يرى د. جورج ف. نحاس في كتابه «العيد سفين عائم» أن هناك تراثاً شعبياً جمعياً عقلياً متوارثاً لدى الشعوب، يطل علينا من خلال أدوار اجتماعية متعاقبة ومتفاوتة، مختلفة حيناً، متقاربة أو متباعدة أحياناً. وفي عاداتنا ومثلنا واحتفالاتنا الشعبية أثر متوارث لحضارات قديمة مرت في انقلابات حتى استقرت على ما هي عليه الآن.
لذا فهو يقوم بهذا البحث محاولاً الولوج إلى سر وجود هذه العادات والاحتفالات عبر هذه الحضارات والتاريخ القديم من خلال معطيات تراثنا الأثري ولقاه الفنية، متتبعاً معانيها الثقافية والأسطورية. فيرى أن ملامح العيد في الاحتفال الطقوسي عند السومريين هي الحدث الرئيسي في السنة الطقوسية الجديدة في غرب الشرق القديم. ويسمونه (عيد الربيع) الذي يبعث فيه الإله (دموزي ـ تموز) من عالم الأموات.
فهو الإله النموذج الأول لجميع آلهة النبات في غرب آسيا، والممثل في شخصه حياة الطبيعة التي تموت في الصيف لتعود إلى الحياة من جديد في الربيع. فكان السومريون والبابليون يقيمون سنوياً احتفال رأس السنة، فتجري خلاله إعادة إحياء لوقائع قصة التكوين كما جاءت في أسطورة التكوين.
وبالمثل ومن أجل ضمان مسببات الخصب والتكاثر في الطبيعة، سواء ما يتعلق منها بالإنسان أم بالحيوان، فقد كان ضرورياً أيضاً إقامة احتفالات وطقوس سنوية يجري خلالها استحداث عملية التخصيب عبر طقوس أحدثتها الآلهة في البدء.ولما كانت أساطير الخصب قد جسدت مسبباته في الآلهة (راي ـ نانا أو عشتار) وبزوجها (دموزي ـ تموز) فقد كان منطقياً لذلك أن تعاد وقائع الزواج الإلهي كل عام، فيقوم ممثل الآلهة من البشر كالملك أو الكاهن الأعظم بتقمص شخصية الزوج ـ الإله دموزي ـ بينما تقوم الزوجة «الإلهة راي نانا» في احتفال كبير يعرف بالزواج المقدس.
يلي الاحتفال بعيد «الربيع» الاحتفال بعيد «الفصح» وهو أكبر أعياد اليهود، والكلمة تدل على العيد حيناً، وحيناً آخر على الذبيحة التي تذبح فيه.
يقام العيد في بدء الربيع، فيذبح الحمل أو الخروف في 14 نيسان القمري، ويؤكل في أوائل الخامس عشر منه، أي بعد غروب الشمس من اليوم الرابع عشر. وكان العيد يستمر سبعة أيام لا يأكلون فيه إلا خبزاً فطيراً. وكانوا يحيون فيه ذكرى خروج الشعب الإسرائيلي من مصر.
أما عيد (الفصح) عند المسيحيين فهو ذكرى قيام عيسى عليه السلام من بين الأموات وصعوده إلى السماء، وقد اختلفت الطائفتان الشرقية والغربية على موعده. ففي سنة 325م حين عقد مؤتمر نيقية أيام الامبراطور قسطنطين الأول 307337م تقرر أن يكون الاحتفال بهذه الذكرى على النحو التالي:
1 ـ حلول الاعتدال الربيعي الذي يعتبر دائماً في 21 مارس.
2 ـ ظهور البدر الكامل بعد الاعتدال الربيعي أو معه.
3 ـ يقام الاحتفال في يوم الأحد الذي يأتي بعد البدر الكامل.
4 ـ إذا وقع البدر الكامل في يوم الأحد يؤجل الاحتفال إلى الأحد التالي تجنباً لاحتفال النصارى مع اليهود في يوم واحد.
كما يسبق عيد الفصح أو عيد القيامة من بين الأموات مجموعة من الأعياد:
1 ـ عيد الشعانين أو عيد الأطفال ويصادف وقوعه يوم الأحد الذي يسبق قيامة السيد المسيح، أو أحد عيد الفصح ويسمى عيد التسبيح وهو (عيد الزيتونة) كما يسميه الأقباط، والكلمة مصرية عن الفارسية (نوروز) أي اليوم الجديد، وقد اشتق العرب منه فعلاً جديداً هو (نيرز). غير أن المصريين لهم عيد هو يوم (شم النسيم) ويحتفل به الأقباط والمسلمون معاً وهو اليوم الذي يلي عيد الفصح،
وفيه يرتاد المصريون القناطر الخيرية وشبرا وضفاف النيل، أو يمخرون عبابه بالمراكب الشراعية والبخارية، ويأكلون السمك (الفسيخ) وهو السمك المجفف المملح وهو احتفال قديم. ثم هناك «عيد البشارة» ويقع في يوم 25 مارس حيث السيدة مريم تُصوَّر وقد أمسكت بيدها خيطاً يمر من وسط جسدها ملفوفاً على مغزل، وهو من المواضيع المحببة في المسيحية، جانبها الملاك «البشارة».
كما لا يزال هناك بقايا احتفالات أعياد محلية قديمة في سوريا ترتبط بأعياد الربيع مثل (عيد الرابع من نيسان / ابريل) ويتم في منطقة الغاب بحماة، لكنهم يحتفلون به في السابع عشر منه، ويسمى عيد المهرجان، كما يحتفل في الوقت نفسه على جبل «زين العابدين» الذي يقع شمال مدينة حماة السورية 6 كم بعيد الرابع من نيسان/ ابريل هذا، وهو من أعياد الأدونيات أو « الادونيسيات » التي كانت تقام في الجبال.
أيضاً هناك (عيد القديس مارجرجس) في 23 نيسان /ابريل، وعيد (أحد العنصرة) في 18 حزيران / يونيو، وهو عيد حلول الروح القدس على التلاميذ في اليوم الخامس لقيامة السيد المسيح من بين الأموات، و(عيد ميلاد النبي يوحنا المعمدان) في 23 أو 24 حزيران / يونيو، وهو عيد (تموز) و(عيد النبي إيلياس) إيليا أو (مار إلياس) في 20 تموز / يوليو وهو عيد يتعلق بموسم الحصاد. و(عيد رقاد السيدة العذراء وصعودها إلى السماء) في 15 آب/ أغسطس. و(عيد الصليب) في 14 ايلول/ سبتمبر.
و(عيد الختان) في 1 يناير. وعيد (بابا نويل) الذي يقدم الهدايا بالعيد، وهو شخصية أسطورية يمكننا الرجوع لأصله، إلى نهاية الألف الرابع قبل المسيح. ففي الفن الإيراني هو الإله (إبكس) IBEX حيث تظهر تلك الشخصية مع كيسها المحمول وغطاء الرأس المدبب والحذاءين المدببين والعصا.
ثم انتقلت هذه الشخصية إلى الإله اليوناني هرمس، والروماني «موكو» الذي يطير حاملاً كيسه وهو رسول الآلهة. ثم هناك (عيد الغطاس أو العماد) في 6 يناير ويسمى أيضاً (عيد الظهور) ذكرى اعتماد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان.
ثم ينتقل د. جورج نحاس إلى البحث في أعياد اليهود والمسلمين، فيرى أن التقويم العبري هو مثل عقائد اليهود غاية في الغرابة والغموض والتعقيد، لا يحسنه إلا الآحاد من أحبارهم، فشهوره قمرية، والسنة فيه شمسية تبدأ بشهر (تشرّي) والعمل فيه محرم في أول يوم منه، اتخذه اليهود عيداً. والسنة الدينية تبدأ عندهم في شهر ابريل ومعناه (العشب والخضرة) والتسمية بابلية الأصل تعني البدء والتحرك. وغيّروا اسمه إلى (آبيب) أي الربيع، ومن أهم الأعياد التوراتية:
1 ـ عيد رأس السنة الذي يسمى عيد الأبواق ويصادف أول من شهر تشرّي ويقابل عيد الأضحى عند المسلمين.
2 ـ عيد الكبوّر، أو عيد الصومان أو (يوم الغفران) أو «عاشوراء» عيد «الكفارة» أو صوم الكبوّر. ومناسبته كما يقولون ـ أن الله تعالى استجاب فيه لاسترحام موسى بالعفو عن اليهود لعبادتهم العجل الذهبي، ويقولون: إن الله تعالى يغفر فيه لجميع اليهود ما عدا الجاحد لربوبية الله تعالى، والزاني بالمحصنة (المتزوجة) والأخ الظالم أخاه.
ويقولون أيضاً: إن الله فرض عليهم صومه، ويُقتل من لم يصمه، ومدة الصوم خمس وعشرون ساعة كاملة، تبدأ قبيل غروب الشمس في يوم 9 تشري، ويشترط للإفطار رؤية ثلاثة نجوم، ولا يجوز أن يقع هذا العيد أيام الأحد أو الجمعة أو الأربعاء.
وهذا اليوم الوحيد الذي أمرهم موسى عليه السلام بصومه، إلى جانب هذا العيد هناك عيد «المظلة» وعيد «الفصح» أي عيد العبور، وعيد «العنصرة» ويكون بعد الفصح بسبعة أيام، وعيد «الفوز» وهو يوم نجاتهم من مذبحة في العراق.
أما بالنسبة للمسلمين فأهم أعيادهم هو:
1 ـ عيد الأضحى المبارك أربعة أيام تبدأ من عاشر ذي الحجة، وهو الشهر الثاني عشر في التقويم الهجري، وهو عيد تذبح فيه الأضحية، ويجتمع الحجاج قبله يوم 9 ذي الحجة على جبل عرفات بمكة، ويسمى ذلك اليوم بيوم وقفة عرفة ـ أي وقفة عيد الأضحى.
2 ـ عيد الفطر، ويكون في الأيام الثلاثة الأولى من شهر شوال، الشهر العاشر الهجري ذلك بعد الانتهاء من فريضة صوم شهر رمضان.
إلى جانب هذين العيدين يحتفل المسلمون بليلة الإسراء والمعراج، وتقع في يوم 26 رجب، ثم عيد (الغدير) وهو عيد يحتفل به الشيعة في الثامن عشر من ذي الحجة، ويوم «عاشوراء» الذي يتخذه الشيعة بمثابة (يوم حزن) تعطل فيه الأسواق، ويعمل فيه السماط المسمى سماط الحزن.
تراث شعبي ينتقل بعاداته من حضارة إلى حضارة، ومن جيل إلى جيل، تختلف الاحتفالات بهذه الأعياد من عصر إلى عصر، ومن بيئة إلى بيئة. إلا أن سحرها يسري في الروح سرياناً مادامت الحياة.
أنور محمد
الكتاب: أعياد الشرق واحتفالاته وتقاويمه ـ دراسة
الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2004
الصفحات: 205 صفحات من القطع الكبير
