مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور امارتيا سين الاستاذ في جامعة كمبردج، قسم الاقتصاد، وهو من أصل هندي ومن مشاهير المفكرين الوجوديين في الغرب والمختصين بالشؤون الهندية. وكان قد نال جائزة نوبل عام 1998، وهنا يقدم صورة متكاملة عن أكبر ديمقراطية في العالم، الهند، فهذا البلد الذي يشكل قارة بأسرها يشتمل على كافة الأعراق والأديان واللغات.
وهو مرشح لان يصبح قوة عظمى خلال العشرين أو الثلاثين سنة المقبلة، ولكن الهند تواجه مشاكل في الهوية نظراً لتواجد أقليات دينية ضخمة فيها كالأقلية الإسلامية الكبيرة، والأقلية الخاصة بالسيخ، والمسيحيين، الخ، هذا بالإضافة إلى تعددية اللغات والقبائل والأعراق. ثم يردف المؤلف قائلاً: القليلون يعرفون ان الهند هي ثالث بلد إسلامي في العالم بعد إندونيسيا والباكستان ففيها يعيش ما لا يقل عن مئة وعشرين مليون مسلم،
بمعنى آخر فإن المسلمين يشكلون هناك 12% من العدد الإجمالي لسكان الهند، بالمقارنة يمكن القول بأن المسيحيين لا يشكلون أكثر من 3,2% أي ما يعادل عشرين مليون نسمة. أما طائفة السيخ التي تعني حرفياً طائفة المريدين فتجيء في المرتبة الرابعة من حيث العدد في الهند بعد الهندوسيين، والمسلمين والمسيحيين، ويبلغ عددهم حوالي سبعة عشر مليون نسمة.
وأما الهندوس فهم طائفة الأغلبية التي تتجاوز نسبة 84% من عدد السكان.ثم يردف المؤلف قائلاً: فيما يخص المسلمين ينبغي العلم بأن نسبتهم في البلاد وقبل تقسيم الهند وتأسيس دولة الباكستان كانت أعلى بكثير مما هي عليه اليوم.
كانوا يشكلون حوالي ربع سكان البلاد، أما الآن فقد أصبحوا عشرة بالمئة أو أكثر بقليل، والواقع ان وجود أكثر من مئة مليون مسلم في الهند حتى بعد انفصال الباكستان يبرهن على مدى انتشار الإسلام في تلك البلاد ومدى ترسخه وقوته. وهو انتشار قديم يعود إلى أكثر من عشرة قرون إلى الوراء.
فالإسلام كان يحكم الهند في فترة من الفترات، ينبغي ألا ننسى ذلك، وقد فتحو «دلهي» في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي. وكان المسلمون الذين فتحوها أتراكاً ذوي ثقافة إيرانية، وعندئذ أصبحت الهند جزءاً لا يتجزأ من العالم الإسلامي، وراحت السلالات التركية أو الأفغانية تتعاقب على حكم شبه القارة الهندية طيلة قرون عديدة،
وكان ذلك عبر سلطنة دلهي بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر، ثم السلطنات المحلية أو الإقليمية بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ثم تعاقبت عليهما الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي استمرت حتى وصول الانجليز إلى الهند واستعمارها في أواخر القرن الثامن عشر، بعدئذ ابتدأ التاريخ الكولونيالي للهند حتى الأربعينات من القرن الماضي.
وهذا يعني ان الإسلام كثقافة وتراث وعمارة وحضارة يشكل جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الهند، لقد استطاعت نواة صغيرة من الفاتحين الأتراك والأفغان والفرس والعرب ان ترسخ الإسلام هناك وتنشره تدريجياً حتى أصبح يعد بالملايين!
ولكن على الرغم من ذلك فإن الهندوس يعتبرون الإسلام ديناً أجنبياً على البلاد! وكذلك يفعلون مع المسيحية، أما الأديان الأخرى المشتقة من الديانة الهندوسية كالبوذية والجاينية والسيخ فتعتبر من قبل أغلبية الهنود بمثابة أديان وطنية او محلية. واتباع هذه الأديان ينظر إليهم من قبل الدستور والقانون والمجتمع بشكل عام كهنود أصليين لا غبار عليهم.
اما المسلمون والمسيحيون فيعتبرهم المجتمع بمثابة مواطنين ادنى مرتبة، أي مواطنين من الدرجة الثانية لأن عقيدتهم أجنبية على البلاد والقارة الآسيوية بمجملها، واما المسلمون فينظرون إلى الهنود كوثنيين وكفار بالمعنى الحرفي للكلمة وعندما حكموا الهند عاملوا الهندوسيين كمواطنين من الدرجة الثانية أيضاً. وبالتالي فهناك سوء تفاهم تاريخي مشترك بين الطرفين وقد استمر على مدار الأجيال: أي حتى يومنا هذا.
وبالتالي فهناك انقسام طائفي في الهند وكثيراً ما تنفجر المشاكل بين الهندوس والمسلمين وتحصل مذابح أو تدمير للمعابد والمساجد ولكن التعايش ممكن أيضاً وساري المفعول منذ عدة قرون فالهنود من مسلمين وهندوس ينتمون إلى الأصل الثقافي القديم نفسه والعرق واللغة نفسيهما في معظم الأحيان، ولا يفرق بينهم إلا الدين.
والواقع ان تقسيم الهند وتأسيس دولة باكستان الإسلامية عام 1947 عمق الجراحات والحزازات بين الهندوس والمسلمين، فقد أدى هذا التقسيم إلى مجازر مرعبة حصدت مالا يقل عن نصف مليون شخص من كلا الجانبين، كما أدت إلى تهجير السكان بين البلدين من اجل التناغم السكاني، وهذا التهجير شمل مالا يقل عن خمسة عشر مليون نسمة من طرف وآخر.
وهذا يعني ان ولادة باكستان كانت عسيرة جداً ولم تتم بدون دفع ثمن باهظ وقد دفع المسلمون الذين بقوا في الهند بعد التقسيم الثمن الأعظم ولكن هذه المآسي لم تشمل جميع الأقاليم بالدرجة نفسها، ويبدو ان إقليم البنجاب هو الذي أصيب أكثر من غيره فالمناطق الهندية من البنجاب فرغت كلياً من سكانها المسلمين وكذلك الأمر فيما يخص المناطق الباكستانية من البنجاب.
فقد طردوا منها كل الهندوسيين وجماعة السيخ، أي كل من ليس مسلماً. على هذا النحو حصلت عملية تطهير طائفي على أوسع نطاق. وكل المشاكل الحالية ناتجة عن تلك الفترة. ثم يردف المؤلف قائلاً ما معناه: والشيء الأخطر من كل ذلك هو ان النخبة المثقفة هي التي هاجرت إلى الباكستان وتركت الهند وهكذا فقدت الطائفة الإسلامية في الهند خيرة شبابها، ومثقفيها، وموظفيها، وتجارها، وعلمائها، وقادتها.
وقد أصبحت الطائفة الإسلامية في الهند رهينة في يد الشعب والسلطة من أجل حماية الأقلية الهندوسية الموجودة في باكستان، ونزل عدد المسلمين كما قلنا من 24% أيام الهند البريطانية إلى أقل من 15% بعد تأسيس دولة باكستان.
واندلعت اضطرابات طائفية خطيرة أدت إلى سقوط الآلاف في صفوف المسلمين المتبقين في الهند، وكان ذلك بمثابة انتقام للأقلية الهندوسية التي تعرضت للاضطهاد والقمع في دولة باكستان الجديدة. ولا تزال الاضطرابات الطائفية تحصل من وقت لآخر كما قلنا. فكل بلد يضطهد أقلية البلد الآخر التي لا تزال تعيش فيه.
وأصبح الشعب الهندي ذو الأغلبية الهندوسية الساحقة ينظر إلى الطائفة الإسلامية وكأنها خائنة أو مشكوك في وطنيتها على الأقل، لماذا؟ لأنها تابعة للأجنبي في نظر اليمين الهندوسي. وهذا الأجنبي هو بالدرجة الأولى دولة باكستان الإسلامية التي ينظر إليها مسلمو الهند وكأنها منارة بالنسبة لهم.
ولكن من أجل تحاشي المجازر في هذه الجهة أو تلك فان رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو وقع معاهدة مع رئيس وزراء باكستان لياقة علي خان تقضي بحماية كلتا الطائفتين في كلتا الجهتين.
وقد اضطر نهرو إلى توقيع هذه الاتفاقية بعد أن تعرضت الأقلية الهندوسية في منطقة الباكستان الشرقية إلى مجازر طائفية أدت إلى نزوح مئات الآلاف منهم.. وكان ذلك في نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات من القرن العشرين.
ثم يتحدث المؤلف عن مشكلة السيخ في الهند والتي تهدد أيضاً هوية هذا البلد ووحدته ويقول بما معناه: إن كلمة السيخ تعني حرفياً ذلك الشخص الذي يتعلم، أي التلميذ أو المريد. ولكنها كمصطلح تدل على الطائفة الرابعة في البلاد بعد الهندوسية والإسلام والمسيحية. وكثيراً ما نسمع بأخبار السيخ وتعصب بعضهم الشديد.
وطائفة السيخ تحتل مكانة خاصة في تاريخ الهند منذ خمسة قرون وحتى اليوم. وذلك لأن أهميتهم السياسية والاقتصادية تتجاوز حجمهم العددي بكثير. والواقع أن المذهب السيخي كان قد أسس في القرن الخامس عشر من قبل شخص يدعى غوروناناك (1469 ـ 1539).
وهو هندي ينتمي إلى طبقة التجار.. وكثيراً ما يتحدث الخبراء عن هذا المذهب وكأنه عبارة عن تركيبة توفيقية أو تلفيقية بين الديانة الهندوسية والديانة الإسلامية. انه عبارة عن مذهب جديد يدعو إلى إزالة نظام الطبقات في الهند والمساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن أصلهم وفصلهم أو عرقهم ودينهم ومذهبهم. وبعض مباديء عقيدة السيخ مستمدة من الإسلام الحنيف، وبعضها الآخر مستمد من الديانة الهندوسية.
وقد تعرض السيخ للاضطهاد بشكل مزدوج من قبل الهندوس ومن قبل سلاطنة المغول. وهم يتمركزون عموماً في إقليم البنجاب حيث يشكلون 35% من عدد السكان. وقد ظهر تيار أصولي لدى السيخ بدءاً من سبعينات القرن الماضي. وكان هدفه المحافظة على هوية المذهب بشكل صارم. ونتج عن هذا التيار المتعصب اتجاه إرهابي لا يتوانى عن القيام بأعمال العنف هنا أو هناك. وقد اغتالوا العديد من الشخصيات الهندية وعلى رأسها انديرا غاندي وابنها راجيف غاندي.
ويبدو أن الإرهاب السيخي الذي بلغ أوجه في ثمانينات القرن الماضي أدى إلى سقوط ما لا يقل عن عشرين ألف شخص. وقد استهدفت عمليات الاغتيال ممثلي الحكومة المكروهة لأنهم يعتبرونها معادية للسيخ. وقد أرعبوا الهندوس قاطني اقليم البنجاب، الشيء الذي أدى إلى الانتقام من السيخ الساكنين خارج هذا الإقليم في مناطق مختلفة من الهند. ومعلوم ان تمركزهم في البنجاب كبير.
ولكنهم يشكلون أقلية قليلة في بقية الأقاليم الأخرى. ثم ظهرت حركة انفصالية لدى السيخ: أي حركة تريد تأسيس دولة خاصة بهم. وقد ساهمت الدياسبورة السيخية المنتشرة في كندا أو انجلترا في دعم هذا التيار الانفصالي. فهم يعتبرون أنفسهم مضطهدين من قبل الأغلبية الهندوسية، وبالتالي فهم يريدون دولة خاصة بهم لحماية أبناء دينهم من بطش الأغلبية الهندوسية.
وأما الطائفة المسيحية الموجودة في الهند فتتعرض لسوء تفاهم أيضاً. فالكثير من الهندوس يعتبرونها تابعة للغرب ومرتبطة بهيمنته أثناء الفترة الاستعمارية. ولكن الحقيقة هي أن وجودها سابق على الاستعمار الانجليزي والحركات التبشيرية بزمن طويل.
فالمسيحيون كانوا موجودين هناك منذ القرن الأول للميلاد. وكنيستهم كانت تابعة للكنائس العربية المسيحية في الشرق الأوسط. هكذا نلاحظ أن الهند بلد متعدد الأديان والطوائف والأعراق واللغات.
وهو يريد أن يصهر كل هذه التعددية في بوتقة واحدة دون القضاء على خصوصياتها.
THE ARGUMENTATIVE INDIAN
WRITINGS ON INDIAN HISTORY
FARRAR STRAUS GIROUX
YTITNENDI DNA ERUTLUC
CAMBRIDGE , NEW YORK 2005
