خلال المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة الذي عقد في الجزائر مطلع العام الحالي تم اختيار مدينة «حلب» عاصمة للثقافة الإسلامية لسنة 2006 في المنطقة العربية، ويتم الاحتفاء بالعاصمة الثقافية الإسلامية من خلال العديد من الأنشطة الثقافية المعبّرة عن الدور الحضاري المهم الذي قدّمته هذه المدينة الناضحة بعبق التاريخ:
بدروبها وأزقتها وأسواقها وقلعتها الغارقة في القدم. وحلب ككل المدن القديمة القائمة اليوم، كائن حيّ ينمو ويتطوّر باستمرار، ويحتفظ في كلّ مرحلة من مراحل نموّه بشاهد يشهد على تطوّره، وقد يكون بناء أو جزءاً من بناء، على حدّ تعبير مؤلف الكتاب الدكتور محمود حريتاني الذي عمل قرابة عقدين من الزمن كمسؤول عن آثار المدينة القديمة، وكباحث نال شهادة الدكتوراه عنها،
وكأستاذ محاضر عن تاريخها وسكانها وعمرانها، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يعتبر خلاصة لتجربة وخبرة في المدينة وذاكرتها. وإذا كان لا بدّ من الدخول إلى حضرة هذه المدينة المزدهرة منذ أقدم عصور التاريخ، فإن أفضل مكان للدخول هو باب أنطاكية، الباب الذي دخل المسلمون المدينة منه، وأسسوا لحضارة عمرانية مازالت معالمها حية في المساجد والأحياء والأسواق، التي ما أن يدخلها الزائر حتى ينتابه شعور أنه سافر عبر آلة الزمن إلى زمن آخر قديم عمره أكثر من ألفي عام،
وليقيم مقارناته بين حياة الأمس واليوم.ومن باب أنطاكية إلى محلة باب قنسرين وأغيور التي بنيت خارج الأسوار، سكنها المسلمون والطوائف الدينية المتعددة، حيث يذكر المؤلف أن فيها تكية ومشهداً صوفياً إضافة إلى المقاهي والأفران والخانات، وكذلك الأمر بالنسبة لأحياء أو محلاّت «بادنجكي، بالي، برغل، بانقوسا» حيث ظلّت أبنيتها عبر المراحل التاريخية تحافظ على طابع المهن التي شغلتها سواء كانت حرفاً نسيجية أو غيرها
وإلى ذلك فإنها بتعبير المؤلّف كانت تمثّل النمط الاقتصادي التجاري السائد الذي تمثّله التجمعّات الحرفية، وعلى سبيل المثال، نتوقف هنا عند حي بانقوسا، حيث يذكر المؤلّف بأنه أحد أهم أحياء حلب القديمة خارج الأسوار، ويقع بالقرب من باب الحديد أحد الأبواب المشهورة، وقد ذكره الشاعر البحتري ومن بعده الصنوبري.
وقد عرف الحيّ بارتفاعه عن باقي أجزاء المدينة وبكثافة أشجاره، وكان يلعب دور الحصن المتقدّم لصد الأعداء عن حلب، ولم يكن باستطاعة الأعداء أن يدخلوا حلب ما لم يستولوا على بانقوسا، حتى السلطان صلاح الدين الأيوبي ومن جاء بعده إلى العهد العثماني، حيث ثار سكان الحي مراراً ضد الولاة العثمانيين.
ويؤكّد المؤلّف أن اقتصاديات حلب ازدهرت مراراً من خلال التجارة حيث كانت القوافل المغادرة، وتعدّ بآلاف الجمال، تنظّم في الحي المذكور، كما أن التبادل الاقتصادي بين المدينة والمناطق الشمالية والشرقية يتمّ في هذا الحيّ، ولهذا بني فيه عدد كبير من الخانات لاستيعاب الحاصلات الزراعية والبضائع التجارية، بالإضافة إلى جملة من الحمّامات والجوامع التي من أقدمها جامع الحدادين، ويعود إلى القرن الثامن الهجري ـ العاشر الميلادي فضلاً عن سوق عامرة لتأمين احتياجات روّاده من سكان المدينة والوافدين عليها من الريف بشكل خاص، هذا بالإضافة إلى عدد من المقاهي.
ويؤكّد المؤلّف بهذا الصدد أن الحيّ أصابه تبديل جذري، فهدم معظم السوق وقسم من الحي في أواخر الخمسينيات، وفتح فيه شارع عريض فأضاع جزءاً كبيراً من أهميته الاقتصادية القديمة وعمرانه التقليدي العريق، الذي بدأ يتهاوى أمام الأبنية العالية المقامة على طرفي الشارع، حيث بتعبيره: باتت الدور القديمة تحت رحمة البنايات العالية وسكانها من جهة التعامل مع الفضاء الطبيعي، أو من حيث الخصوصية وحرية التجول داخل الحوش وما بين غرفه،
مما اضطر سكانها إلى هجرانها وبالتالي هدمها، وبذلك تضيع معالم البناء التاريخي القديم، ويصبح ما تبقى منه فريسة سهلة لزحف الأبنية البرجية، وهو عين ما تابعه المؤلّف في الأحياء الأخرى من مثل بحسيتا وباب الفرج وغيرهما.ومن التاريخ يستحضر المؤلّف حكاية «زقاق الزهراوي» المعروف بدرب «البازيار» نسبة إلى أحمد بن نصر بن حسين البازيار المتوفي سنة 352 هـ ـ 963م
وكان من حاشية سيف الدولة الحمداني، وكان الدرب مليئاً بالمدارس والخانقاوات مثل: المدرسة البدرية في زمن الأيوبيين والمدرسة الرواحية نسبة إلى ابن رواحة 622 ه، وخانقاه الشمسية وغير ذلك. ويؤكد المؤلّف أن الزائر لزقاق الزهراوي لا بدّ أن يعرف أنه يسير في درب «البازيار» حيث سكن خليفتان أمويان وأن عمره يعود إلى ألف سنة ونيّف، وأن الورشات الكثيرة العاملة فيه والتي تصدّر ما تنتجه من ألبسة جاهزة بالدرجة الأولى محليا وعربياً ودوليا لن تغير من اسمه التاريخي العريق.
ومن الأحياء العديدة التي وصفها المؤلّف، يمكننا التوقّف عند حي «البندرة»، والبندرة كما ذكر العلامة خير الدين الأسدي، مستقاة من كلمة «بندر» الفارسية بمعنى السوق، ثمّ ألحقوا بها تاء التأنيث لتعني الحارة، وهو حيّ من أحياء حلب القديمة والكبيرة داخل الأسواق، ويمتدّ من «باب النصر» شرقاً حتى «باب الفرج» غرباً، ويحاذي خندق المدينة، وقد عرف بدوره الجميلة التي سكنها التجار والأعيان.
أما حيّ البياضة (بتخفيف الياء)، فهو من الأحياء الواسعة، وكان بجانب السوق القديم قبل أن تتوسّع حلب ويبنى سور آخر لها، ليصبح الحي داخل الأسوار، ويقع شمالي شرقي القلعة، ويذكر المؤلّف أن سبب هذه التسمية يعود إلى أرضية الحي، وكانت من الحوّار الكلسي الأبيض. ومن طريف ما يذكره المؤلّف في صدد العلاقات الاجتماعية لسكان هذه الأحياء، أن الحلبيين،
وإلى وقت قريب جداً كانوا شديدي التعلّق بمدينتهم وأحيائهم، بل وحاراتهم، ولا غرابة في ذلك لأنهم يعرفون بعضهم بعضاً منذ عقود طويلة من السنين، وهم أقرباء بعضهم البعض، حتى إن الغريب عن الحيّ سرعان ما يصبح قريباً عن طريق الإقامة الطويلة والمصاهرة وغير ذلك.
ويعزو المؤلّف أن هذا التعلّق بالحيّ، ناجم عن الملكية المتوارثة للدور، أو تلك التي بنوها بأنفسهم، حيث الدار الواحدة تضمّ العائلة الكبيرة المؤلفة من الجد والجدة والأولاد والأحفاد لتشكّل في النهاية أربعة أجيال وعمر الجيل عشرون عاماً.
ومن القصص التي يوردها المؤلّف عن الأحياء والدروب، قصّة «درب البنات» الذي قرأ عنه ذات مرة فتبيّن له أنه من دروب حلب المعروفة في القرن الثالث الهجري، وهو ما زال موجوداً ويسكن الناس دوره ويسيرون في منعطفاته، ويصلّون في جوامعه،
ولكنهم مع ذلك لا يعرفون اسمه القديم، بعدما أطلقوا عليه تسمية جديدة هي «بوّابة خان القصب» لأن الخان مركز تجاري له أثره في حياتهم، فطغى على الاسم التاريخي درب البنات، وهو في الأصل كان يفضي إلى قصر كبير يعرف بأم ولد اسمها «بنات» كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك الهاشمي، فعرف الدرب باسمها.ودرب البنات كما يذكر المؤلّف، هو أحد أقسام حي الجلّوم العريق، لا يزال قائماً ويلاصق مبنى البيمارستان الأرغوني من شماليه، وهو زقاق غير نافذ،
ولا يزال على حاله القديم بتعرّجاته ومنعطفاته ودوره الجميلة، ويورد حكاية إضافية أوردها المؤرّخ ابن شدّاد أن خانقاها للنساء أنشأتها فيه زمرد خاتون وأختها ابنتا حسام الدين لاجين وأمهما أخت صلاح الدين الأيوبي، وقد دثر، إلاّ أن مسجد بني سنقر كما تذكره المصادر لا يزال موجوداً إلى اليوم، وإن كان المصلّون لا يعرفون اسمه فهم يعرفونه باسم محلّتهم فقط، وإلى ذلك سيذكر المؤلّف المزيد من التفاصيل عن هذا الدرّب،
ومن ذلك أن الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين الأيوبي اهتمّ بإيصال قناة مياه إلى الدرب المذكور عبر باب قنسرين. أما حي «الشرعسوس» أو «الجديدة» كما يسمى اليوم، فهو من الأحياء القديمة التي بنيت خارج الأسوار سكنه المسلمون والمسيحيون، ثمّ بنيت في وسطه كنيسة جميلة على اسم القديس جرجس، وقد ساهم هذا الحيّ في النهضة التعليمية الأولى في مدينة حلب،
فقد كان إلى جانب الكنيسة مدرسة لتعليم العلوم العصرية واللغات، وتؤهّل الطلبة إلى المدارس العالية، وإلى ذلك يذكر المؤلّف أن هذا الحيّ عرف بتقاليد رائعة لا يزال سكانه يذكرونها، حيث كانوا يتعاونون جميعاً على تنظيف حيّهم ويعمدون إلى غسل بلاط الشارع كلّ يوم سبت، ويتزاورون فقيرهم وغنيهم في اليوم التالي.
وعلى غرار أحياء حلب الأخرى كان لهذا الحيّ بابان كبيران، أحدهما في الشمال والآخر في الجنوب يغلقان مساء، فيصبح الحي داراً واحدة وعائلة واحدة، وخصوصاً بعدما عاثت الحامية الانكشارية فساداً في حلب نتيجة لتأخر رواتبهم.
وحي «الجديدة» في مركز المدينة ومازال بحالته المعمارية القديمة ومحافظاً على نسيجه العمراني بدوره وأزقته وبواباته وملاقف الهواء ـ بادنج/بارجيل ـ على أسطحته، والحواجز القرميدية الجميلة بين السطوح المانعة للرؤيا، ولكنها لا تمنع الشمس والهواء، كما بقي بلاط الشارع أيضاً، وآثار الأبواب التي كانت تغلق، كما بقي للحي هدوؤه الرائع وملاعب الأطفال بعيداً عن زحام الحركة المرورية.
عزت عمر
الكتاب: أحياء حلب القديمة/ تناغم
الذاكرة والحجر والإنسان
الناشر: شعاع للنشر والعلوم حلب 2005
الصفحات: 207 صفحات من القطع الكبير
