على أبواب دورة جديدة لمعرض الكتاب في الشارقة، لا يقف المتابع أمام العناوين الجديدة للكتب فقط، فهذه الكتب يمكن الوصول إليها بسهولة في عصر الانترنت، لكن المتابع المهتم يقف بشكل مطول أمام البرنامج الفكري الذي يصاحب المعرض، فهو الذي يحدد جدوى الثقافة وطبيعة خدمتها للناس. فكلما كان النشاط الفكري متميزا كلما كانت فائدته أعمق وأشمل.
الأنشطة الفكرية التي تصاحب معارض الكتب باتت تتراجع عما كانت عليه سابقاً من حيث الأهمية الفكرية ومن حيث نوعية النشاط. لأن زوار معارض الكتب ليسوا فقط من محبي اقتناء الكتاب، هنالك نوعية من الزوار، وعددهم كبير، يترددون يومياً على المعرض طمعاً في الاستماع إلى شاعر متميز أو حضور ندوة مفيدة، ولسان حالهم هو الجلوس على الأطراف حيث مقهى يدردشون فيه متصيدين أصدقاءهم، ولا يخلو الأمر من نميمة أو تقليب صفحات كتاب وجدوه على الطاولة.. هكذا.
في أنشطة معارض الكتب تظهر القيمة الفعلية للثقافة، فالكتاب كائن لا يتنفس إذا لم تداعبه الأصابع، ولكن الأنشطة الثقافية هواؤها أرحب وسقفها واسع، ومن خلالها تقاس أهمية المعارض وقيمتها الحقيقية، وكلما كان النشاط المصاحب للمعرض مفيداً ومتزناً في مواعيده كلما حقق جدوى واسعة للثقافة.
هذا الكلام العام والفضفاض لا يدفع إلى فتح ملفات الأنشطة المصاحبة لمعارض الكتب فقط، بل يدفع إلى تفحص نوعية تلك الأنشطة وقيمتها الفعلية، فقد بات الميل إلى الاستسهال واضحاً في تنظيمها وبات روادها يتناقصون عاماً بعد عام.
ولو وضعنا المسألة على المحك فعلياً لأدركنا كم خسرت الثقافة من أنصارها بسبب نوعية البرامج الفكرية، حيث شاعر من الجوار، ومحاضر من المعارف، وملل وسأم بين الحضور، برنامج يشبه في بؤسه بؤس الثقافة الحاضرة إذا قورنت بالغرب.
ما قيمة آلاف العناوين إذا لم تدلنا على الطريق الصحيح في الحياة، وما قيمة معرض للكتاب إذا لم نستثمره أفضل استثمار ونقدم لزواره جرعة من الثقافة عالية القيمة الوجدانية والفكرية، فالمعرض يقام مرة واحدة في السنة ولأيام معدودة ويشكل فرصة لالتقاء كل الطيف القرائي تحت سقف واحد، والكتاب ليس الجاذب الوحيد في المعرض، فالأجواء العامة للثقافة تجذب الكثيرين إليها، لكن الأبرز ان يحضر المرء نشاطاً يترك صداه في فكره ووجدانه.
وعندما تتراجع تلك القيمة لا يعود الحدث رائعاً واحتفائياً كما دأبت وسائل الإعلام على الترويج له، ولوسائل الإعلام فلسفتها في الالتقاط المشهدي والاستعراضي وتتساوى في مواقع كثيرة قيمة الشعراء أو غيرهم من المبدعين، وفي جعبتنا الإعلامية مئات التسميات الجاهزة والألقاب الحاضرة التي يمكن ان نوزعها في كل اتجاه دون ان نعي الدور السلبي الذي نمارسه في تكريس الأسماء كمبدعين وهم ليسوا كذلك أو كشعراء، وعلاقتهم بالشعر كعلاقة البعض باللغات المنقرضة.