مؤلف هذا الكتاب هو الباحث أيلمر مود أحد كبار مترجمي تولستوي إلى اللغة الإنجليزية. كما انه أحد كبار شارحيه والمختصين برواياته وفكره. وهو هنا يقدم لمحة عامة عن حياته وعن المشكلات الأدبية والفلسفية والسياسية التي شغلته طيلة حياته كلها.
وُلد تولستوي عام 1828 في عائلة كبيرة تنتمي إلى النبلاء الروس، وكانت لهم أراضٍ واسعة ككل الإقطاعيين في ذلك الزمان. وأبوه كان يحمل لقب الكونت، أما أمه فكانت من طبقة الأمراء، وهذا يعني أنه كان من أصل عالي المستوى في روسيا، بل ويجيئ في المرتبة التالية للعائلة المالكة. وقد ماتت أمه وهو في الثانية من عمره فربته عماته وخالاته النساء، والعائلة بشكل عام.
وبالتالي فتولستوي لم يتعرف على أمه أبداً لأنه كان في سن صغيرة جداً ولا يمكن أن يتذكر شيئاً يُذكر. وقد أثر ذلك في أدبه لاحقاً بشكل مباشر وغير مباشر. وفي عام 1827، أي عندما كان في التاسعة من عمره، توفي والده أيضاً، وكان ذلك بعد انتقال العائلة إلى موسكو مباشرة قادمين من الريف، وهكذا أصبح يتيم الأب والأم. ولكنه لم يعان من أي مشكلات مادية بسبب غنى العائلة وثروتها الطائلة.
وفي سنة 1844، دخل إلى الجامعة، والشيء المدهش هو أنه اختار قسم الآداب العربية والتركية، قبل أن يتحوّل إلى كلية الحقوق في العام التالي. ولكن التدريس الجامعي السائد في تلك الأيام لم يعجبه فهجر الدراسة وذهب إلى الريف للاهتمام بمزرعته الكبيرة في منطقة ساحرة الجمال.
ثم انخرط في صفوف الجيش في منطقة القوقاز وخاض الحروب وعرَّض نفسه للخطر أكثر من مرة، وفي الوقت ذاته راح يكرِّس نفسه للكتابة الأدبية فنتجت عن ذلك ثلاثيته التي يتحدث فيها عن طفولته، ومراهقته، وشبابه الأول. وبالتالي فقد سبق نجيب محفوظ إلى كتابة الثلاثيات.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وكان الأدب بالنسبة له عبارة عن أداة للتحليل النفسي للذات. فهذا شخص مهووس بالاستبطان الداخلي بمعرفة سبب الصراع الذي يشعر به بين مبادئه الأخلاقية العالية واستسلامه لعالم الشهوات المادية المضادة للمثل العليا.
ثم استقال من الجيش عام 1856 لكي يتفرغ للأدب كلياً. وعاد إلى روسيا من منطقة القوقاز بعد موت القيصر الرجعي نقولا الأول وصعود قيصر إصلاحي على سدة السلطة هو اليكسندر الثاني. وراح تولستوي يفكر في تحرير أقنانه، أي عبيده الذين يشتغلون في أراضيه الواسعة. وهذا أكبر دليل على مدى كرمه الحاتمي وشعوره بالنزعة الإنسانية العميقة تجاه الفقراء والمعذبين في الأرض، وراح ينشيء المدارس الابتدائية في الريف لتعليم أطفال الفلاحين الروس. ومعلوم أن الأمية كانت منتشرة آنئذٍ في صفوفهم بنسبة 90% على الأقل.
ثم يردف المؤلف قائلاً: والواقع أن تولستوي منذ بداية شبابه كان مهموماً بتربية الشعب وترقيته ورفع مستواه عن طريق التعليم والتثقيف، وقد كتب مرة يقول: إن سعادتي الشخصية لا يمكن أن تكتمل إلا بسعادة الآخرين. ومادام الشعب في أغلبيته الساحقة فقيراً معدماً فإنني لن أكون سعيداً.
لقد صدم تولستوي النبلاء الآخرين بتوجهاته الإنسانية هذه. ولم يفهموا سبب اهتمامه بالفلاحين الجهلة والأغبياء على حد تعبيرهم. وكانوا يعتقدون أن الله خلق العالم وقسمه إلى قسمين: قسم النبلاء الأشراف المحظوظين، وقسم بقية الشعب من الفلاحين، وهؤلاء ينبغي أن يخدموا النبلاء عن طريق العمل في الأرض، وأما النبلاء فلا يشتغلون ولا يتعبون لأنهم من جنس وبقية البشر من جنس آخر.
هذه الطريقة في رؤية الأمور كانت أبعد ما تكون عن عقلية تولستوي، بل وكان يحتقرها كل الاحتقار، وكثيراً ما نقم على طبقة النبلاء والمجتمع الروسي بسبب ذلك. ثم سافر عام 1857 إلى أوروبا الغربية لكي يكتشف الحضارة ومعلوم أنها كانت أكثر تقدماً من روسيا بكثير ولا تزال، وقد زار ألمانيا، فرنسا، وسويسرا على التوالي. واطلع هناك على المدارس الأدبية والفكرية،
وفي الوقت ذاته راح يطلع على مناهج التربية والتعليم السائدة في مدارس البلدان المتحضرة، وكان هدفه من ذلك بالطبع هو الاستفادة منها ونقلها إلى المدارس الروسية التي أنشأها لتعليم أبناء الفلاحين، ودعا إلى تعميم تجربته على كل أنحاء روسيا، وقال بالحرف الواحد: سوف أسخر كل ثروتي وطاقاتي من أجل تثقيف الشعب وتعليمه، وحتى لو عارضتني السلطة كلها فسوف أسير في مشروعي حتى النهاية. وحتى لو وقفت في وجهي كل روسيا فلن أتراجع عن هذا البرنامج.
في عام 1869 أنهى ليون تولستوي كتابة روايته الكبيرة الأولى: «الحرب والسلام»، وكانت كتابتها قد استغرقت منه خمس سنوات، وفي عام 1877 أنهى روايته العظيمة الثانية: «آنا كارنينا، وعندئذ شعر وكأنه أصبح على حافة الانهيار العصبي، ويقال بأنه فكر جيداً في الانتحار.
ثم تراجع عنه في آخر لحظة فقد شعر بعبثية الحياة ولا معنى الوجود على الرغم من كل غناه وثروته وموهبته وعبقريته. وراح يحسد الفلاحين البسطاء الذين يشتغلون في أراضيه لأنهم مؤمنون بالدين إيماناً راسخاً، ولا يمكن لهذه التساؤلات الميتافيزيقية أن تخطر على بالهم لحظة واحدة، فالفناء أو العدم الذي كان يحس به تولستوي أو يخشاه بعد الموت لا وجود له بالنسبة لهم، ولهذا السبب عاد إلى الدين من جديد، بل وراح يلزم نفسه بتأدية الطقوس والشعائر المسيحية طيلة عامين (1877 ـ 1878) لكي يحمي نفسه من إغراء الانتحار.
ولكنه اكتشف بعدئذ أن الكثير من الشوائب لحقت بالدين على مر العصور، ولهذا السبب تخلى عن القشور السطحية واكتفى بالجوهر. وقال بأن الدين يتمثل في شيئين أساسيين: محبة الله ومحبة البشر، ولا شيء آخر، وبالتالي فلا داعي للطقوس والشعائر.. وهكذا راح يختزل الدين إلى المبادئ الأخلاقية فقط، فالإنسان الذي يفعل الخير بقدر المستطاع ويتحاشى الشر بقدر المستطاع هو مؤمن عظيم الإيمان حتى ولو لم يذهب إلى الكنيسة أو لو لم يصل فيها مرة واحدة.
وعندما عاد إلى موسكو عام 1881 بعد طول غياب وجد فيها الفقر والبؤس وبخاصة في الأحياء الشعبية والضواحي المحيطة بها. وهاله الأمر، وراح ينقم على النظام السياسي والاجتماعي السائد ليس فقط في روسيا، وإنما أيضاً في العالم كله، وراح ينادي بنفس المبادئ التي نادى بها جان جاك روسو من قبل، وقال بأن الملكية هي سبب استغلال الإنسان للإنسان، وانتشار الظلم واللامساواة في المجتمع، فطبقة الإقطاعيين تمتلك كل أراضي روسيا، ومعظم الشعب من الفلاحين ولا يمتلك أي شيء تقريباً. فأين العدل إذن؟
وراح يؤلف كتاباً بعنوان «ما الذي ينبغي أن نفعله»؟ وقد ضمنه كل أفكاره الثورية هذه. وندد فيه بهيمنة الأغنياء على الفقراء. وقال بأن الكنيسة متواطئة مع الدولة والنظام القائم. فالسلطة تستخدم الدين كسلاح فعال لتخدير الشعب من أجل أن يقبل بواقعه المزري ولا يثور على مستغليه وأسياده الإقطاعيين وأما العلم والتقدم التكنولوجي والحياة الرغيدة فكلها أشياء محصورة بطبقة الأغنياء ولا يعرف عنها الشعب شيئاً.
ثم يردف المؤلف قائلاً:
ولكن تولستوي على الرغم من إدانته لهذا النظام الجائر السائد في روسيا لم يوافق على أعمال الإرهاب الثورية التي ابتدأ بعضهم يقوم بها ومعلوم أن روسيا شهدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عمليات اغتيال عديدة أصابت الكثير من الوزراء والأعيان بل وحتى أحد القياصرة أنفسهم.
وكان المنظرون الهدميون أو الفوضويون الروس يبررون ذلك عن طريق القول بأن الشعب يتخبط في الفقر والبؤس والمرض والجهل. وكل ذلك بسبب هؤلاء الحكام الطغاة والفاسدين. ولكن تولستوي بسبب ارتباطه بمبدأ اللاعنف أدان هذه التفجيرات الإرهابية ورفض تبريرها بحجة خدمة قضية الشعب ومعلوم انه أسس فكرة اللاعنف قبل غاندي، وربما كان هذا الأخير قد أخذها عنه.
وعلى أية حال فقد كان تولستوي إنساناً عظيما يمتلئ قلبه عاطفة وحناناً تجاه الجنس البشري كله وبالأخص تجاه الفقراء والبسطاء سواء أكانوا في روسيا أم خارجها وقد ناضل في أواخر القرن التاسع عشر ضد المجاعة التي اكتسحت روسيا وبذل الكثير من ماله وأملاكه لتخفيف آلام الفقراء.
هكذا نلاحظ أن مشاكل تولستوي أو بالأحرى همومه العميقة كانت خاصة وعامة فعلى المستوى الشخصي كان مهووساً بمسألة الحياة والموت ومعنى الوجود وكان مثل أستاذه جان جاك روسو مهووساً بمسألة الأصالة والصدق مع الذات والاقتراب من الطبيعة والبعد عن الاصطناع الذي تتميز به حياة المدن.
وفي بعض الفترات وقع في إغراء الوثنية أو وحدة الوجود والانصهار في الطبيعة ثم عاد إلى المسيحية ولكنه بعد أن عاد إليها راح ينظفها من الشوائب والخرافات والأوهام التي لحقت بها على مر العصور وغطت على الجوهر فجوهر الدين في نهاية المطاف يتمثل في عدة مبادئ بسيطة جداً: حب الآخرين ومساعدة الفقراء والمحتاجين بقدر الإمكان والتعاطف مع المظلومين والمضطهدين وتحاشي الشر وضرر الآخرين.. ثم محبة الله وطاعته بشكل خاص بل هذا هو المبدأ الأول في الدين.
هذا هو الدين الحق في نظرتولستوي، والباقي تفاصيل. وقد حاول تولستوي على مدار حياته الطويلة تطبيق هذه المبادئ ولم يكتف بالنص عليها نظرياً أو رفع شعاراتها أمام الناس. فقد حرر عبيده أو أقنانه قبل جميع البشر، وفتح المدارس في الأرياف الروسية لتعليم أبناء الفلاحين وصرف من جيبه على مشاريع خيرية عديدة.
ليس غريباً إذن ان يكون تولستوي قد أصبح أحد أعمدة الأدب الروسي. فلا أحد يستطيع أن ينافسه على القمة إلا ذلك المجنون الرائع دستويفسكي بل ويمكن اعتباره إحدى منارات الأدب العالمي أو الكوني وليس فقط الروسي فعندما نذكر مشاهير الطبقة الأولى نجد أسماء: شكسبير، سيرفانتس، بلزاك، دستويفسكي، تولستوي، جان جاك روسو، دانتي، أبو العلاء المعري، الخ... انه ينتمي إلى ذلك الجنس النادر في التاريخ البشري: جنس العباقرة الطيبين لا عباقرة الشر وأبطال الجريمة والحروب وسفك الدماء.
الكتاب: تولستوي ومشاكله
الناشر: كيسنغر بوبليشنغ نيويورك 2005
الصفحات: 228 صفحة من القطع الكبير
Tolstoy and his Problems
Aylmer Maude
Kessinger Publishing - New York 2005
P. 228
