مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والصحافي الإنجليزي جون جيتينكز المختص بالشؤون الصينية، وهو هنا يقدم كتاباً مهماً عن أوضاع الصين المالية والتغيرات التي طرأت عليها منذ موت ماوتسي تونغ، وحتى اليوم، ومعلوم أن الصين انتقلت من عهد إلى عهد بعد موت الزعيم الشيوعي الكبير ماوتسي تونغ عام 1976.

وكان هذا القائد الشهير قد أسس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 بعد أن انتصر على قوات شيانغ كاي شيك. نلاحظ أن المؤلف يقدم لمحة تاريخية مفصلة عن حياة الصين طيلة نصف القرن المنصرم: أي منذ أن كان ماوتسي تونغ قد استولى على السلطة، وحتى سقوط خطه الايديولوجي وحلول الخط الرأسمالي محله. ويطرح المؤلف هنا أسئلة مهمة من النوع التالي: إلى أين تسير الصين في القرن الحادي والعشرين؟

هل يمكن لحزبها الشيوعي أن يستمر على قيد الحياة بعد كل التحولات الرأسمالية التي تصيبها؟ هل ستتعاون الصين والولايات المتحدة أم ستتنافسان بضراوة في المستقبل القريب؟ هل ستصبح الصين القوة العظمى الأولى في العالم بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟ من الواضح أن هذه الأسئلة تهم العالم كله وليس فقط الشعب الصيني، ويتفق المراقبون على القول بأن الصين سوف تصبح عام 2020،

أي بعد خمسة عشر عاماً، الدولة العظمى الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، وسوف تصبح الدولة العظمى الأولى حوالي عام 2040 ـ 2050. وهذا يعني أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الصين وآسيا عموماً، مثلما كان القرن التاسع عشر قرن ألمانيا والقرن العشرون قرن أميركا.

هكذا نلاحظ أن دورة التاريخ مستمرة وأن العظمة الإمبراطورية لا تدوم لأحد. فقد تعاقبت على تاريخ العالم إمبراطوريات مختلفة: كالإمبراطورية البيزنطية، والإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية العربية الإسلامية، والإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية الانجليزية، والإمبراطورية الاسبانية، الخ.

والآن نحن نعيش في ظل الإمبراطورية الأميركية. ولكننا غداً أو بعد غد سوف نعيش في ظل الامبراطورية الصينية. ففي عام 2020 سوف يصبح عدد سكان الصين حوالي المليار ونصف المليار شخص. وسوف يقوى اقتصادها إلى درجة تضاهي اقتصادات الدول الأوروبية الكبرى.

وسوف تصبح سيطرتها على التكنولوجيا المدنية والعسكرية كبيرة جدا. بل انها أصبحت ترسل المركبات الصناعية إلى الفضاء.

ولكن لا ينبغي ان ننسى الهند! فالصين ليست وحدها الدولة الصاعدة في آسيا، وانما الهند أيضاً.

فهذه الأخيرة تحقق نجاحات كبيرة في عدة مجالات الآن. صحيح ان الصين أصبحت حالياً «مشغل العالم» كما يقال: أي المحترف الذي يقدم للعالم المصنوعات من كل الأنواع والأصناف. وأصبحت الأسواق الأوروبية والعالمية مليئة بالسلع والمنسوجات والألبسة الصينية الرخيصة السعر. ولكن الهند تحقق قفزات هائلة في مجال الصناعة والزراعة والتكنولوجيا المتقدمة.

وهي الآن اكبر بلد في العالم لانتاج الحاسبات الالكترونية. كما أن عدد سكانها يقارب عدد سكان جارتها الصين. فهي ايضا تحاذي المليار والثلاثمئة مليون نسمة عام 2020. وبالتالي فالقرن الحادي والعشرون سوف يكون آسيوياً بالمعنى الواسع للكلمة وليس فقط صينيا. وربما حصلت منافسة بين هاتين القوتين الضخمتين جداً في آسيا. ويتوقع أن تلعب الولايات المتحدة على وتر تنافسهما لكي تضعف الصين فلا تأكلها!..

ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه: كان ماوتسي تونغ قد اطلق صرخته المشهورة عام 1962 أمام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي قائلا: أيها الرفاق، لا تنسوا صراع الطبقات! ولكن شتان ما بين اليوم والبارحة! فالواقع ان الرفاق نسوا صراع الطبقات كليا واصبحوا رأسماليين على الرغم من ان الحزب الشيوعي لا يزال مسيطراً على البلاد من الناحية السياسية.

فإلى متى سيظل هذا التناقض بين الاقتصاد والسياسة؟ ألن تؤدي رأسمالية الاقتصاد الصيني إلى انهاء الحزب الشيوعي يوماً ما واحلال النظام الديمقراطي الليبرالي المتعدد الأحزاب والصحف على الطريقة الغربية محله؟ هذا هو السؤال الكبير المطروح على الصين في السنوات المقبلة. وهناك سؤال آخر يمشي في نفس الاتجاه ويقول: هل يمكن لبلد ما أن يكون رأسمالياً من الناحية الاقتصادية وشيوعيا توتاليتاريا من الناحية السياسية؟

هذا هو السؤال الذي يشغل الدوائر العالمية كلها ويقض مضاجع القادة الصينيين ربما.. مهما يكن من أمر فإن القادة الصينيين الذين جاؤوا بعد عام 1978 ساروا في اتجاه مضاد لاتجاه الزعيم الأوحد ماوتسي تونغ.

ولولا ذلك لما استطاعوا في ظرف عشرين سنة فقط ان يجعلوا من الصين قوة اقتصادية يحسب لها ألف حساب، لولا ذلك لما استطاعوا إخراجها من الفقر والاقتصاد الموجه الفاشل الذي تتحكم به الدولة كلياً..

معلوم ان دينغ هيسياوبنغ هو المسؤول عن هذا التحول الرأسمالي الذي طرأ على الصين. ولذلك اعتبره الكثيرون بمثابة خائن لفكر ماوتسي تونغ والواقع انه انعطف بالاقتصاد الصيني مئة وثمانين درجة عندما فتحه على الغرب والرأسمالية..

ثم يردف المؤلف قائلا: والواقع ان خليفة ماوتسي تونغ كان قد أظهر احتقاره للأيديولوجيا الشيوعية حتى قبل موت الزعيم الخالد بكثير فمنذ عام 1966 كان قد أطلق عبارته الشهيرة، لا يهم فيما اذا كانت القطة صفراء أم سوداء المهم ان تصطاد الفئران! وهذا يعني انه لا يهم فيما اذا كانت الصين اشتراكية أم رأسمالية المهم ان تنجح اقتصادياً وتصبح غنية كاليابان أو كأميركا أو كأوروبا الغربية، فالايديولوجيا لا تطعم خبزا!

على هذا النحو سارت القيادة الصينية الجديدة في خط التحديث الرأسمالي المضاد لكل تيار ماوتسي تونغ ولكل السيرة السابقة التي استمرت ربع قرن أو أكثر والواقع ان الصين كانت قد ملت من الشعارات الإيديولوجية والخطط الخماسية الاشتراكية التي لم تنتج الا الفقر والتخلف والجوع والفشل.

على هذا النحو تخلت الصين عن الايديولوجيا المادية التي لا تحكم الا بالثورة الدائمة والفوضى الأكثر دواماً، ولكن القيادة الجديدة لم تعلن مقاصدها صراحة خوفاً من إغضاب الثوريين والايديولوجيين الماركسيين ـ اللينينيين العتاة! ولذلك فإنها راحت تتحدث عن ضرورة إجراء إصلاحات على البلاد.

وأصبحت كلمة التحديث، أي التحديث الصيني هي شعارها الأول. والواقع ان الشعب الصيني كان قد تعب من مغامرات ماوتسي تونغ وثورته الثقافية التي لا تنتهي الا لكي تبدأ من جديد ! كان قد تعب من تلك النزعة الثورية الراديكالية التي تريد ان تمحو تاريخ الصيني القديم محواً كاملاً وتبدأ من نقطة الصفر! يحصل ذلك كما لو أن تاريخ الصين ابتدأ مع ماوتسي تونغ وان كل ما وجد قبله لاغ ولا معنى له لانه رجعي متخلف اقطاعي.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولكننا نلاحظ الآن ان الصين تعود إلى قيمها التراثية التقليدية المتمثلة أساسا بالعقيدة الكونفوشيوسية، وهكذا انتقم كونفوشيوس الذي ظهر قبل الفين وخمسمائة سنة من ماوتسي تونغ وراح يحل محله تدريجيا.

وعلى هذا النحو طوت الصين صفحة الماضي القريب لكي تعود إلى الماضي البعيد ولكي تعيد الصلة بالحاضر الرأسمالي للغرب في آن معاً والآن اصبحت الكونفوشيوسية تنافس الماركسية في الصين بل وتتغلب عليها.

بالطبع فان هذا التحول لن يكتمل قبل ان تحصل عملية دمقرطة للحياة السياسية عن طريق إنهاء هيمنة الحزب الشيوعي الصيني عليها.

وهنا يكمن أكبر تحد يواجه الصين في السنوات المقبلة. فإذا كانت الصين قد نجحت في عملية التحول الاقتصادي بشكل باهر إلا انها لم تنجح حتى الآن في عملية التحول السياسي.

ولايزال الغرب يلاحقها على مسألة الليبرالية والديمقراطية وحقوق الانسان.

نقول ذلك وبخاصة ان سحق ربيع بكين في ساحة تينامين عام 1989 أغضب العالم الأوروبي والأميركي كله. ومعلوم ان الطلاب الصينيين تظاهروا آنذاك مطالبين بالانفتاح السياسي والديمقراطي، ولكن الحزب الشيوعي أرسل لهم المدرعات والمدافع لكي يقضي على تمردهم. وقد أساء هذا الحدث إلى سمعة الصين كثيراً ولايزال.

وأما على المستوى الاستراتيجي الخاص بالسياسة العالمية فيقول المؤلف بما معناه: ان مصير القارة الآسيوية يقرره الصراع الجاري بين القوى العظمى التالية: الصين، الهند، اليابان، الولايات المتحدة الأميركية.

ومن الواضح ان الولايات المتحدة سوف تستغل الحساسيات التاريخية الكامنة بين الصين والهند أو الصين واليابان لكي تحجم القوة الصينية الصاعدة. وربما استخدمت تايوان ايضا لهذا الغرض، بل انها تستخدمها منذ الآن، ومعلوم ان الصين تطالب بضمها إليها، واذا ما حاولت ان تفعل ذلك عن طريق القوة المسلحة فربما حصلت حرب عالمية بين الصين وأميركا. ولكن هذا شيء غير متوقع.

يضاف إلى ذلك ان الصين تحتاج إلى الطاقة، وبخاصة الغاز والبترول، أكثر فأكثر بسبب انخراطها في سياسة التصنيع الثقيل وتحديث البنى التحتية للبلاد على كافة الأصعدة والمستويات. وهذا يعني انها ستحاول الاقتراب من منطقة الخليج العربي يوماً ما لإشباع حاجياتها من النفط ومشتقاته. وعندئذ قد يحصل صدام بينها وبين الولايات المتحدة.

ولكن السياسة الصينية تبدو حذرة جدا حتى الآن وتجامل أميركا كثيرا لأنها تعرف أنها غير قادرة على مواجهتها حتى الآن. فالقادة الصينيون يفهمون العالم وليسوا متهورين على طريقة ابن لادن أو صدام حسين أو بقية الجهلة. فهم لن يناطحوا أميركا الا بعد ان يشتد ساعدهم وتقوى بلادهم على كافة الأصعدة والمستويات وبخاصة على الصعيد التكنولوجي والعسكري. عندئذ قد يفكرون في مواجهة أميركا، أما قبل ذلك فلا. وهنا يكمن بعد نظر القيادة الصينية وحكمتها وتخطيطها الاستراتيجي للأمور. فأنت لا تستطيع ان تتحدى عدداً ضخماً قبل ان تستكمل كل الوسائل المتاحة لذلك.

الكتاب: وجه الصين يتغير من ماوتسي

تونغ إلى رأسمالية السوق

الناشر: مطبوعات جامعة اكسفورد 2005

الصفحات: 384 صفحة من القطع المتوسط

THE CHANGING FACE OF CHINA

FROM MAO TO MARKET

JOHN GITTINGS

OXFORO UNIVERSITY PRESS 2005

P. 384