يعمل اليكسيس سبير باحثاً في المعهد القومي الفرنسي للبحث العلمي في إطار جامعة ليل بشمال فرنسا. وهذا الكتاب هو عمله الأول، وهو مأخوذ أصلاً من أطروحة لنيل الدكتوراه في علم الاجتماع حول موضوع الهجرة في الفترة المدروسة. هذا الكتاب يعالج موضوعاً له راهنيته في فرنسا اليوم حيث ان مسألة الهجرة مطروحة بقوة في سياق حالة العنف الذي تشهده ضواحي المدن الكبرى ـ خاصة باريس ـ ذات الوجود الكثيف للمهاجرين وأبنائهم الذين تتم تسميتهم بالجيل الثاني ...

كذلك تأخذ مسألة الهجرة موقعاً متميزاً في مختلف الحملات الانتخابية الفرنسية، بل ان حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف بزعامة جان ماري لوبن قد جعل من مسألة الهجرة هذه العمود الفقري لبرامجه الانتخابية على أساس ان المهاجرين هم السبب الرئيسي للبطالة التي تصيب أكثر من 10% من اليد العاملة القادرة على العمل في فرنسا.. وبالتالي تشكل «إعادة» المهاجرين إلى بلدانهم حلاً، بل الحل، للبطالة.

في هذا الكتاب، يقوم المؤلف باستعراض مختلف القوانين التي تعاقبت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في مجال الهجرة، لكنه يبحث أيضاً، وخاصة، في آليات تطبيق هذه القوانين.

أما أهدافها ـ المعلنة أو غير المعلنة ـ وآثارها فإنها تظهر بالأحرى في إطار الإدارات المكلفة بتنفيذها وليس عند نقاشها أمام ممثلي الأمة في الجمعية الوطنية الفرنسية ومجلس الشيوخ. ويؤكد المؤلف أن القوانين التي تفترض مبدئياً مساواة الجميع في المعاملة، على أساس ان المساواة هي أحد الشعارات الثلاثة ـ إلى جانب الأخوة والحرية، التي تتأسس عليها الجمهورية،

إلا أن الواقع يشير إلى الاختلاف في المعاملة من جنسية إلى أخرى ومن حالة إلى أخرى. وأن هناك فرقاً حقيقياً بين العمل الظاهر «المرئي» للسلطات العامة وبين الممارسة «السرية لكل موظف من موظفي الإدارات المعنية».

إن المؤلف يطرح في الواقع عدداً من الأسئلة الخاصة بالفترة المدروسة.. مثل لماذا جرى منح بعض المهاجرين إمكانية البقاء والإقامة في فرنسا بينما توجب على آخرين المغادرة؟ وكيف نجح البعض في الحصول على الجنسية الفرنسية بينما بقي آخرون كأجانب؟ هل يتم تطبيق القواعد نفسها على الجميع أم أن التعامل يتم على «أساس الهوية»؟.. هذه الأسئلة وغيرها يحاول المؤلف الإجابة عليها على مدى أكثر من 200 صفحة يتألف منها كتابه.

المادة الرئيسية التي يعتمد عليها المؤلف في تحليلاته تتمثل في لقاءات أجراها مع موظفين سابقين كانوا يعملون في الإدارات الخاصة بالأجانب .. كما درس ما يزيد عن 1600 ملف فردي لأجانب .. ومن خلال الإجابات ذات الدلالة التي يسوقها المؤلف تلك التي قدمها «كريستيان» الذي كان مسؤولاً خلال الفترة الواقعة بين عام 1947 وعام 1983 عن التوظيف في مركز إقليمي فرنسي تابع للمكتب الوطني للهجرة، أي الهيئة المكلفة باختيار اليد العاملة الأجنبية المطلوبة للعمل في مختلف القطاعات الاقتصادية الفرنسية..

وما يؤكده «كريستيان» انه في مطلع سنوات الخمسينات لم يكن هناك أي قانون يشير إلى إعطاء الامتياز لاستقدام المهاجرين من بلدان مسيحية، لكنه تبنى مع ذلك قاعدة صاغها كالتالي: «كان هناك واقع يدعو إلى فهم ان برتغالياً أو إيطالياً أو اسبانياً يمكنهم التأقلم والاندماج بسهولة في المجتمع الفرنسي.. ذلك انهم يمتلكون فلسفة دينية واحدة .. وإذا كانوا ممن يمارسون الطقوس الدينية أو لا يمارسونها فإنهم قد رفعوا أيديهم ذات يوم بشارة الصليب.

ثم ان لديهم قدرة على التأقلم مع اللغة بينما يلاقي المسلمون صعوبة في ذلك. لكن عندما يتعلق الأمر بالمغاربة، فإن المشاكل تغدو مطروحة بقوة».

في الفترة نفسها لم تكن القوانين الخاصة بالهجرة تعطي الأولوية للإيطاليين من أبناء شمال إيطاليا وللإيطاليين من أبناء جنوبها.. ولكن هذا لم يمنع «كريستيان» وزملاءه من أن يقوموا بعملية فرز تتماشى مع، بل وتستبقي، ما يريده أرباب العمل الفرنسيون. ذلك انه «كان هناك فرق بين إيطاليي الجنوب وإيطاليي الشمال .. بالقطع. وهذا يشبه قليلاً الفرق بين ابن مرسيليا وأبناء مدن الشمال بفرنسا».

«كريستيان: هذا ليس سوى نموذج للعديد من الموظفين الإداريين الذين سمحت لهم مواقعهم بأن يلعبوا دوراً حاسماً في تحديد «نوعية» المهاجرين الذين ستستقبلهم فرنسا، وذلك تبعاً لتفسيراتهم، بل بالأحرى لـ «حساسياتهم» الشخصية، إن هؤلاء الموظفين كانوا أصحاب قرارات خصت الآلاف من النساء والرجال الذين أرادوا القدوم للعمل في فرنسا، وربما في أفق أن يصبحوا مواطنين فرنسيين».

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب، بناء على وقائع وحالات محددة هو أن «كريستيان» وأمثاله تمتعوا بهامش مناورة كبير خلال ثلاثة عقود من الزمن امتدت ما بين عام 1945 وعام 1975 فيما يتعلق بمنح بطاقات الإقامة وأذونات العمل والموافقة على الجنسية.

وخلال هذه العقود الثلاثة لم يتطور الإطار القانوني الخاص بالهجرة عملياً .. الأمر الذي أتاح للموظفين الإداريين «تفسير» القوانين على هواهم بحيث انهم كانوا العناصر الفاعلة الأساسية في صياغة سياسة الهجرة.

إن مؤلف هذا الكتاب، ومن خلال تحليل «آلية العمل البيروقراطي»، بمعنى البت في الأمور المتعلقة بالهجرة، والسيطرة التي يمارسها الموظفون الإداريون على مصير المهاجرين، يقوم بالكشف عن الخلفيات الاجتماعية وأشكال «المنطق الخفي» التي حكمت سياسة الهجرة في الفترة التي تُطلق عليها عادة تسمية «العقود الثلاثة المجيدة للهجرة»، وذلك كإشارة إلى «سنوات الثلاثينات المجيدة» بالنسبة للاقتصاد السوفييتي .. وفي المحصلة يرى المؤلف أن سياسة الهجرة خلال الفترة المدروسة كرست «احتكار الإدارة» لهذه السياسة على حساب القرار السياسي.

وفي نظرة تاريخية لظاهرة الهجرة الفرنسية يعود المؤلف إلى السنوات التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية حيث كانت فرنسا المدمرة إثر سنوات الحرب والاحتلال النازي بحاجة ماسة إلى اليد العاملة لإعادة إعمار البلاد. من هنا جاءت ضرورة المطالبة باستقدام يد عاملة أجنبية .. هذا وقد «جرت النقاشات آنذاك داخل دوائر الإدارة العليا، بعيداً عن ممثلي الشعب».

والمفروض ان هؤلاء هم الذين يقومون بتحديد التوجهات السياسية للبلاد في جميع الميادين. وكانت الحكومة الفرنسية المؤقتة قد استخدمت بنداً في الدستور، لا يزال موجوداً حتى الآن، تستطيع بموجبه تبني المراسيم دون العودة للبرلمان.

إن مؤلف هذا الكتاب يركز بحثه في الواقع على آلية عمل الدولة في تعاملها مع المهاجرين، بعيداً عن الخوض في «خصوصياتهم الثقافية» والدور الذي يمكن لـ «الذاكرة» أن تلعبه في مجال اندماجهم مع مجتمعاتهم الجديدة. إنه يحلل بالتحديد التباين بين المبادئ التي تطرحها هذه الدولة وواقع «التمييز» الذي تتم ممارسته على صعيد الواقع اليومي لحياة المهاجرين.

وفي محصلة التحليل، اعتماداً على الإحصائيات وعلى دراسة 1600 حالة فردية وأيضاً على المقابلات العديدة التي أجراها المؤلف مع مسؤولين سابقين في إدارات الهجرة، وعلى مختلف المستويات ابتداء من الموظف البسيط الذي يتلقى طلبات الإقامة أو العمل من قبل المهاجرين ووصولاً إلى رؤساء الدوائر،

يؤكد بأن الممارسات الخاصة بالمهاجرين إنما تقوم على خلفية «ذاكرة جماعية» و«ردود أفعال ممهورة إلى حد كبير بالماضي الاستعماري».. إذ يرى بأنه من الصعب على العاملين في إطار الدولة الفرنسية أن يكونوا مثلاً «حياديين» حيال الجزائر التي كانت لفترة قريبة «فرنسية» ثم حصلت على استقلالها بعد حرب تحريرية استمرت ثماني سنوات سالت فيها دماء كثيرة.

وقد تبدت المواقف حيال المهاجرين أيضاً بتبني نوع من «ثقافة السر» من جهة و«الولاء دون تحفظ» لما تتطلبه الإدارة والمؤسسة الحكومية .. هذا إلى جانب هامش كبير لـ «حرية المبادرة» من قبل الموظف المختص، وما أطلقت عليه إحدى المسؤولات السابقات عن الهجرة تعبير «التقدير الشخصي». إذ يمكن لموظف ما أن «يتعاطف» مع مرشح للهجرة فيسهل له أموره أو «ينفر» منه لأسباب لا علاقة لها بالموضوعية وبالتالي يعقد الأمور، هذا إذا لم يجعلها «مستحيلة».

إن المؤلف يشرح بأشكال مختلفة الدور المركزي الذي لعبته «السلطة الوسيطة» المتمثلة في «منفذي» القوانين بالتصرف تبعاً للظرف الاقتصادي أو الدبلوماسي وتفضيل مهن محددة أو جنسيات بعينها على غيرها وذلك «تبعاً لمعايير لم تكن أبداً مكتوبة على الورق».

هكذا تمتع «المنفذون» المعنيون بهامش حرية واستقلال ذاتي كبير. الأمر الذي يعبر عنه «رينيه» الموظف العادي السابق في إحدى إدارات الهجرة بالقول: «بالنسبة لأولئك الذين كانت لجنة الطرد من البلاد تدرس حالاتهم، كانت لدي سلطات تفوق سلطة القضاة. فالقضاة كانوا يتواجدون لمساعدتي، لكن أنا ـ وعلى المستوى البسيط الذي كنت عليه بالنسبة للمستوى الوظيفي ـ أو رئيس المكتب كنا نتولى رئاسة اللجنة».

وما يؤكده « اليكسيس سبير» في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب، هو ان الأمور والقوانين الخاصة بالهجرة بدأت بالتطور ليلاً منذ أواسط عقد السبعينات إذ بدأت مسألة الهجرة تأخذ «أبعاداً سياسية» أخذت في اعتبارها ولادة معايير دولية جديدة كان منها أن «قلبت واقع» الأبواب الموصدة التي سادت لفترة طويلة بين الإدارة والأجانب».

كما ان العامل الإعلامي أصبح له دوره بالنسبة لرهانات الهجرة. هكذا انتهت إلى حد كبير تلك السيطرة «السرية والصامتة» للجهاز الإداري والتي مثلت إحدى خصوصيات النقاش الفرنسي حول الهجرة.

وكتاب يلقي الضوء على مسألة الهجرة والمهاجرين في فرنسا ويسمح بمعرفة آليات اتخاذ القرارات الخاصة بها لفترة طويلة من الزمن .. ويشكل، ولعل هذا الأهم، أداة فهم واقع المشاكل المطروحة اليوم في فرنسا تحت عنوان «الهجرة» .. و«عنف الضواحي»

الكتاب: أجانب على الهوية

إدارة الهجرة في فرنسا 1945 ـ 1975

الناشر: غراسيه ـ باريس 2005

الصفحات: 414 صفحة من القطع المتوسط

ETRANGERS A LA CARTE

L'ADMINISTRATION DE

EN FRANCE 1945 - 1975

ALEXIS SPIRE

GRASSET-PARIS 2005

P. 414