عبد القادر فيدوح مؤلف هذا الكتاب: «نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية» باحث وأستاذ جامعي جزائري. ولد في بلدة معسكر 1948 م، يحمل الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، ويعمل حالياً في جامعة البحرين. شارك في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية، وله مؤلفات منشورة أهمها «الجمالية في الفكر العربي» و«القيم الفكرية والجمالية في شعر طرفة بن العبد» و«شعرية القص» و«الرؤيا والتأويل» و«دلالية النص الأدبي» و«الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي».
يشتمل كتابه الجديد هذا على مقدمة وخمسة فصول ومسرد بأهم المصادر والمراجع. يشير الباحث في المقدمة إلى أن التأويل في اصطلاحه التقليدي ـ يهدف إلى فهم حقيقة النص أما في الفلسفة الحديثة فهو يُعنى بما وراء المنتج النّصي. فهو في التراث التوقيفي قائم على تعزيز مقولة: «لا اجتهاد مقابل النص، باعتماد التفسير بالمأثور»، في حين هو في الفكر الفلسفي يضع المعرفة في حقيقتها موضع السؤال المستمر.
والفارق بينها يكمن في أن أطروحات التأويل عند علماء الكلام ترتكز على مفهوم الألوهية، وما يتبعها من وجوب المعرفة بالأدلة الشرعية، بينما تكمن مباحث النظر التأويلي الحديث في استقصاء العقل باستقراء النص. ومن هنا يرى الباحث أن المقوم الشرعي والترجيح العقلي هما الوسيلتان الضروريتان لحقيقة التأويل الفلسفي، الأمر الذي سوغ له الخوض في هذه المغامرة لمعرفة مساحة النص في حدود التأويل، على ضوء العنوان الذي رسمه لهذا الكتاب: «نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية».
في الفصل الأول وتحت عنوان: «جذور فلسفة التأويل» يتوقف الباحث عند التأويل وحوار التراث، والتأويل بالمأثور، والتفسير بالرأي، ثم يشير إلى أول تجربة في التأويل، سواء من خلال جذوره التاريخية، أم من حيث ارتباطه بالتفسير بالمأثور الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمفضي إلى الفهم والإفهام بغرض الوصول إلى مقاصد الحقيقة الشرعية.
ويبّين هنا اختلاط مصطلح التفسير بالتأويل عند أهل الحديث، واتفاقهم في استعمالهما من حيث المعنى المؤدي إلى تفسير القرآن، وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالفه. ويخلص إلى أن مباحث علوم القرآن اجتمعت على أن التفسير والتأويل واحد بحسب عرف الاستعمال، من منظور أن التأويل كلمة ظهرت إلى جانب التفسير في بحوث القرآن عند جميع المفسرين، واعتبروها متفقة بصورة جوهرية مع كلمة التفسير في المعنى، وكأن الكلمتين معاً تدلان على بيان معنى اللفظ والكشف عنه.
ثم ينتقل الباحث إلى مناقشة التأويل بالنظائر والتأويل بالحديث، والتأويل بالمقتضى وصولاً إلى التفسير بالرأي،، حيث يقول ما معناه إن التأويل لا يكون إلاّ مع مطابقته للحقيقة الشرعية من أهل التمحيص واليقين المعرفي، وليس ممن يشتبه فيهم من ذوي النظر الضعيف بما تقتضيه أمزجتهم أو بما يقتضونه لظاهر النص.
في الفصل الثاني يتوقف الباحث عند «التأويل في الفكر الشيعي» فيرى أن الشيعة ـ خلاف السنة ـ كانت أول من تطرق إلى باب التكلم بالتأويل بالاستناد إلى التفكير العقلي المحض، فالعقل الشيعي كان يقوم على الاستدلال خلافاً للسنة الذين كانوا يعتمدون الرواية، ومن هنا ـ على حد تعبير المؤلف ـ كان للشيعة الفضل في إثراء الأفكار العقلية للجانب الروحي في الإسلام.
ويشير الباحث إلى أن الحديث عن سياق التأويل في نظر الشيعة يقود إلى التباين الواضح والاختلاف في الرأي بين فرقها المتعددة، وإلى أنه حاول ما أمكن إنصاف الشيعة الأمامية الاثني عشرية، لما لها من تقارب في الطرح مع المعتزلة والأشاعرة،
أما بقية الفرق الغالية المنسوبة إلى الشيعة الإمامية فإنها شطت في آرائها بالمبالغة في التأويل من دون دلالة مطابقة، وهو ما يفيد إسناد الرأي بلا دليل صحيح، مما يعني أن التأويل الذي تتبناه بعض النزعات الباطنية هو التأويل المجازي في علاقته الملازمة مع التصور الذاتي، على خلاف الحكم بالنص عند أهل الحديث الذين توقفوا عند حدود الرواية على نحو ما ورد في الأثر.
في الفصل الثالث يناقش الباحث «التأويل بين النقل والعقل»، والتأويل البياني والجدل الكلامي. ويرى أن معظم الدراسات ركزت على أن التيار السلفي لم يستعمل التأويل باطنيا في تأييد أطروحاته، بقدر ما كان هذا الاستعمال حاصلاً بالوضع عن طريق الاستدلال، وبهذا كفّر كل من تصور أمراً بغير قرينة نصّية، أو فسّر آية إلى تصور آخر بالتأويل كما عند المتكلمين.
ومن هنا ـ على حد تعبير الباحث ـ كانت تأويلاته تتسم بالبساطة وتتصف بالثبات والمحدودية، بغرض إعطاء إمكانية توافق النص مع الواقع، وهي إمكانية تحيل المسلم إلى التصديق بأن النص لا يقول إلاّ حقاً، على أساس من التطابق بين التصديق والتسليم.
أما آراء الأشعرية الكلامية فقد كانت قائمة على الجمع بين العقل والإيمان، فشقت طريقاً وسطاً بين هذين الطريقين، جاهدة في تعيين الميدان الخاص بالعقل والميدان الخاص بالإيمان. وكان أهم ما ركزت عليه الأشعرية مسألة إثبات صفات الله تعالى المختصة به، التي تميزه عن مخلوقاته، أو هي معان زائدة على الذات، لازمة لها، ومعنى ذلك أنها قديمة بقدمها،
وفي إثبات هذه الصفات ما يشير إلى تجاوزهم الإيمان المطلق، واعتبار التأويل جزءاً من إمكان معرفة الله بالعقل، أملاً في التوصل إلى حل مقنع يتماشى مع توحيد الذات، وتوحيد الأفعال لذاته جلّ وعلا، معتبرين إن صفاته مغايرة لذاته، وأنها جميعاً قديمة مثل ذاته العلية، أي أن ما كان صفة له عزّ وجلّ لا يكون إلا قديماً، وكل من تجاوز هذا إلى تأويل آخر فهو مُعطٍّل.
ويخلص الباحث في هذا الفصل إلى أن التأويل في سياق المدارس الكلامية ينحصر في وجوب الاستدلال على الله ـ جلّ شأنه ـ بالنقل والعقل معاً، على قدر من التفاوت بين من يجعل العقل ضرورة للتسليم إلى النص، أو في استقلاليته المطلقة، أو من اعتبر العدول عن الحقيقة إلى التأويل، من غير دليل صحيح وحجة قطعية، مجرد افتراء، لأنه مدعاة للظن.
في الفصل الرابع وتحت عنوان «التأويل وتحصيل البرهان» يرى الباحث أن الطابع التبريري الغالب على ظاهرة التأويل في الفكر الفلسفي العربي الإسلامي يجعلنا في لجة إشكالية التوفيق بين الشريعة والحكمة، وهي الإشكالية التي احتلت حيزاً معتبراً في موروثنا المعرفي، وكان ابن رشد خير معبر عنها حين انتصر لمفهوم التأويل بالبرهان على حساب التأويل بالرواية.
ومن هنا أخذ الفلاسفة يعملون عقولهم في محاولة ربط الفكر الديني بالفكر الفلسفي، بما تقوم به الأدلة على صحة هذا الربط، الذي لا يكون إلاّ بالتأويل من حيث هو نظر في النص بالعقل، سواء نظر إليه في اتجاهه الصحيح، أم في اتجاه المغامرة بالظن، وفي كلتا الحالتين، على حد تعبير الباحث ـ يمكّن المؤول من شحذ ملكة العقل، وإعادة الاعتبار للاستنباط، الذي أيقظ دعاة اليقين بالنقل، إلى التفكير والتدبّر في الأمر، وإثبات العلاقة بين العلة والمعلول بالبرهان.
والسير في هذا الاتجاه من لوازم قبول التوفيق بين النقل والعقل، وما نتج عنهما من تأويل بحسب مفهوم «مقاصد الشريعة» الذي طوره فقهاء المالكية، وعلى رأسهم ابن رشد.
ولما كان التأويل، كما يرى الباحث ـ حصيلة خالصة من قوة الحصيف، فإنه لا مجال للشك في أن الدعائم التأويلية مقرونة بالعقائد الدينية ـ في نظر ابن رشد بخاصة ـ وليس التأويل الفلسفي إلاّ ثمرة من ثمار التأويل الديني، وأن التأويل الصحيح ليس إلاّ اجتهاداً قائماً على استخدام العقل، بتشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطاً،
وهذا لن يتأتى في نظر ابن رشد ومن تبعه إلا للعلماء الحقيقيين لأنهم أعرف الناس بمقاصد الشريعة، وأقربهم وسيلة إلى الإصلاح الديني، من حيث لا غنى لأحدهما عن الآخر، لذا كان ضرورة الأخذ بالتأويل ـ لدى الخاصة ـ على قدر ما تسعه عقولهم، في مقابل ما تناله جميع الأفهام التي تعتبر التأويل من قبيل المعاني المرادة باللفظ. أما واقع الأمر في المنظور الفكري فهو ما استأثر الفلاسفة بعلمهم لبيان المعنى المشكّل بالاستنباط والنظر.
في الفصل الخامس والأخير يتوقف الباحث تحت عنوان » المعراج الصوفي والتأويل الذوقي» عند مفهوم التأويل لدى المتصوفة فيناقش في المبحث الأول مفهوم الكشف والمشاهدة، ورحلة الكشف، وفي المبحث الثاني يناقش مفهوم الجمال ووحدة الوجود.
وهو يرى أن المتصوفة خارج طبقات الفكر الإسلامي بشأن التأويل الفكري، لأنهم ينأون بأنفسهم عن العقل والنقل معاً، ويعتمدون في حلتهم المعرفية على البصيرة، لا على الفهم، منطلقين من أهمية الإنسان الكامل في الوجود، بوصفه خليفة الله، وموضع نظر الحق. ويتتبع الباحث التأويل ـ في منظور المتصوفة ـ بالمعرفة الإشراقية،
وبفعل مكابدة النفس، وتصفية الباطن بما يشرق على قلب الصوفي، الذي يؤول الأشياء في إدراكها تأويلاً ذوقياً قاصداً بذلك تصفية النفس وتحصيل المعرفة المؤدية إلى الذات الإلهية. وعبر تتبعه للتأويل عند المتصوفة يستفيض الباحث في مناقشة مراتب الجمال والكمال، وجوهر كل منهما، وتجلياتهما في الفكر الصوفي.
نذير جعفر
الكتاب: نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية
الناشر: الأوائل للنشر والتوزيع دمشق 2005
الصفحات: 216 صفحة من القطع المتوسط
