تقدم هذه الصفحات مبنى قاهريا فخما ومهما، وله أهمية تاريخية خاصة، وهي توضح لماذا وكيف أنشئ وكيف كان يستعمل، وكيف تغير عبر الزمن. كما تحكي لنا قصة الحياة الحافلة لمنشئ المبنى محمد علي باشا، وشخصيته الساحرة، قصة الرجل الذي غير حكمه الطويل مصر وشعبها تغييرا عميقا.
ولخالد فهمي مؤلف كتاب «سبيل محمد علي باشا» كتاب هام سابق مترجم إلى العربية تحت عنوان «كل رجال الباشا.. محمد علي وجيشه وتأسيس مصر الحديثة» وهو أستاذ مساعد تاريخ الشرق الأوسط الحديث في قسم الدراسات شرق الأوسطية والإسلامية بجامعة نيويورك. كما أن للباحث الكثير من الدراسات عن التاريخ الاجتماعي والثقافي في مصر القرن التاسع عشر.
أما أجنيشكا دوبرولسكا التي شاركته التأليف فهي مهندسة ترميم معماري عاشت في القاهرة أكثر من عشر سنوات، وعملت في مواقع أثرية وترميمية كثيرة في مصر، وأدارت مشروعات ترميم آثار في مصر القديمة، ومن هذه المشروعات ترميم سبيل محمد علي. ومن المعروف أن أسرة محمد علي حكمت مصر من 1805 حتى عام 1952 يوم قيام ثورة يوليو بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر.
تبدأ صفحات الكتاب بالإشارة إلى أنه على واجهة سبيل محمد علي نحت على الرخام، كتبه شاعر مجهول، في عام 1820 جاء فيه «هبة من الماء المبارك تحيي كل شيء. ويذكر التاريخ العديد من رجال مصر الأفاضل بأعمالهم ولكنه محمد علي باشا وحده الذي أنشأ هذا السبيل المجيد لنهل الماء المبارك». والسبيل صهريج لمياه الشرب، موهوب كوقف خيري لتوزيع المياه للشرب مجانا على الناس.
وكان معظم مياه الشرب في القاهرة يجلب من النيل ليبيعه السقاءون في الشوارع، ولذلك كانت الأسبلة مرغوبا فيها ومفيدة، وبني منها الكثير في المدينة، وكان منشئ السبيل يطمع في أن يجزيه الله عنه خيرا في الآخرة، وايضا في رفع مكانته الاجتماعية، وفي تخليد ذكراه.
وحين ظهرت الأسبلة في القاهرة للمرة الأولى في القرن الرابع عشر، كانت ملحقة بالجوامع وبمبان دينية أخرى أقامها السلاطين والأمراء. ثم بنى الأثرياء من الرجال والنساء أسبلة كمبان منفصلة في مواقع منفصلة وبارزة في المدينة. وتتميز القاهرة وحدها باشتمال مبنى السبيل على «كتاب» للتعليم الأولي يقام أعلاه، وأصبحت الأسبلة ـ الكتاتيب من المعالم التقليدية للمدينة.
ويقول الكتاب: حين غزا نابليون بونابرت مصر عام 1798م أحصى مساحوه أكثر من ثلاثمئة سبيل في القاهرة وتعكس أسبلة ـ كتاتيب القاهرة الطرز المعمارية للعصور التي بنيت فيها. فالأسبلة الأولى تعد أمثلة رائعة للطراز المملوكي، وهو تقليد معماري عميق الجذور في القاهرة لدرجة أنه امتد الى العصر العثماني. أما الأسبلة ـ الكتاتيب التي بنيت في أواخر القرن الثامن عشر فهي نماذج رفيعة لطراز معماري جمع بين التقليد المملوكي وعناصر من الزخرفة العثمانية ظهرت في اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية.
لكن محمد علي باشا عند تأسيس سبيله، كسر التقليد المعماري المملوكي الذي امتد لقرون، ودشن بإقامة هذا السبيل طرازا جديدا تماما. فاختار موقعا بارزا في المنطقة التجارية النشطة على الشارع الرئيسي في المدينة، واستورد أخشابا ورخاما أبيض من تركيا، واختار أن يشيد مبنى بهذه الضخامة والفخامة ليعبر عن سلطته السياسية.
وكان السبيل قد بني ليخلد ذكرى طوسون ابن محمد علي الذي مات بالطاعون قبل إنشاء السبيل بثلاثة سنوات وعندها كان عمره 22 عاما.
ويقول الكتاب رغم أن الأسبلة عرف عنها أنها محكومة بكتاتيب فوقها إلا أن سبيل محمد علي بني فوقه قبة مغطاة بالرصاص على غرار مبان عديدة في عاصمة الدولة العثمانية. وكان الماء يحفظ في صهريج ضخم تحت الأرض، عمقه تسعة أمتار، ومسقوف بتسع قباب حجرية، وجدرانه مبطنة بمونة غير منفذة للماء، على غرار المباني الرومانية القديمة. وكانت تغذيه بالماء أنابيب تملؤها سواق منصوبة على الخليج المصري الذي كان يخترق المدينة وقتها. وتبلغ سعة الصهريج 455 ألف لتر لملء مليون ونصف مليون كوب ماء.
وفي فصل بعنوان: «الباشا عصره وأسرته وإنجازاته» يقول الكتاب: يلقب محمد علي عادة بمؤسس مصر الحديثة. فمع أنه رجل من أصل أجنبي متواضع، وبرغم أنه كان من الناحية الرسمية مجرد وال على إحدى ولايات الدولة العثمانية، إلا أنه حكم مصر لحوالي نصف قرن من 1805م الى 1848م، واستقل تدريجيا عن السيطرة العثمانية، ونجح في النهاية في أن يضمن حكما وراثيا لسلالته. وخلال فترة حكمه الطويلة مر المجتمع المصري بتحولات عميقة وباقية أما عن أصله وكيف جاء إلى مصر؟
يجيب الكتاب: محمد علي من مدينة قولة في مقدونيا، وابن تاجر دخان له روابط أسرية وثيقة بالإدارة العثمانية فيها. وقد أتى الى مصر بصفته الرجل الثاني في قيادة أحد الجيشين العثمانيين اللذين أرسلا لطرد الفرنسيين من مصر، واصبح قائدا لحوالي 2000 من الجنود الألبان الأشداء، واستمال تجار القاهرة وأعيانها وعلماءها بوعدهم باستعادة القانون والنظام.
وبرغم أن اسطنبول حاولت أن تعيد تثبيت سلطتها فإن الولاة المتعاقبين الذين أرسلتهم الى مصر فشلوا في معالجة الوضع المضطرب. وأخيرا اضطر السلطان سليم الثالث العثماني والذي حكم من 1793 حتى 1807م الى أن يعترف بما حققه محمد علي، وفي 11 يوليو 1805 وصل الى القاهرة فرمان بتعيينه واليا عثمانيا على مصر بلقب باشا، برغم أنه دخيل على دوائر الحكم في اسطنبول.
ومما له علاقة بقصة «السبيل» يتحدث الكتاب عن طوسون قائلا: كان طوسون أحب أبناء محمد علي إليه، وقد وصل طوسون الذي ولد عام 1793م الى مصر بعد أن اصبح أبوه واليا بقليل وعينه محمد علي وعمره ثمانية عشر عاما قائدا للحملة على الوهابيين في الحجاز، فاستولى الشاب على مكة والمدينة عام 1813، وأرسل مفاتيح المدينتين الى السلطان في اسطنبول.
وحين لاقت الحملة بعد ذلك مصاعب خطيرة، سافر محمد علي الى الحجاز ليساعد ابنه طوسون، وتوثقت العلاقة بينهما وأصبحت على النقيض من علاقته بابراهيم باشا أخو طوسون الأكبر، حيث كان إبراهيم قائدا عسكريا عنيدا. لذا اتسمت العلاقة مع والده محمد علي بالاحترام المتبادل دون عواطف كبيرة.
وعاد طوسون الى مصر بعد حملته الحجازية، وفي 29 سبتمبر 1816 عاد الى قصره في برنبال قرب رشيد، وأخذ يعد لمأدبة احتفال بهيجة إلا أنه وفي خلال يوم واحد مات بالطاعون وكان حزن الوالد محمد علي كبيرا، و جاء قراره ببناء السبيل. وفي عام 1841 منح السلطان العثماني محمد علي وأسرته الحكم الوراثي لمصر. بعد ذلك دفن محمد علي في مسجد القلعة.
أمين اسكندر
الكتاب: سبيل محمد علي باشا
الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2005
الصفحات: 131 صفحة من القطع الكبير
