يقول الشاعر البريطاني «جون دون» ليكن لديك مكان واحد صغير، وليكن لديك عالم كبير من حوله». كان دون مغرماً بالاكتشاف. وعلى الرغم من أن خمسة قرون تفصله عن الروائي الآيرلندي «جون ماكهرن» إلا أنه كان يفعل ذلك على نحو ما يفعله عالم الجغرافيا والخرائط في عصرنا الحديث. هذه الملاحظة التي نوردها عن جون دون ستكون شديدة الارتباط بملاحظة أخرى مهمة حول جون ماكهرن، وعلاقته بالمكان، (ذاكرة المكان).
«مذكرات» أول عمل غير روائي يصدر لجون ماكهرن «عن دار فيبر أند فيبر اللندنية. وهو كتاب يشتمل على سيرته ويضيء تفاصيل مهمة في حياة ماكهرن أهم روائيي آيرلندا الأحياء. تتحدث هذه المذكرات عن طبيعة الحياة في الريف الآيرلندي في منتصف العشرينات وعن صراع القيم والتناقضات التي تميزت بها تلك الفترة من حياة المجتمع الآيرلندي. «قبل سنوات طويلة من إلقاء «فرانك مكورت» الضوء على أساليب الحياة الريفية الآيرلندية في منتصف القرن العشرين وما عرف عن تلك الحياة من فقر ووحشية قاسيين، احتفى جون ماكهرن، بالجزئية ذاتها مثلما يظهر في روايتيه «ثكنات» 1963 و «الظلام » 1965»،
وهذه الأخيرة تعرضت للخطر في مسقط رأسه آيرلندا وفصل على إثرها من وظيفته كمدرس». غير ان ماكهرن يعود إلى الموضوع نفسه اليوم لكي يقدمه، على نحو «واضح» فالاختلاف بالغ الصعوبة بالنسبة لرجل ناهز السبعين يسعى إلى تذكر ملامح طفولته «من بين الأشياء التي يتم اكتشافها أثناء كتابة المذكرات، الشيء الذي يقول بأن الذاكرة قد تخونك». ورغم ذلك فإن ما يحتوي عليه كتاب مذكرات يبدو لبعض النقاد العمل الأكثر تميزاً وربما الأكثر ابتهاجاً واحتفاءً بالماضي، على نحو ماتشير إليه بوضوح لغته الدقيقة وأوصافه المتميزة بالجاذبية وقوة التأثير.
تمتلئ مذكرات ماكهرن بالتفاصيل التي تتعلق بالمكان، وبطفولته وبنشأته في بلدة ليتريم، كما أنها مليئة بتقديم الأوصاف الكوزموغرافية لهذه المكان عوضاً عن التعصب الأعمى له أو إضفاء تحسينات عليه. فهو يصفه بواقعية شديدة قلما يشوبها الخيال. و عندما يجد نفسه مضطراً إلى ذلك لا يتردد في إعطاء القارئ شيئاً من الموضوعية في الوصف ما يعينه على إدراك ما يرمي إلى قوله. إن المقارنة لدى ماكهرن بين ما كانت عليه الحياة في الماضي والحياة في الحاضر. بين جمالية الخصوصية وجمالية الشمولية، بين عالمك الخاص، قريتك، وبين عالمك الكبير، الدنيا.
إن شبحي أمه وأبيه يهيمنان على الكتاب. يظهران كضدين. صفاتهما الأخلاقية والجسدية وحتى علاقتهما بالحياة يرصدها الكتاب بوضوح. كان ماكهرن الابن الأكبر بين سبعة من الأشقاء، والصبي الوحيد الذي استمر يشغل هذه الصفة إلى لحظة قدوم شقيقه الأصغر. أما ذاكرته السردية فتبدأ من الأشهر السبعة السابقة لوفاة أمه، في سن الثانية والأربعين، بعد معاناتها من سرطان الثدي.
هنا يلتقط خيوط الذاكرة المتعلقة بالعلاقة بينهما. كان يناديها بكلمة «حبي»، ولم تعوضه عن هذا الحب امرأة أخرى. كانت امرأة رقيقة وجذابة وطيبة وكانت محبوبة لدى الجميع. وكانت تحميه من عنف أبيه الذي كان يمضي معظم وقته في الثكنات، على بعد 20 ميلاً من مزرعة عائلته التي كان يزورها بين الفينة والفينة. كما أن حبه لأمه هو الذي صار يتحكم في توجهاته الدينية، نحو الكنيسة. كانت امرأة متدينة وكانت مؤمنة بأن ما أصيبت به من المرض كان بأمر من الله «لقد أراد لي الرب أن أمرض. ولابد من أن ذلك قد حدث لسبب ما لا يعلمه غيره، وهو يفعل ذلك لكي يختبر قوة إيماني».
إن تأثره بهذه التوجهات يحمله، في بداية حياته، على التصميم على أن يصبح قساً فيعمل في خدمة الكنيسة في طفولته، ويشعر بالسحر وهو يرفع بيديه الصحن لكي يقدم للناس «الخبز المقدس». ومعاً يحلمان بأنه قد كبر وصار يؤدي وظيفته ككاهن. وعلى الرغم من مفارقته الحلم قبل عقود طويلة إلا أن تلك الذكريات المرتبطة بأمه لا تزال حاضرة في مخيلته ومازال يفتقدها، حقاً. فهي تعطي حياته معنى من جهة كما انه لا يزال يستقي منها كل ما يعرفه عن «الغموض الذي يكتنف حياة الناس» و الجمال و الفخر.
والواقع أن تلك الصورة التي يحملها في ذهنه، للكنيسة الكاثوليكية، تظهر أمامنا مقسومة إلى اثنتين، صورة مظلمة داكنة، يظهر فيها والده الذي لا يفهمه. وصورة جميلة مشرقة، تظهر فيها أمه الطيبة المرحة التي يفهمها بسهولة ويسر شديدين. غير أن كلاً منهما تكمل الأخرى في النهاية. تتحد معها لكي تبدو لنا حقيقة العلاقة بينهما واضحة، ظاهرياً وغير واضحة إذ قيست بما يسميه ماكهرن بجاذبية المتناقضين.
غير أن والده يبقى، سراً، غامضاً بالنسبة له. يظل كذلك على الرغم من المفردات الكثيرة التي ينفقها في السعي إلى معرفته. وفي النهاية يقدم لنا وصفاً مقتضباً ومؤثراً. كان منهمكاً في شؤونه الذاتية ولم يكن لديه أي وعي حتى بنفسه. «كان شديد الاهتمام بنفسه، يتقدم الجموع في الاحتفالات الدينية. كان مظهره كل شيء بالنسبة له»، «كان غريب الأطوار، وربما كان مريضاً. لأن تاريخنا العائلي كان يشير إلى نوع من الجنون المتفشي. وأنا أعتقد كذلك أن عنف والدي ربما كان مرده إلى الاضطهاد العاطفي. كان لهذا الشيء سلطة في المجتمع الآيرلندي.
كان الصراع محتدماً بين حب الحياة وحب الرب. والواقع أن الناس ينسون هذه الجزئية يتناسون الطبيعة الديناميكية للحياة». عمل أبوه فرانك في خدمة الجيش الآيرلندي السري، وانضم إلى الشرطة الآيرلندية وتمت ترقيته إلى رتبة رقيب. كان جاداً في عمله وكان قد اعتزل الحياة العائلية من أجل الوظيفة فآثر حياة الثكنات العسكرية. وعندما كان يزور أسرته كانت حالة العنف الأسري هي التي تميز تلك الفترات.
كان أطفاله يرهبونه وعندما توفيت أمهم لم يعد لهم من يحميهم من عنفه وبعد فترة من الوقت أصبحوا عبيداً له. كان يسخرهم في زراعة الأرض من أجل الوفاء ببنود اتفاقية كان قد وقعها مع الحكومة المحلية. وكان يتركهم للجوع والمرض فقد ضربت إحدى شقيقاته بسبب مشيها أثناء النوم وأدخلت إثر ذلك إلى المستشفى الذي أمضت فيه مدة شهرين.
كان رجلاً متدينا من وجهة نظر المجتمع في تلك المرحلة. كان كاثوليكياً ملتزماً. وكان قد عود أطفاله على عدم الرد على أي اعتداء يواجهونه من الآخرين. ولم يكتف بصفعهم على وجوههم بل إنه استمر في ذلك حتى أوقفه ابنه، فرانك 16 عاماً، ذات يوم بلطمة قوية طرحته أرضاً ليغادر بعد ذلك إلى لندن ويعمل في هيئة الإذاعة البريطانية ويحقق نجاحاً مرموقاً.
إذا اختلف ماكهرن عن غيره من الروائيين والكتاب الآيرلنديين في شيء فهو سيختلف بلا شك في طبيعة المعاناة التي تعرض لها داخل المجتمع الآيرلندي. تلك المعاناة لم تكن شبيهة بمعاناة بيكيت وجويس ووايلد الذين عانوا من حياتهم في المنفى سواء كان باختيارهم أم بغير ذلك ثم عادوا إلى دبلن لكي يشعروا بالغربة.
لقد عاش هذا الرجل طوال حياته في بلاده ولم يغادر آيرلندا إلا في فترة قصيرة من شبابه عندما طرد من وظيفته في أعقاب مصادرة رواية «الظلام» في تلك المرحلة تجول قليلاً في أوروبا، إنجلترا، وفرنسا وزار أميركا، لكي يعود بعد خمسة أعوام من الشوق إلى بلدته وقريته، وأهله. ليعشق هذا المكان ويتوحد مع طبيعته المتناقضة. بطيبتها وقسوتها. وهو ما تشير إليه روايته بوجه عام.
أما أهم رواياته «ربما واجهتهم الشمس المشرقة» 2002 فهي من الأعمال الروائية المتميزة التي أشاد بها النقاد في الغرب، والتي لقيت ترحيباً على الصعيد العالمي.
يقول عنها «إنها رواية مضادة». بقيت هذه الرواية على قائمة الروايات الأكثر مبيعاً، كما احتلت مركز الصدارة في مراجعات الكتب والمراجعات النقدية التي سارعت إلى مقارنته بكتاب من أمثال تشيكوف، و بلزاك، و حتى مواطنه صامويل بيكيت. في حين وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنه الروائي الأكثر تميزاً بين أبناء جيله.
يعيش ماكهرن حياة عادية في منزله الريفي مع زوجته الثانية. يكتب لمدة ثلاث ساعات في اليوم وبين هذا وذاك يراقب الطبيعة من نافذة منزله دون أن يتوانى عن التعبير عن احتفائه بالمكان الذي تفانى في حبه إلى حد لم يعد معه قادراً على مغادرته إلى أي مكان آخر على الرغم من أن ذلك لا يبدو متضارباً مع شعوره القوي بالارتباط بالآخر، إذ انه يدرك حسب تعبير جون دون أنه لا يمكن للمكان أن يتحول إلى جزيرة منعزلة.
قبل 30 سنة
الحقول الواقعة ما بين البحيرات صغيرة ، تفصلها أسيجة سميكة من شجيرات البرقوق الأبيض الشائكة، وشجيرات الدردار، والبرقوق الأسود، و جار الماء، والكرز البري، والسنديان الأخضر ...أما الممرات التي تربط بينها أسفل آيرون ماونتنز فهي ضيقة، وشديدة الانحدار ....هذه الأسيجة تملؤها الفئران والحشرات وصغار الطيور، أما طيور الباشق فيمكن مشاهدتها وهي تطارد فرائسها طوال النهار.
قبل 30 سنة عدت لكي أعيش بين هذه الحقول والممرات .كنا أنا وزوجتي في بداية حياتنا الأسرية، وكنا نعتقد بأن هذه الحقول الصغيرة ستكون مصدر رزقنا وأنها ستعينني على الكتابة.
إن علاقتي بهذه المشاهد الطبيعية تعود سنوات إلى الوراء ، إلى بداية حياتي .فعندما كنت في الثالثة كنت أعبر ممراً شبيهاً بهذه الممرات لكي أصل إلى مدرسة ليساكام بصحبة والدتي. لم يكن في المدرسة غير فصل دراسي واحد وكان المعلمون يقفون في مواجهة بعضهم البعض أثناء القيام بوظيفتهم.
أنا متأكد من أنني استلهمت اعتقادي بأن الحياة الأمثل هي الحياة التي نعيشها بهدوء من ذلك الزمان، حيث لا شيء يحدث سوى رحلتنا اليومية الهادئة، وحيث التغيير الذي لا يحدث إلا بالكاد وحيث الحياة الكريمة هي كل شيء.
مقتطف من كتاب «مذكرات»
الكتاب: مذكرات
تأليف: جون ماكهرن
الناشر: دار فيبر أند فيبر ـ لندن 2005
الصفحات: 272 صفحة من القطع المتوسط
Memoir
John Mc Gahern
Faber & Faber - London 2005
p.272
