يتناول السياسي السوداني الكبير الصادق المهدي في هذا الكتاب عدداً من القضايا هي: هل النيل واصل ام فاصل بين دولة. الطلب والعرض فيما يتعلق بمياهه. بيئته القانونية، والإطار القانوني له، وجغرافيته السياسية، العلاقات بين مصر والسودان

ويقدم الصادق المهدي كتابه بـ « ثمرة دراسته للمسألة واستقصائه لوسائل حلها، وهو موجه للمسؤولين في حوض النيل، وللرأي العام فيه! للتحول من ذهنية الشك والترصد والامتثال لحتمية الصدام إلى ذهنية الوصال الاستراتيجي» وهذا التحول ممكن التحقيق اذا توافرت النقاط الآتية:

1 ـ كان النيل في تاريخه الطويل شأنا مصريا. ثم صار منذ عهد قريب شأنا مصريا سودانيا. وان علينا الآن ان ندرك ان عوامل الاحتياج للمياه في دول منابع النيل، وضرورات تنمية موارد النيل، وحماية البيئة، توجب التحول إلى موقف يصبح معه النيل شأنا حوضياً.

2 ـ مسألة المياه تُبحث الآن في إطار جامد استاتيكي، وفي هذا الإطار تبدو مسألة مياه النيل مستقصية لأنها تتعلق بإيجاد حصص لدول في مياه قسمت على غيرها. ولكن المسألة تبدو قابلة للحل في إطار متحرك ديناميكي. إطار يفترض ان التعاون بين دول حوض النيل سوف يزيد من دفق مياه النيل ويحمي نقاءها.

3 ـ يخيم على كثير من الأذهان ان اي تعديل في حصص مياه النيل لصالح دول المنابع سوف يكون حتما على حساب حقوق مصر والسودان المكتسبة، هذه المعادلة الصفرية ينبغي تجاوزها لتحل محلها نظرة ايجابية : توقع ان يخلق التخصيص مناخا تعاونيا وجهدا تعاونيا يعود بالفائدة على كل الأطراف.

4 ـ الماء سلعة اقتصادية، والحرص على توافر العرض وترشيد الطلب للمياه اوجب توحيد الأجهزة المعنية بالموارد المائية في كل قطر من الأقطار لرفع كفاءة العرض ولضبط الطلب.. ان نقل الماء من سلعة طبيعية كالهواء إلى سلعة اقتصادية نادرة واجب وطني وإقليمي ودولي.

5 ـ حوض النهر يفرض على الدول المتشاطئة عليه اعتباره وحدة مائية، واعتبار إدارة موارده شأنا مشتركا بينها. وان التأمل الصحيح مع الوحدة المائية هو الإدارة المشتركة.

6 ـ دولة المصب الأكثر تقدما من حيث التنمية الاقتصادية والبشرية ينبغي ألا تتعامل مع دول الحوض الأخرى كأي دولة أخرى، بل ينبغي ان تتعامل معها بخصوصية في مجال دعم التنمية وتنمية مواردها البشرية، وزيادة التبادل التجاري، وإقامة علاقات ثقافية وإعلامية قومية، وتوثيق العلاقات على المستوى الرسمي والشعبي، لكي ينمو إحساس ايجابي بين دول حوض النيل.

7 ـ ان في شمال حوض النيل ثلاث حلقات انتماء هي :

الحلقة العربية ـ والحلقة الإسلامية ـ والحلقة الإفريقية. الحلقتان الأوليان لهما أهمية في النظام العربي والقومي والثقافي. الحلقة الثالثة الإفريقية ـ لها أهمية حياتية. التطور السياسي في التاريخ الحديث جعل الحلقة الافريقية مهمشة في السودان وفي مصر بصورة اكبر. هذا التهميش لعلاقة حياتية لا يتناسب مع مصالح السودان ومصر، انه تهميش يعود بالضرر الفادح على مصالح دولتي وشعبي وادي النيل. والمطلوب بإلحاح في مصر والسودان مراجعة الأولويات لإعطاء الحلقة الافريقية اهتماماً أكبر.

8 ـ النيل وأحواض الأنهار الدولية صارت محل اهتمام دولي كبير من حيث إحصاء المعلومات عنها ، وتوفير المال والتقنية لتطويرها، وتشريع الأحكام للعدل في توزيع مواردها، وإيجاد وسائل عادلة لفض المنازعات فيها.

9 ـ على القيادات السياسية العليا في دول حوض النيل ان تمارس اجتهادا سياسياً لإيجاد حل شامل لمسألة مياه النيل يتناسب مع كفاءة المسائل الفنية المتعلقة بحوض النيل، ومن هنا فان السقف السياسي لابد من ان يشمله الخيال والاجتهاد حتى يكون هنا حلاً تنمويا شاملا لدول حوض النيل.

في الفصل الأول من هذا الكتاب «النيل واصل ام فاصل » يبين لنا المهدي ان حوض النيل يمكن ان يكون الواصل بين شطري إفريقيا شمال الصحراء وجنوب الصحراء. بل يمكنه ان يصير حلقة وصل حضاري بين ثقافات وحضارات شطري القارة كما يمكن لحوض النيل ان يكون بؤرة نزاعات تنفجر، فيصبح فاصلاً بين شطري القارة ومسرح صدام بين حضاراتها وثقافاتها وشعوبها.

الفصل الثاني : يتناول مياه النيل : مسألة الطلب . يتطرق هذا الفصل لأسباب تزايد الطلب على مياه النيل، حيث بلغ الطلب 3,49 مليار متر مكعب زيادة على حجم دفق النيل الحالي. ولمواجهة هذا الطلب لا سبيل الا ترشيد استخدام الموارد المائية وكذلك العمل على زيادتها.

الفصل الثالث: يتناول مياه النيل : مسألة العرض. وهناك ثلاث وسائل لزيادة العرض هي الأولى: تدوير المياه المستعملة من مياه الصرف الصحي، والزراعي، والصناعي. الثانية: استخدام موارد مائية غير نهرية كالمياه الجوفية. الثالثة: زيادة دفق مياه النيل واذا توافرت شروط معينة فيمكن أن يزيد العرض بنسبة 80% فيغطي حاجة دول الحوض في الحاضر والمستقبل المرئي.

الفصل الرابع: يتناول هذا الفصل تدهور البيئة الطبيعية من جفاف وتصحر وتلوث وأمراض محمولة مائياً ، ويحدد السياسات والبرامج المطلوبة لإنقاذ بيئة حوض النيل الطبيعية بعد ذلك ينتقل الصادق المهدي إلى الفصل الخامس:

وعن الإطار القانوني لمياه النيل يطرح الوضع القانوني المطبق الآن بين دول حوض النيل للتشارك في المياه ونسبة كل دولة منها،

وكذلك تسلسل تلك القوانين المنظمة من 1891 حين جرى توقيع بروتوكول بين بريطانيا ممثلة لمصر وايطاليا ممثلة لاثيوبيا، وكذلك اتفاقية 1929 بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية ممثلة للسودان وأوغندا وكينيا وتنزانيا حيث تضمنت النص الآتي :

«ألا تقام بغير اتفاق مسبق مع الحكومة المصرية أعمال ري أو توليد كهرباء، ولا تتخذ على النيل وفروعه أو على الخيران التي تتكون منها الفروع، سواء في السودان، أو في الدول الأخرى الواقعة تحت الإدارة البريطانية، أعمال يكون من شأنها إنقاص المقدار الذي يصل إلى مصر أو تعديل مواقيت وصوله أو إنقاص منسوبه» كما يطرح الباحث تطور القانون الدولي بالنسبة للأنهار وكيفية الاستفادة منه في التعاون بين دول حوض النيل.

والفصل السادس: وهو عن حوض النيل في سياق الجغرافيا السياسية ومنها يحلل الكاتب الاضطرابات الحالية في دول الحوض وينتهي إلى ان هذه الاضطرابات يمكنها ان تشد إليها نزاعات المناطق المجاورة في الشرق الأوسط والخليج وأواسط افريقيا، بل تجوب إليها مخططات الحرب الباردة الجديدة ولكن إذا توافرت الإدارة السياسية والتدبير المحكم فإن منطقة حوض النيل يمكن ان تنجوا من ذلك.

وأخيراً يقترح المهدي معاهدة ملزمة لدول حوض النيل تفتح باب التعاون بينها وتحقق رابطة واعدة فيها الخير والرخاء لدول حوض النيل على ان تكون علاقة مصر بالسودان داخل علاقة حوض النيل وليست علاقة محور في مواجهة باقي الدول

.

أمين اسكندر

الكتاب : مياه النيل ـ الوعد والوعيد

الناشر: مركز الأهرام ـ القاهرة 2005

الصفحات : 179 صفحة من القطع الكبير