الف هذا الكتاب كل من «فيليب شانتيبي» و«آلان لوديبردير». الأول محاضر في اقتصاد الاعلاميات في جامعة باريس الأولى ورئيس قسم الدراسات المستقبلية والاحصائية في وزارة الثقافة والاتصال الفرنسية، والثاني يشغل منصب الرئيس والمدير العام لهيئة تطوير البرامج المعلوماتية لوسائل الاعلام الجديدة.
ويتميز شانتيبي بتأليفه عدد من الكتب من بينها: مكافحة تزييف حقوق الملكية الأدبية والفنية (2001)، الآثار الاقتصادية لتمديد فكرة الحقوق (2003)، نماذج اقتصادية لتوزيع المحتويات الرقمية (2004). أصبحت الصناعات الثقافية مسألة مركزية اليوم وصولاً إلى القول بوجود رأسمالية ثقافية والانتاج الناجم عن الصناعات الرقمية يتعمم محدثاً بذلك خللاً بالتوازنات الكلاسيكية بين ما هو صناعي وبين ما هو ثقافي.
ولقد وصل هذا التعمم حداً بحيث أننا امام «حضارة رقمية» حسب تعبير بعض الأخصائيين والباحثين. هذا الاختلال يفسح المجال أمام انتعاش اقتصادي من نمط جديد، لكنه يطرح قضايا عديدة: هل هو انتعاش قابل للاستمرار؟ ومن أجل أي اقتصاد؟ وبأية استخدامات؟
كذلك فان «الحضارة الرقمية» تطرح هي من جانبها عدة تساؤلات: هل يمكن توجيه التكنولوجيات الرقمية أم انها تفرض نفسها على سير الإنسانية؟ هل تكتسي اخطاراً مهددة أم انها تحمل آمالاً واعدة؟ هل هي حضارة فعلاً؟لقد عرفت الصناعات الثقافية تطوراً هائلاً منذ عقدين.
وهذا التطور الذي نسميه «بالرقمية» يتميز بعلاقات جديدة بين الصناعات الثقافية والصناعات الرقمية تحديداً، الأولى تغطي حقل المنتجين والناشرين والموزعين للمحتويات الثقافية في مجال الكتب والسينما والتلفزيون والإذاعة.. والثانية تشمل منتجات البنى التحتية المادية والالكترونيات ذات الجمهور الواسع والمعلوماتية وشبكات الاتصال الارسالية وصناعة البرامج المعلوماتية.
بهذا يتعرض الكاتبان إلى مسألة الصناعة الثقافية، فهذه الأخيرة كانت وراء أول تفكير اجتماعي واقتصادي وحقوقي أو جمالي منذ القرن التاسع عشر (العالم الاجتماعي «توكفيل»، المفكر الاشتراكي «برودون» الشاعر الشهير «بودلير»). ومع بروز مفهوم قابلية النسخ للمنتج الثقافي والآثار التي يعيشها الفرد في ظل ثقافة جماهيرية تمت تحاليل جديدة. وهذا ما حدث مع مدرسة فرانكفورت الألمانية التي انتقلت إلى أميركا مع صعود الفاشية النازية («آدرفو»، «هوركهايمر»، «ماركوز»).
لقد كان ذلك تمهيداً من وجهة نظر الكاتبين لقيام الاختصاصيين في علم الاقتصاد والاجتماع بتطوير هذه التحاليل وتمركزها حول الصورة الفوتوغرافية حول السينما، وحول الاسطوانة المسجلة بوجه خاص. ولقد امتدت فكرة الصناعة الثقافية إلى السمعيات والبصريات (المذياع والتلفزيون) لتشمل جميع نشاطات وسائل الاتصال الجماهيري خاصة مع تبين العلاقة الوثيقة بينها وبين هذه الوسائل.
وبدءاً من عام 1990، فإن نشاطين جديدين دخلا ميدان الصناعات الثقافية، وهما الألعاب التلفزية المختلفة، ومواقع «ويب» على الإنترنت، أي مواقع التجارة الإلكترونية والخدمات والإعلام، هذه النشاطات التي تغطي قطاعاً واسعاً من المؤلفين والمنتجين والناشرين. ولإعطاء أهمية ذلك كله من الناحية الاقتصادية فإن الكاتبين يبرزان ثلاثة أقسام من صناعة المحتويات الثقافية بلغت أرقاماً تجارية عالمية هائلة عام 2003:
ـ 480 ملياراً من الدولارات بالنسبة للتلفزيون والصحافة المكتوبة.
ـ 170 ملياراً من الدولارات بشأن الراديو والاسطوانات المسجلة المختلفة والألعاب التلفزية ومواقع ويب.
هناك إذن واقع اقتصادي جديد للصناعات الثقافية مزدوج بما تقدمه الصناعات الرقمية، فإذا كانت الاتصاليات الإرسالية قد ولدت منذ قرن مضى، وإذا كانت الصناعات الإلكترونية والمعلوماتية قد تحولت باتجاه الجمهور الواسع في أعوام الستينات بالنسبة للأولى وفي أعوام الثمانينات بالنسبة للثانية،
فلقد عرفتا قفزة أوسع في أرقام أعمالها التجارية العالمية عام 2003:
ـ 1182 ملياراً من الدولارات بالنسبة للاتصاليات الإرسالية.
ـ 1328 ملياراً من الدولارات بخصوص المعلوماتية.
ـ 280 ملياراً بشأن الإلكترونيات ذات الجمهور الواسع.
إجمالاً، خلق الواقع الصناعي الجديد تحولاً اقتصادياً مواكباً له، إلا أن ضبطه في إنهاء الاحتكارات بفتح سوقه للمنافسة قد استلهم التجربة الأميركية التي نقلت منذ منتصف الثمانينات إلى الاتحاد الأوروبي،والنتيجة هي عكس ماتم توقعه لأن سوق الصناعات الرقمية عرف احتكارات أقلية فيه ،
فمثلاً تم دمج ومركزة سوق الموسيقى المسجلة في أربع شركات تجارية رئيسية تحوز على 75% من السوق الدولي وهي: «سوني»، «بي إم جي»، «يونيفرسال ميوزك»، «وارنر»، «إي إم آي». وهذه الشركات لا تتحكم ببلوغ سوق الموسيقى وحسب وإنما أيضاً بالإنتاج والتوزيع والأسعار؟ وبمعرفة كل سوق وطنية وكيفية غزوها بما يضعنا أمام صناعات رقمية رأسمالية احتكارية.
والمشكلة هنا لا تكمن في التقارب الذي حدث بين الصناعات الثقافية والصناعات الرقمية منذ العقد الأخير، وإنما وبوجه أساسي بدخول الثورة الرقمية كافة الميادين وبالآثار التي نجمت عنها. صحيح أن الصناعة التلفزيونية لم تعرف اضطراباً كبيراً من جراء ذلك، وأن تطور التلفزيونات الأوروبية جرى بوجه أساسي حسبما كان عليه منذ عشرين عاماً، تعدد الأقنية، تنام مستمر للاستهلاك التلفزي (المجاني أم المأجور)،
تراجع القطاع العام التلفزي، إلا أنه لا بد من القول إن الثورة الرقمية كانت رئيسية فيما يتعلق بتقنيات «ما بعد الإنتاج» (مجمل العمليات التي تجري بعد الالتقاط التصويري)، وأنها انتجت التلاشي التدريجي لندرة الموجات التواترية للبث، وزادت وتنوعت العروض للمستهلكين، وخفضت التكاليف التقنية للإنتاج.
أما على مستوى السينما، فإن تقنيات الإنتاج وتوزيع الأفلام أصبحت مشمولة بالثورة الرقمية، فإذا كان إنتاج الصور ما زال على الطريقة الكلاسيكية تقنياً وجمالياً، فإن «الكاميرا الرقمية» تسمح بتخفيض جزء ملحوظ من تكاليف «التقاط المناظر» خاصة فيما يتعلق بالأفلام القصيرة والوثائقية. علاوة على ذلك فإن العرض الرقمي للأفلام في الصالات يوفر مردوداً اقتصادياً أوسع، وإن كان يتطلب توظيفات كبيرة، وأخيراً فإن عدداً من المخرجين ينتقلون إلى استخدام التقانية الرقمية بشكل أكثر فأكثر.
وهنا تطرح أيضاً مسألة الاحتكار، فمثلاً تسيطر تسع شركات كبرى أميركية على الإنتاج والتوزيع وتحصل على حصة الأسد في الأرباح التجارية، ومن بينها: «كولومبيا»، «إم بي سي»، «وارنر»، و«أوريون فيلم». وما يمكن ملاحظته هو صناعة «الألعاب التلفزية» التي ولدت عام 1972، والتي فرضت نفسها كوليد جديد في الصناعات الثقافية والتي تبلغ رقم أعمالها التجارية العالمية 35 ملياراً عام 2003.
وهذه الصناعة تتميز بخروجها عن تدخل السلطات العامة، بحيث إنها تجري في إطار من القواعد الدنيا لضبطها وحسب البلدان، إنها تقدم بمختلف أشكالها سلعاً وخدمات متممة لبعضها البعض، مبقية في ذلك على الخصوصيات الوطنية وإن كانت متنافسة فيما بينها خاصة فيما يتعلق بصناعة «جهاز المفاتيح الالكترونية» والتي تقودها 3 شركات احتكارية: «سوني»، «نينتيندو»، «ميكروسوفت».
والواقع ان آثار الثورة الرقمية تتبدى واضحة فيما يتعلق بانتشار صناعة المحتويات الثقافية واستهلاكها بحيث ان نموذجاً اقتصادياً جديداً فرض نفسه بالعلاقة مع النموذج الاقتصادي الكلاسيكي الذي استلهم «اقتصاد الطباعة»، فالأمر لا يتعلق ببيع المنتج الثقافي بـ «القطعة» أو «بطابعه الحرفي». وإنما بالاستعمال المجاني له أو الذي يمول بشكل لا مباشر عبر الإعلانات التجارية أو بضريبة الدولة كما بالنسبة للتلفزيون العام في أوروبا مثلاً.
ويتعرض الكاتبان في الفصل الخامس إلى مشكلة ضبط وإعطاء قواعد للاتصال الرقمي، فالحرب في الصناعات الثقافية ليست جديدة بين المؤلفين والناشرين، أو بين الناشرين والتجار، هذا ما كان يتطلب تدخل الدولة واللجوء إلى المحاكم طوال القرن التاسع عشر، وهذا ما أدى أيضاً إلى فتح عدة جبهات على مستوى ضرورة اكتمال وضع قواعد دولية ناظمة، وعلى مستوى إعادة النظر بحقوق الملكية الأدبية والفنية، وأخيراً على مستوى قدرة حق المنافسة على تنظيم العلاقة بين الصناعات التقنية وصناعة المحتويات.
فحتى عام 1980 كانت مختلف الصناعات الثقافية مؤطرة بجملة من القوانين والاتفاقيات المهنية، والقواعد التي كانت مرعية بالنسبة للسينما لم تكن هي نفسها بالنسبة للموسيقى، وكان التلفزيون يمتلك ضوابط ليست هي هي بالنسبة للصحافة. وما فعلته الثورة الرقمية هو أنها نقضت جزءاً ملحوظاً من هذه القواعد والضوابط الفسيفسائية.
وبالرغم من لوحة المواقع المتعددة، فإننا في الصناعات الرقمية أمام «اقتصاد النماذج» أكثر من «اقتصاد المعايير»، الأول يخضع لقانون «الأقوى الصناعي» المعروف منذ القرن التاسع عشر أو قانون «الأمر الواقع». إنه قانون تفرضه اليوم كبريات الشركات الصناعية. والثاني قائم على التفاوض والتعاون لإيجاد حل مشترك للإشكاليات نفسها كما نجد مثالاً على ذلك في الاتحاد الدولي للتلغراف الذي أسِّس عام 1865 في باريس.
وبالخط العريض فإن دينامية الصناعات الرقمية تتولد اليوم من منطق تنافسي قائم على الملكية الصناعية للشهادات الاختراعية المسجلة، وعلى توفير الأرباح الدينامية المرتبطة باستراتيجيات رأسمالية ثقافية احتكارية. وفي لوحة الواقع هذا، تنطرح الرهانات الحقوقية أيضاً في إطار القوة الرقمية. فالشركات الصناعية تصارع على جبهة تدعيم الحقوق الصناعية التي حصلت عليها والتشديد على قمع التقليد والتزوير. كما وتصارع على جبهة تحسين الشروط الاقتصادية لاستثمار المحتويات الثقافية.
إن الحضارة الرقمية هي حضارة غربية تحديداً، وبقدر ما تثير الإشكاليات التي رأيناها، بقدر ما أنها تولّد التخوفات على أكثر من صعيد، بقدر ما أنها تدعو للتفاؤل بالنسبة للمستقبل. فمع التقنيات الرقمية يمكن حسب تعبير بعض الصحافيين الغربيين «سماع كل شيء، وتسجيل كل شيء، والتسلل إلى كل شيء».
ومنذ أحداث 11 سبتمبر الإرهابية نشهد بروز «إرادة ترصد» المعمورة من قبل الولايات المتحدة الأميركية والسيطرة الاقتصادية على العالم «القرية العالمية» تتوجه نحو مرحلة جديدة من أشكال التنظيم الاجتماعي وأنماط التفكير والعلاقات التي يوجهها «الناموس» السلعي، في واقع من «زيادة فقر الفقراء وغنى الأغنياء» ومن القدرة على تزييف الحقائق وصنع الوقائع حسبما تريده القوى المسيطرة في هذه الحضارة.
الكتاب: الثورة الرقمية والصناعات الثقافية
الناشر: لاديكفورت ـ باريس 2005
الصفحات: 122 صفحة من القطع المتوسط
REVOLUTION NUNE RIQUE
ET INDUSTRIES CULTURELLES
PHILIPPE CHANTEPIE
ALAIN LE DIBERDER
LA DECOUVERTE - PARIS 2005
P. 122
