار اختلال التوازن الإستراتيجي بين دول الخليج العربي في ظل وجود دول كبرى ودول صغرى. كما أن من التحديات المستقبلية القدرة على التعامل مع إنعكاسات وتداعيات العولمة الاقتصادية والأعباء المترتبة على دخول الوحدة الجمركية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج حيز التنفيذ.
بعد تناول مستفيض لمجموعة التحديات المختلفة وفي المراحل المتعددة على مدي الأعوام الـ 25 المقبلة يفرد المؤلف قسما للإستراتيجيات والتوصيات سواء العاجلة أم غير العاجلة. ومن ذلك تأكيده على ضرورة تشكيل مجلس للامن القومي على المستوى الإتحادي يناقش القضايا والموضوعات المتعلقة بالأمن الوطني والسياسة الخارجية، وكذا دعوته الى العمل على إصدار دستور جديد للدولة يعتمد على الفصل بين السلطات
ويغطي أوجه القصور أو الضعف في الدستور الحالي والتي لا تتناسب مع الوضع الراهن لتطور مؤسسات الدولة ونضوجها. كما يدعو الى انتهاج سياسات أكثر انفتاحا لتنويع القطاع غير النفطي وزيادة قدرته وتعاطيه مع الأسواق العالمية وهو الأمر الذي يرى المؤلف أنه سيولد منافع أخرى على برامج مختلفة مثل مسألة توطين الوظائف وزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
مصطفى عبد الرازق
الكتاب : الإمارات.. الى أين؟
تأليف : د. ممدوح أنيس فتحي
الناشر : المؤلف ـ أبوظبي 2005
الصفحات: 478 صفحة من القطع الكبير