إذا كان الجميع يقبلون بأن كل فرد يشارك عن وعي أو غير وعي بالمسيرة التاريخية التي تحدد معالم العالم الذي يعيش فيه.. كما ان متغيرات هذه المسيرة لها تأثيراتها على شخصية كل فرد، فإن «مارك فيرو» المؤرخ والباحث الفرنسي المعروف، يرى أن القرن العشرين الذي عرف حربين عالميتين وملايين الضحايا كان له آثار أكثر عمقاً.
هكذا شهد الفرد، وتحديداً في سياقه الأوروبي، خلال حياته «القصيرة» عدة «قطيعات» لم تشهدها أجيال كاملة. إن أولئك الذين يحاول «مارك فيرو» أن يكتب تاريخهم ليسوا صنّاع السياسة والقرارات الكبرى، وإنما مجرد البشر العاديين «المغمورين» الذين كانوا فعلياً وراء صناعة التاريخ خلال القرن الماضي وهم الذين واجهوا أزماته الكبيرة والمتعددة.
ومن خلال دراسة آليات مواجهة الأفراد لأزمات القرن العشرين، يشرح مارك فيرو المنعطفات التي كان لها تأثير كبير على المسارات التاريخية الجماعية ولكن أيضاً المسارات الفردية .. هكذا يعود إلى الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 والتي أنهت الاستمرارية التاريخية لحكم القياصرة الطويل ثم الحرب العالمية الأولى التي انطلقت شرارتها الأولى من أوروبا وكانت هذه القارة القديمة مسرحها الأساسي..
ويركز مارك فيرو بالنسبة للحالة الفرنسية على منعطفين هامين في القرن العشرين، الأول هو الاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية ثم ثورة التحرير الجزائرية التي استبطنها الفرنسيون، بأغلبيتهم، وعاشوها كنوع من «المأساة» حتى على صعيد حياتهم الشخصية.
ويولي المؤلف أولوية اهتماماته لدراسة الهزات التي أحدثها «التاريخ» في الحياة «الطبيعية» للبشر العاديين، يتمثل أحد النماذج التي يطرحها ضمن هذا الإطار في «كامينيفا» أخت تروتسكي، أحد قادة روسيا الثورية إلى جانب لينين وستالين، التي ربطت مصيرها بمصير الطبقة العاملة وبالتالي رفضت أن تقوم بأي جهد كي تتجنب نفيها إلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا.. وهذا ما يعتبره المؤلف، كحالة تكررت كثيراً، بمثابة «عماء» فرضه التاريخ على البشر لاغياً «بصيرتهم». وليس فقط إلغاء البصيرة وإنما أيضاً الخنوع واللامبالاة.. «أمام تاريخ يملك شهية غول».
الكتاب : الأفراد في مواجهة أزمات القرن العشرين
الناشر: أوديل جاكوب ـ باريس 2005
الصفحات: 432 صفحة من القطع المتوسط
LES INDIVIDUS FACE AUX CRISES DU 20 SIECLE
MARC FERRO
ODILE JACOB - PARIS 2005
P. 432