مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور عبد المعطي محمد بيومي شغل منصب عمادة كلية أصول الدين بالقاهرة وهو حاليا عضو بمجلس الشعب المصري. ويشير الى أن فكرة هذا الكتاب جاءت إثر اشتراكه في إحدى الندوات النقاشية التي تنظمها مكتبة الإسكندرية وتناولت بالنقاش قضايا فكرية مختلفة.
وقد كانت القضية التي تم تناولها هذه المرة هي ماهية الدولة في الإسلام أو هل الدولة في الإسلام دينية أم مدنية؟ ومن خلال خبرته التي تمتد ما يقرب من الأربعين عاما دارسا ومشرفا على الدراسات في الإسلام وشؤونه والى قدر من الممارسة السياسية كانت إجابة الدكتور عبد المعطي ان الدولة في الإسلام هي دولة مدنية من الطراز الأول ومن هنا جاء هذا الكتاب ليبرهن بالأدلة على إجابته هذه.
وفي تحديده لأسس نشأة الدولة المدنية في العصر الحديث يشير الى أنها تستند إلى أمور عدة وهي بالأساس: أن تكون الأمة هي مصدر السلطات، وأن يتم الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وأن يكون هناك نوع من الفصل بين السلطات، أن يتمتع القضاء بنوع من الإستقلالية. وعلى ذلك يقول انه اذا أردنا التحقق من ماهية الدولة الإسلامية في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفي عهد الخلفاء الراشدين علينا أن نرجع إلى الوراء وننظر إلى مدى توافر هذه العناصر الأساسية في الدولة الإسلامية خلال هذه الفترة.
فبداية من نزول الوحي على الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبداية الإسلام في صورة الدولة وخلال عهد الخلفاء الراشدين وبعدهم من بني أمية وبني العباس لم يكن هناك حاكم من الحكام تولى الحكم بناء على حق إلهي مطلق، أو يمكن القول ان الله خلقه ليكن حاكما على الناس وإنما استمد الخلفاء في الإسلام شرعيتهم من خلال ما عرف «بالبيعة» حتى الرسول (صلى الله عليه وسلم)لم يكن ليولي نفسه على الناس دون رضاهم إستنادا إلى أنه نبي على الرغم من أنه هو المؤيد بالوحي،
ولكنه حرص على تأسيس شرعية دولته في المدينة بناء على بيعة أهلها وبالتالي يكون الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد أقر أول مبدأ من مبادئ الدولة المدنية وهو أن تكون الأمة هي مصدر السلطات.
ويحاول المؤلف الإشارة الى حدثين مهمين للغاية في التاريخ الإسلامي باعتبار ما يرمزان اليه بشأن القضية التي يعرض لها وهما بيعتا العقبة الأولى والثانية، ففي بيعة العقبة الأولى بايع أصحابها من أهل المدينة الرسول (صلى الله عليه وسلم) على الطاعة في أمور الدين وشؤونه حيث بعث معهم مصعب بن عمير ليعلمهم مبادئ الإسلام ويقرئهم القرآن ويفقههم في الدين.
أما في البيعة الثانية فقد استخدم الرسول (صلى الله عليه وسلم) لغة جديدة تماما غير تلك التي استخدمها في البيعة الأولى، فعمد إلى التنظيم واشترط شروطا عملية لأول مرة تغلب عليها الصبغة السياسية وتشريع إقامة دولة ومبايعة أمير تجب طاعته ويستمد سلطته من بيعة المبايعين له على هذه الشروط التي لم يشترطها في البيعة الأولى.
وبالتأمل في هذين الحدثين يتضح أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) حسبما يذهب المؤلف قام بنوع من الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، فهو لم يول نفسه أميرا أو قائدا تجب طاعته ـ وهو أمر من أمور الدنيا وهو الحكم ـ استنادا للبيعة الأولى لأن المبايعة فيها كانت على أمر من أمور الدين وليس أمرا من أمور الدنيا كما هو الحال في بيعة العقبة الثانية،
وذلك وفق ما جاء في حديثه (صلى الله عليه وسلم) «إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر»، ليؤكد على مبدأ الفصل في الإسلام بين ما هو ديني وما هو دنيوي ولكن في ظل القواعد العامة والكلية للدين والتي تعتبر حسبما يذكر المؤلف قواعد لا تهدد استقلال العقل البشري بل تأخذ بيده إلى استنباط القانون الذي يحقق مصالحه.
وقد كان هناك العديد من المحاولات للخلط بين الأمور الدنيوية والمتمثلة في أمور الحكم والولاية والأمور الدينية وتمثلت إحدى هذه المحاولات فيما قام به الخوارج من رفع شعار «الحاكمية لله» في وجه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكان الغرض من ورائها تدعيم خيوط المؤامرة التي قام معاوية بحياكتها للاستيلاء على الحكم من يد علي بن أبي طالب،
وكان رد علي بن أبي طالب علي هذا الأمر «كلمة حق يراد بها باطل». ولم تقتصر محاولات الخلط بين الدين والسياسة على هذا الحدث التاريخي فقط ـ والذي يراه الدكتور عبد المعطي أمرا مرفوضا في الإسلام ومخالفا لمبادئ الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المدينة ـ وإنما امتد أيضا إلى العصر الحديث لدى الشيعة في إيران من خلال ولاية الفقيه حيث يتم تولية الفقيه أو المرشد الديني كقائد سياسي،
الأمر الذي ينتقده الدكتور عبد المعطي. كما ينتقد المؤلف كذلك رؤية جماعة الإخوان المسلمين في هذا الصدد أيضا منتهيا الى التأكيد على حيوية مبدأ الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي باعتباره أحد المبادئ المؤسسة للدولة المدنية التي قام بتأسيسها الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم).
ويتضح من خلال توافر المبدأين الأساسيين لقيام الدولة المدنية ـ وهما أن الأمة هي مصدر السلطات والفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي ـ في الدولة التي أقام أسسها الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدون من بعده، أن الدولة الإسلامية في هذه الفترة كانت أول دولة مدنية بالمعنى الحديث يشهدها التاريخ.
وينتقل بنا الدكتور عبد المعطي إلى رصد بعض مظاهر الدولة المدنية في الإسلام ومنها حق المواطنة وسيادة القانون والتعددية والحوار ومحاسبة السلطة وتداول السلطة.
فعن حق المواطنة مثلا يقول الدكتور عبد المعطي أنه في الوقت الذي تتفاخر فيه بعض الدول بأنها أعطت حق المواطنة لجميع مواطنيها دون تفرقة بينهم في لون أو جنس أو دين أو لغة، وفي الوقت نفسه ـ وللأسف ـ الذي تهتم فيه بعض الدول الإسلامية بإعطاء مواطنيها حق المواطنة فإن الدولة المدنية التي أسسها الرسول أعطت حق المواطنة لجميع مواطنيها الذين كانوا يختلفون بطبيعة الحال من الناحية الدينية، لكنه لم يفرق بين مواطني دولة المدينة الأولى، مسلمين أو يهودا.
و كان حرص الرسول (صلى الله عليه وسلم)على تأكيد أن اليهود أمة مع المؤمنين، فلليهود دينهم ومواليهم وأنفسهم، حيث تضمنت وثيقة المدينة كل التأكيدات على ضمان الحقوق الإنسانية المشتركة بين اليهود والمسلمين والتي شملت حق حرية ممارسة الشعائر الدينية والنصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة.
ثم تأتي قمة المساواة بين مواطني هذه الدولة «ومواليهم من غير اليهود من خلال التأكيد على أن لهم نفس الحقوق المشتركة فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم» وبالتالي فلم يقتصر الأمر على اليهود بإعتبارهم أكبر طائفة في المدينة بعد المسلمين أنذاك، ولكن إمتد الأمر ليشمل كل مواطني هذه الدولة من مسلمين ويهود وغيرهم.
و لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
من أين لدولة مدنية كتلك التي أنشأها الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن تستمد دستورها وقوانينها؟ وإجابة هذا السؤال ـ كما يقول الدكتور عبد المعطي ـ تبدو سهلة وواضحة وهي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يحكم بالقرآن وما نزل عليه من الوحي، ولكن كما يبدو هذا الجواب صحيحا إلا أنه يحتاج إلى سؤال آخر للإيضاح وهو كيف حكم الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالقرآن؟ هل طبقه حرفيا؟ وهو بالطبع صالح لذلك أم أن الأمر لم يقتصر على التطبيق الحرفي للنص ؟
يوضح الدكتور عبد المعطي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) طبق القرآن في ظل أمرين غاية في الأهمية:
الأمر الأول أنه عليه الصلاة والسلام لم يعد القرآن دستورا كما تعد الدولة المدنية في العصر الحديث دساتيرها، بل كان القرآن عنده فوق الدستور وليس هو نفسه الدستور، منه يستخرج الدستور بما يلائم اختلاف الظروف الزمنية والمكانية،
حيث أن الدستور تغيره الدول وليس له صفة الديمومة وبالتالي يمكن القول ان الحكم بالقرآن في الدولة الإسلامية يتم على أساس أن القرآن هو روح الدستور وليس الدستور نفسه، والدليل على ذلك أن المعاهدات التي تمت بين المسلمين وغيرهم والقواعد التي كانت تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع المدني في المدينة كانت كلها أعمال وضعية إلا أنها كانت مستمدة من تعاليم القرآن.
الأمر الثاني يمكن أن يتضح لنا من خلال موقف لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع معاذ بن جبل عندما بعثه قاضيا إلى اليمن فقد سأله الرسول (صلى الله عليه وسلم) معاذا بما تقضي؟ قال بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).
قال فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو «لا أقصر» فضرب رسول الله على صدر معاذ وهو يقول: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يحب الله ورسوله، وبالتالي يتضح من خلال هذا الموقف لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن باب الاجتهاد والاستنباط من القرأن مفتوحا لصياغة الدستور بما يخدم مصلحة المسلمين تبعا لاختلاف ظرفي الزمان والمكان.
و هنا ينتقد الدكتور عبد المعطي الحركات الإسلامية المعاصرة عندما تعلن أن «أن القرآن دستورنا» مما يترتب عليه تعطيل العقل الإسلامي عن أن يستنبط من القرأن دستورا بشريا يلائم الأوضاع السياسية والإجتماعية، ويكون على هدي القرآن في نفس الوقت، ذلك أن هذه الصيحة تخيف من لا يعرف إمكانات الإسلام من أن مخالفة الدستور ستكون مخالفة للقرآن نفسه، وبذلك تتقيد الدولة بسرابيل الدولة الدينية التي تعيد في أذهان الناس صورة الدولة الدينية في أوروبا في العصور الوسطى.
ألفت عبد الله
الكتاب: الإسلام والدولة المدنية
الناشر: دار الهلال ـ القاهرة 2005
الصفحات: 295 من القطع الصغير
