موسوعة «صبح الأعشى»، كتاب من ستة عشر جزءا للعلامة الشيخ أبي العباس أحمد القلقشندي، بنية الموسوعة تقوم على مقدمة عن ديوان الإنشاء، ومفهوم الكتابة وقيمتها،وأصول المكاتبات، وينتهي بخاتمة في أصول تحريرها، وطرق إرسالها إلى المقصودين بها، من بريد وغيره.
وبين المقدمة والخاتمة تقع مقالات الكتاب العشر، بأبوابها وفصولها وتفريعاتها المتشعبة، التي يصعب ـ إلى حد الاستحالة ـ حصر ما تشتمل عليه من معلومات ومعارف، تتصل ـ من قريب أو بعيد ـ بفن المكاتبات.
ففي واحدة من تلك المكاتبات إلى مسلمي ملوك السودان، وهم أربعة ملوك، التي يورد «القلقشندي» ما احتواها من أمور خاصة بالإتاوات معرفا هؤلاء الملوك: الأول ـ ملك النوبة، وهو صاحب مدينة دنقلة، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في الكلام على المقالة الثانية في «المسالك والممالك». قال في «التعريف»: هو رعية من رعايا صاحب مصر وعليه حمل مقرر يقوم به كل سنة، ويخطب «ببلاده» لخليفة العصر، وصاحب مصر.
ويضيف «القلقشندي» قلت: هذا كان في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون»، وهذه الإتاوة كانت مقررة عليهم من زمن الفتح، في إمارة عمرو بن العاص رضي الله عنه، ثم صارت تنقطع تارة وتحمل أخرى، بحسب الطاعة والعصيان، وهى الآن مملكة مستقلة بذاتها، ولذلك أوردت مكاتبة صاحبها في جملة الملوك.
وعن المكاتبات «الكتب» الواردة عن أهل الشرق يذكر «القلقشندي» ما كتبه ملوك «قانات» المغول «من بني جنكيزخان»، قبل دخولهم الإسلام، والذي كان يتسم بالمخاشنة، والتصريح بالعداوة، ومنها نسخة تتضمن ما كتبه «هولاكو» المنتزع للعراق من أيدي الخلفاء العباسيين، إلى الملك المظفر قطز في سنة ثمان وخمسين وسبعمئة، وهو:
من ملك الملوك شرقا وغربا الخاقان الأعظم: يعلم الملك المظفر الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم يتمتعون بأنعامه ويقتلون من كان سلطانه بعد ذلك.
يعلم الملك المظفر وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، أننا جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل فيهم غضبه، فسلموا إلينا أموركم تسلموا، قبل أن ينكشف الغطاء فتندموا، وقد عرفتم أننا خربنا البلاد، وقتلنا العباد، فلكم منا الهرب، ولنا خلفكم الطلب».
ومن المكاتبات الواردة عن ملوك الروم، ورأس الكل صاحب القسطنطينة إلى الملك الناصر «فرج» ابن السلطان «برقوق»، سلطان مصر ودمشق وحلب وغيرها، فيدعوه إلى الاهتمام بالمسيحيين في مملكته، وذلك بعد أن أشار ـ سلفا ـ إلى هديته إليه من «الطيور الكواهي»،:
«ونحن نعلم أن سلطنتك تحب الطيور الكواهي، فجهزنا لكم صحبة المذكور خمس كواه وبازدار، ليكون نظركم الشريف عليهم، وكذلك على البطاركة والنصارى والكنائس على حكم معدلة السلطان ومحبته، والوصية بهم، ومعاونتهم ورعايتهم وإجراؤهم على جاري عوائدهم، من غير تشويش، على ما ألفوه من إنصافكم أولا وآخرا لأجل محبتكم لنا ومحبتنا، واستمرار العناية بهم».
وفي مكاتبة أخرى، يذكرها «القلقشندي» عن دوق البندقية إلى السلطان فرج الله يوصيه خيرا بقنصل مقاطعته في الإسكندرية، وكذلك تجارها، الذين تم اعتقالهم وتقييدهم بالحديد، فيقول: السلطان المعظم، ملك الملوك «فرج الله» ناصر الملة الإسلامية، خلد الله سلطانه.
يقبل بين يديه نقولا دوج البنادقة، ويسأل الله أن يزيد عظمته: لأنه ناصر الحق ومؤيده» ثم يتحدث عن مقصده، قائلا: «وأن مولانا السلطان مسك قنصل البنادقة والمحتشمين من التجار بثغر الإسكندرية المحروس، وزنجرهم بالحديد، وأحضرهم إلى القاهرة، وحصلت لهم البهدلة بين جنوسهم والضرر والقهر الزائد، وكسر حرمتنا بين أهل طائفتنا»، معربا عن تعجبه من ذلك:
«لأن طائفتنا لم يكن لهم ذنب،وهذا مع كثرة عدل مولانا السلطان، ومحبتنا له،ومناداتنا في جميع مملكتنا بكثرة عدله».
فكري عبدالمطلب