يضم هذا الكتاب «الثقافة والتنمية المستقلة في عصر العولمة» لمؤلفه الكاتب السوري محمد سعيد طالب ثلاث دراسات حول العلاقة بين الثقافة والتخلف، وثقافة التبعية، والثقافة والتغيير والإصلاح. حاول الكاتب أن يجد نقطة الانطلاق لبداية تاريخ التخلف العربي،
فكانت الدراسة الأولى عن أثر الحروب ضد الفرنجة (الصليبيين) على السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة العربية، وخلص إلى القول إن للتخلف العربي بداية هي : انهيار الإقطاعية العربية الإسلامية وحليفتها الرأسمالية التجارية التي ساهمت في بناء دولة الخلافة العربية الإسلامية، لتحل محلها الإقطاعية العسكرية النازية التي استمرت ما يزيد على القرنين ثم في مواجهة الغزو التتري والمغولي، وخلال حقبة العثمانيين ...
كما جرى التركيز على النتائج الكارثية لهذه الحروب على التقدم العربي، بالإشارة إلى الدور الكابح الذي لعبته البيروقراطية التي برزت في هذا العصر كطبقة اجتماعية وقوة سياسية وإدارية ذات نفوذ وهمية - ثقافية - وفكرية تولت إدارة الدولة والإمارات الإقطاعية والاقتصاد والأشغال العامة في الإقطاعيات العسكرية وإعادة الإنتاج الاجتماعي الذي صار الواجب الرئيسي في سلسلة القرارات المالية والضريبية الأمنية،
لتوفير مستلزمات الإنتاج المادية والروحية، وتوزيع هذا الناتج على الفئات والطبقات والأفراد .فالحكام يتمتعون بسعادة الإنفاق عن سعة والتبذير لحيازة مواد الرفاهية والكماليات والعيش الرغيد، بينما لا يمتلك الرعايا إلا أن يزدادوا فقراً وجهلاً وتخلفاً، ويظهر العجز المؤسساتي والقانوني في ممارسات البيروقراطية العاجزة عن إحداث أي قفزة إلى الأمام للتحديث والتطوير، وفي الوعي الذاتي والموضوعي للمرحلة التاريخية، فقد أخر عمل السخرة في الإقطاعيات على نمو هذا الوعي الكامن بالحرية وأجهض الحركة نحو العمل المأجور والتعاقد الحر .
في إطار هذه التبدلات الجذرية والتحولات الاقتصادية والسياسية، كانت للثقافة العربية ـ الإسلامية المؤسسة للنهضة العلمية والمعرفية والفقهية التشريعية والفلسفية والشعرية الأدبية، زمن التأسيس الأول تتحول من الإبداع إلى التقليد، ومن التفكير الحر والنظر العميق إلى إعادة إنتاج النص المؤسس بالتأويل والتفسير على منهج وأصول المؤسسين وأصبحت هذه عقيدة جديدة التزم بها منتجو الفكر، لتقوم مقام تعميق المنهج والفكر وإنتاج نصوص إبداعية ملائمة لحاجات العصر والأمة، فتعالت سلطة المحدثين والنصّ المنقول على حساب النص المعقول.
فأحرقت كتب المعتزلة والفلاسفة، وكتب الفرق المخالفة ووضعت خارج العقيدة القويمة، فبرزت السلفية والأدرية والريبية والشكية التي تطعن في مصداقية المعرفة العقلية، لتتخلف الثقافة تلك عن تقديم أجوبة صحيحة على الإشكاليات المعرفية المطروحة،
وفي مقدمتها طبيعة وجوهر الأسباب التي أوصلت إلى الأوضاع الكارثية التي آلت إليها الدولة والمجتمع العربيان، وبذلك تأسس زمن ثقافي جديد معاد للعلوم الطبيعية وللفلسفة ليصبح منهاجاً ثابتاً في العقيدة الأشعرية (نسبة إلى أبي موسى الأشعري) التي أصبحت عقيدة أهل السنة بعد أن جعلها السلاجقة عقيدة الدولة والجماعة القويمة، فنفيت السببية والعلل وأبعد العقل الإنساني عن معرفة الحقائق البرهانية والكلية بل والجزئيات، وسيطرت هذه العقيدة والإيديولوجيا على الثقافة والفكر وهيمنت على الموضوعات الثقافية .
وأكمل الغزالي والباقلاني والرازي هذه المنظومة الفكرية، وزاد الأمور تعقيداً أزمة الفلسفة العربية، التي لم تستطع أن تتجاوز الفلسفة الأرسطية، وأعادت إنتاجه بأطياف استشراقية، مما عمّق أزمتها المفهومية، وأفصحت أزمة علم الكلام المعتزلي الذي تحول على المتكلمين الأشاعرة إلى أداة سفسطائية للجدال ضد الفلسفة والعلم الطبيعي والعقل.
أفصحت عن حدود المناهج الجديدة التي جعلت هدفها هدم عقل الخصم وليس بناء فكر جديد. فالفلسفة وعلم الكلام لم يستطيعا تطوير موضوعات الميتافيزيقا وطرق التفكير العلمي وموضوعات علم السياسية ولا نظرية المعرفة .
فتقدمت علوم اللغة عند ابن فارس وابن جني لتصبح هي محور العلم، لتصبح اللغة كلسان ونسق وكلام هي أساس الفكر الديني المثقل بالموروث والثقافة المأزومة بانهيارات الواقع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتصبح علوم التفسير والتأويل والتصوف هي الثقافة، ويعاد ديوان الشعر العربي الجاهلي والمخضرم والأموي والعباسي بأفكاره وهمومه ومنظومته القيمية والمعرفية والأخلاقية، ليصبح المؤسس للزمن الثقافي الجديد.
إذاً تخلفت الثقافة العربية الإسلامية التي أصبح هدفها ترويع الإنسان وترويضه للعيش في ظل الدولة المستبدة والأمراء المتغلبين أمراء الشوكة والعساكر المرتزقة، بما يشير ويشهد على موت الإنسان العربي بسلبه المسؤولية والعقل والحرية، واختياراته الإرادية التي تعبر عن جوهره كمصير يبحث عن تحققه، ويجعله تابعاً في الاقتصاد وفي السياسة والثقافة لمنظومة عقائدية وفكرية، تجبره على العيش والعمل وفق ما تريده السلطات المعرفية والسياسية والعسكرية المتحالفة، لسحقه وتدميره ككائن حي.
حاول المؤلف في الدراسة الثانية حول « التبعية وسياسيات التنمية المستقلة في عصر العولمة « إنشاء مفاهيم محدودة عن التبعية في المجال الاقتصادي والسياسي والثقافي والتقني، واقتراح استراتيجيات معينة للخروج من مأزق التبعية.
فقد توصل إلى نتائج محدّدة من أن التبعية هي أيديولوجيا تَشَبّه المغلوب بالغالب أكثر مما هي نظام إنتاج مفروض، وأن الاقتصاد التابع هو سياسة طبقات معينة في البلدان التابعة وأن خيارات (التنمية المستقلة ما تزال مفتوحة )، وهي سياسات واستراتيجيات وثقافة في المقام الأول.
وناقش من وجهة نظر مخالفة الأفكار السائدة التي يروج لها إيديولوجيو العولمة بالحديث حول المعجزات الاقتصادية للتنمية الرأسمالية في سياق التبعية للدول الرأسمالية المتقدمة.
أما الدراسة الثالثة فهي البحث في الثقافة العربية المعاصرة ثقافة التبرير وثقافة التغيير، بداية اعتبر الكاتب أن الإشكالية في وعي الآخر لدنيا هي إشكالية تأسيسه، ففي ثقافتنا المتوارثة ظل الآخر غير محدد الهوية، وظلت صورته المرسومة في مخيلتنا الاجتماعية هي التي تحدد موقعنا الثابت تاريخياً تجاهه، فعلى الرغم من تخلفنا المطلق عنه منذ عصر النهضة الأوروبي، وانطلاقاً من عصر الثورة الصناعية حتى الوقت الحاضر.
وقد اتسعت المسافة بين تخلفنا عنه وتقدمه علينا، وما زال وعينا به ملتبساً بموروثنا الديني، باعتبار ما هو خارج دار الإسلام متخلفاً ومتأخراً وعلينا ألا نتشبه به أو نقلده مهما كان، لأنه قد يضرّ بعقيدتنا وديننا . ومنذ القرن الثامن عشر وبداية الغزو الأوروبي الحديث للمنطقة العربية، بعد الحروب الصليبية التي شنتها أوروبا علينا في العصور الوسطى، وابتداء بحملة نابليون بونابرت على مصر وبلاد الشام عام 1798، جاءت الصدمة الكبرى التي هزت الوجدان والعقل والقناعات المسبقة عن الوعي بذلك الآخر.
كما عبر عنها المؤرخ المصري الجبرتي الذي عاصر وأرخ لها، ومع أن نخبة من رجال الدين ومن البيروقراطيين الذين زاروا أوروبا واطلعوا على حياة وتقاليد وحضارة وثقافة هذا الآخر إما للدراسة وإما للتجارة وإما كممثلين دبلوماسيين، أدركوا حجم تفوقه وتقدمه في كل المجلات، وتخلفنا بالمقابل، ابتداء برفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده،
ومن أتى بعدهم، كل ذلك أدهش هذه النخبة، ولنقارن في الوعي وفي اللاوعي بين ما هي عليه أوروبا الغربية حينئذ من تطور وحضارة ثقافية وقوة اقتصادية وعسكرية وبين حال البلاد العربية الغارقة في الأمية والجهل والفقر والضعف والاستبداد والتخلف العلمي .
هذه المفارقات في وعي النخبة العربية لطبيعة المشكلات والإشكالية جعلت حركتنا للحاق بهذا الآخر سلسلة من المحاولات غير المنتجة بل والمتعثرة لأسباب ذاتية وموضوعية . إن إعادة اكتشاف الهوية والعلاقة بين الذات والموضوع والتعارض بين التقليد والتجديد والقديم والحديث هي معطيات يجب الأخذ بها عند دراسة واقعنا ومحاولة التغير .
إن الشكلانية التي يحرص منتجو الاقتباس أو المثاقفة من مثقفينا عليها وهم من النخبة الذين تغيرت أصولهم الاجتماعية عبر القرن الماضي من رجال الدين والإصلاح الديني والتربوي إلى المخضرمين الذين جمعوا بين الثقافة التراثية وثقافة الحداثة المقتبسة من أبناء الأعيان الريفيين ووسطاء أبناء المدن، هؤلاء الذين حملوا الثقافة الغربية وعلومها الاجتماعية التي درسوها وتفقهوا بها في مراكزها الأساسية من جامعات ومعاهد ومؤسسات علمية وتكنولوجية هناك أو في أرض الوطن، والمنحازين إلى تلك الثقافة على أنها السبيل الوحيد للخلاص من التخلف والقهر والفقر.
وهذا ما يجعل شبكة العلاقات الثقافية ـ السياسية مأزومة بالعمق فلا تنتج إلا مصفوفات من الأفكار تتحول إلى تراث فوق التراث على الرغم من الفواصل الزمنية بينها، لأنها تفتقد روح المشروع الحضاري، والفكري الذي يؤسس لقطيعة ثورية أو لنقل تجاوزاً معرفياً لما هو سائد، على الطريق لإنتاج تركيب نظري يجمع المنهج العلمي والنقدي وطرق أساليب تفكيرنا وممارستنا في تحديد المسائل الرئيسية لمشروعنا المأمول والمباين للمشروع الإمبريالي الذي يغزونا باسم العولمة على حد رأي الكاتب.
فيصل خرتش
الكتاب: الثقافة والتنمية المستقلة في عصر العولمة
الناشر: اتحاد الكتاب العرب دمشق 2005
الصفحات: 209 صفحات من القطع الكبير
