هذا كتاب جماعي يشترك فيه أكثر من عشرين باحثاً وأديباً وفناناً واستاذاً جامعياً للبحث في «ثقافات العالم» من حيث «مكوناتها وممارستها».. وهذا الموضوع يتماشى تماماً مع المؤسسة التي كانت وراء اصداء الكتاب وهي «بيت ثقافات العالم» في باريس الذي يجهد منذ حوالي ربع قرن كي يكون صلة وصل وتعريف بثقافات العالم ومحاولة تحليل الآليات التي تحكم علاقاتها فيما بينها.

«ماذا تأكلون في وجبة الإفطار؟» بهذا السؤال يبدأ «شريف خزندار» المشرف على بيت ثقافات العالم بباريس حديثه في الثقافة.. إنه يعود بذاكرته الى ذكرى قديمة عاشها في سنوات الخمسينات.. عندما كان يعيش عند إحدى العائلات الأميركية في اطار برنامج نظمته مؤسسة إنسانية بعد الحرب العالمية الثانية من أجل الدعوة للسلام والتعارف بين الشعوب،

كان هناك عدة شباب وشابات بنفس عمره تستضيفهم اسر مجاورة ضمن اطار البرنامج نفسه، كانوا من السويد وسويسرا وبلدان أوروبية أخرى.. كان القصد هو «التعرف» على الأميركيين و«تعريف» الأميركيين بالآخرين.كان السؤال الأكثر تردداً على الكاتب هو: «ماذا تأكلون في وجبة الإفطار؟» وكانت اجابته هي: «قهوة مع الحليب وبعض المربيات» كان استغراب ربة المنزل كبيراً

وقالت: «في سوريا هذا ما تتناولونه في الصباح؟»، ربما هذا في بيتكم لكن ماذا عن السوريين «الآخرين». تذكر شريف بأن هناك بالفعل آخرين في سوريا يأكلون «الفول الساخن مع الكمون في الصباح» لم يكن مجرد اختلاف في «وجبات الإفطار» بل فيما هو أبعد يقول شريف خزندار «وشيئاً فشيئاً اكتشفت» نعم اكتشفت، كيف كان يعيش السوريون الآخرون.

ويضيف: «عندما عدت الى سوريا بحثت عن معرفة البلاد وسكانها بما لديهم من خصوصيات واختلاف، حاولت اكتشاف هوياتهم المتعددة وأدركت غنى مثل هذا البحث، لقد نقدت القناعات الصارمة وأصبح كل شيء نسبياً وشيئاً فشيئاً تعلمت ان لا أصدر احكاماً قاطعة، لقد اكتشفت فن تباين الآراء لقد تعلمت الاعتراف بالاختلافات وباحترامها وبحبها».

عندما بلغ شريف خزندار سن الحادية والعشرين اختار الجنسية الفرنسية، جنسية والدته، وهنا أيضاً أرضاً أخرى غنية بالهويات المتعددة.. وهكذا اذن وانطلاقاً من السؤال البدائي: ماذا تأكلون في وجبة الإفطار؟ المربيات والفول برز المفهوم الذي نسميه اليوم بـ «التنوع الثقافي» لكن هنا يفتح الكاتب قوسين ليحذر من الوقوع في الكاريكاتير و«التبسيط المخل» و»النقد السهل» وكل اشكال الخلط، التي يمكن ان يحتويها هذا «المفهوم الملغوم».

إن القاعدة الذهبية التي يدعو الكاتب لاتخاذها تتمثل في قوله: ان يكون الإنسان قبل كل شيء مخلصاً مع نفسه، «أي كيف انت .. أنت» هنا أيضاً تبرز اسئلة جديدة تتعلق بمعرفة كيفية ان يعرف الإنسان نفسه في الوقت الذي تشهد فيه هويته «تطوراً مستديماً»؟ وبناء على هذا اذا كان من الصعب معرفة الذات، فكيف يمكن معرفة الآخر؟ ثم أليس هذا نوعاً من التكرار لكن بكلمات أخرى وبصيغة التأكيد وليس التساؤل، للمقولة السقراطية الشهيرة: «إنني اعرف بأنني لا اعرف شيئاً».

هذا الكتاب، وبمداخلته العديدة والمتنوعة، يشكل في الواقع دعوة الى قبول الآخر» كما هو.. وبما هو بعيداً عن أحكام القيمة المسبقة.. لكن وكما هو معروف «تستدعي كل مجموعة تشكلت انسانياً منظومة للتصنيف مختلفة كل مرة عما عداها وتفرض دوراً ووظيفة بحيث ان كل ما يخضع لرقابتها ولقوانينها يتم اعتباره نوعاً من الجنون أو الهذيان أو التوحش،

كما كتب عالم الاجتماع الشهير «جان دوفينيو» الذي ضرب على ذلك مثال «محاكم التفتيش» سابقاً والتي تكفلت بـ «تطبيع» محيطها بوساطة «القتل» أو «الاعتناق القسري» لعقائد الكنيسة الكاثوليكية من قبل جميع «الهراطقة» ثم وبفترة أكبر قرباً منا ألم يفعل الاستعمار الشيء نفسه باسم نشر القيم الحضارية.. ثم ألا تشهد اليوم ايضاً بنشر «القيم الحضارية» نفسها على ظهور الدبابات؟!

ويضيف دوفينيو بان «العقلانية الغربية» ومنذ ان انفتحت على عالم «المتوحشين» اخترعت عدداً من المفاهيم من اجل «دمج» ثقافات الشعوب البدائية في قوالب يمكن ان تخدم حداثتها. هكذا اشتهر «القناع الإفريقي» في رسوم بيكاسو وبراك وأصبحت موسيقى «الجاز» ذات الأصل الإفريقي أيضاً ذات بعد عالمي، هذه اللغات الضائعة أصبحت لغات كونية «يونيفرسال» هنا يؤكد دوفينيو بان اعطاء الكلام من جديد لهذه اللغات الضائعة،

إنما يعني شيئاً آخر تماماً غير تلك المحاولات الغبية و«الكاريكاتورية» التي ادعت مثل هذا الأمر عبر تنظيم ما عرف بـ «المعارض الاستعمارية» والتي لم تكن في الواقع سوى صورة محسنة لعمليات جلب لبعض ابناء المستعمرات في اقفاص لعرضهم في بلدان «العقلانية الغربية» كـ «دعاية سياحية» هنا بالمقابل قد تجدر الإشارة الى وجه آخر لأعمال ذات بعد «إنساني» مثل محاولة التنقيب في خرائب حضارات «الأنكا» التي كان الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران أحد الذين كانوا وراء مثل هذه المبادرة.

أما باتريك أوليفييه الذي شغل لسنوات طويلة كمسؤول عن الشؤون الدولية في وزارة الثقافة الفرنسية والاستاذ في جامعة باريس الشاسعة فإنه يحاول اقتفاء مسيرة الانفتاح على الآخرين، انطلاقاً من «حوار الثقافات» ووصولاً الى «التنوع الثقافي» وهو يبحث هذا تحديداً على ضوء «السياسة الثقافية» الفرنسية التي يرى بأنها قد شهدت تطوراً كبيراً في مطلع عقد الثمانينات مع وصول جاك لانغ الى وزارة الثقافة،

وبدعم من ميتران ذاته، ففي تلك الفترة كانت كلمة الانفتاح هي المعبر الأفضل عن التوجه الثقافي العام والذي تحددت أطره شيئاً فشيئاً تبعاً لتطور السياق الاقتصادي والتكنولوجي.. وفي تلك الفترة بالذات وتحديداً في عام 1982 تم تأسيس «بيت ثقافات العالم».

«الانفتاح» الثقافي تواكب بالوقت نفسه مع تشجيع مبدأ «حماية الثقافات» في جذورها وحياتها وتعميق «الحوار» هنا يؤكد الكاتب على الدور الكبير الذي لعبه الظهور والتطور غير المنتظر للإعلام الرقمي وتعزيز العولمة الاقتصادية وما تبع ذلك من تبدلات عميقة على صعيد حرية التبادل التجاري، هكذا الى جانب زيادة السهولة في التعرف على الثقافات الأجنبية، التي أصبحت بمتناول يد كل من عنده القليل من الفضول، فإن لحظية المبادلات عززت بالوقت نفسه خطر الخلل في التوازن».

في الواقع يواجه العالم أكثر من أي وقت مضى خطورة «توحيد النمط الثقافي العالمي».. ويتمثل أحد الأدلة الصارخة على هذا في «زوال» العديد من اللغات في هذه «القرية الكونية التي تشهد تمركزاً أكثر فأكثر حدة لـ «الصناعات الثقافية،

وذلك لصالح بعض «الأقطاب المسيطرة» الباحثة عن زيادة الربح مما هو تشجيع الإبداع الثقافي بكل أشكاله ومشاربه أو «الحث على المحافظة على الجذور». الملفت للانتباه أن الدعوة لـ «الانفتاح الثقافي» قد سارت في فرنسا بالتوازي مع التأكيد أكثر فأكثر على ما يسمى بـ «الاستثناء الثقافي».

تحت عنوان: «نحو هوية واحدة ومشتركة ذات هويات متنوعة ومتتعددة» يؤكد ادونيس في مساهمته بهذا الكتاب بأن «الابتعاد هو أحياناً الاقتراب» كي يضيف بالمعنى نفسه بأن «النظر نحو الوراء يضيء أحياناً مسيرة من هو في المقدمة ويجعل عمله أكثر اضاءة».

وضمن الإطار نفسه يؤكد على ضرورة تحديد «الخط الفاصل بين العولمة والخصوصيات وذلك بهدف محدد هو ايجاد هوية «واحدة» ومشتركة ذات هويات «متنوعة» و«متعددة»، أما الخطر الكبير فإن ادونيس يحدده في «طغيان سيادة النمطية «ذات البعد الواحد في منظور تحول العالم إلى سوق وحيد. بكل الحالات أن حدود الثقافة تتجاوز دائماً الحدود الجغرافية وبحيث «لا يعد والآخر مجرد طرف يتم الحوار معه،

وإنما يصبح عنصراً مكونا للأنا. للذات». وضمن السياق نفسه ينبغي أن «تنفتح الشعوب على بعضها مبدعة بذلك هوياتها وهي تتحاور وتبدع أعمالها وأفكارها». بهذا المعنى تصبح الهوية نفسها عملية «ابداع مستمرة» لكن لابد من التنبيه بأن الحوار هو شيء آخر تماماً غير المفهوم الذي ساد لفترة طويلة من الزمن وتمثل في سيطرة القوي على الضعيف ودائماً باسم «الحوار» أي نوع من «وضع الآخر تحت الوصاية».

من جهة أخرى تؤدي عملية فرض النمط الواحد للحياة وأشكال السلوك وطريقة الرؤية إنما «يحول حياة الإنسان إلى صحراء من الرتابة».. وهذا يمثل الوجه الأكثر سلبية للعولمة عبر تسطيحها» وجعلها «غير إنسانية». المطلوب بالمقابل هو تبني سياسة تعزز الاختلاف مع التأكيد على «الخصوصيات الشفافية.. كذلك تعزز التفاهم والانسجام مع تأكيد تداخل الفعل واختلاط البشر.. هذا ما يدعو إليه أدونيس باسم ما يدعوه بـ «التنوع الثقافي الخلاق».

«الاختلاف بدلاً من اللامبالاة» هكذا يلخص جان ميشيل ديجان مفهومه لشكل العلاقة «الثقافية» التي ينبغي أن تقوم بين البشر. وهذا ما يطبقه على الاشكاليات التي تطرحها ظاهرة الهجرة في البلدان الغربية المتقدمة.. هذه الظاهرة تأخذ في الآونة الأخيرة أبعاداً كبيرة جداً، بسبب حالة الافقار الأكثر حدة التي تعرفها بلدان الجنوب في اطار العولمة.

ثم هي الظاهرة التي لم تستطع الدول ـ الأمم أن تنهيها رغم تعلقها الشديد وتقريباً إلى درجة التقديس باسم «السيادة» لحدودها، ثم ان هذه الهجرة هي «ثمرة للبحث المستمر عن حياة أفضل في أماكن أخرى»، تطبيقاً للمثل القائل: «وطني حيث أجد وسائل عيشي». ويرى الكاتب بأن المجتمعات المتقدمة لفترة ما بعد الصناعة تملك مفهوماً «مزدوجاً» للعلاقات الثقافية بين مكوناتها وبينها وبين المجتمعات الأخرى.

فمن جهة هناك «بناة الجدران» ومن جهة أخرى «بناة الجسور» هذا مع التأكيد بالوقت نفسه على أن «التاريخ لم يبين أبداً بأن الانغلاق يمكن أن يؤدي إلى التفتح والازدهار».. وكذلك التأكيد على امكانية «الانتماء إلى عوالم عدة» اليوم بفشل ثورة المعلوماتية! هذا على الرغم من «المنطق الاقتصادي المدمر» للعولمة بنسختها السائدة.

بكل الحالات تبقى معرفة ثقافات العالم قضية ذات أهمية كبيرة، هذا ما تؤكده السيدة «مرسيدس ايتورب» التي تعمل مديرة للمتحف الوطني للفنون الجميلة في مكسيكو التي تعتبر أن الثقافة هي «الوسيلة الأفضل لسبر الجوهر الروحاني للمجموعات الإنسانية الاجتماعية» ثم إن هذه المجموعات كانت عبر ابداعها ومخيلتها وعبقريتها وراء ولادة الحضارات الكبرى.. وهذا ما تبدي بشكل خاص في انتاجها الثقافي..

فالمسرح اليوناني القديم لا يزال مثلاً، يحتفظ بكل راهنيته حتى الآن، تقول الكاتبة: «ان أكثر الأفكار بريقاً مما انتجه الإنسان قد تم تخليدها بأغلبيتها في الأدب والموسيقى والمسرح والرقص والفنون التشكيلية. والفنان الحقيقي هو الذي يستبق الأحداث والذي، بوساطة مخيلته وابداعه، يفتح الأبواب التي تؤدي إلى الاعتراف بالآخرين عبر المعرفة».

ويطالب «جورج موستاكي» المطرب الشهير ذو الأصل المصري بضرورة «توحيد الثقافات.. هذه هي النتيجة التي قادته اليها مسيرة حياته الفنية.. انه يعرف نفسه كـ «داعية لتأكيد البعد الإنساني للإنسان» يمارس من خلال «أشكال التعبير التي تتجاوز كل الحدود» لغة الموسيقى والغناء التي توحد ثقافات عالم يميل بالأحرى نحو الانقسام والتقوقع رغم «العولمة» هكذا يؤكد موستاكي على كونية لغة الفن وبالتالي ينبغي اللغة المثالية للثقافة.. هذا لاسيما وأنه لا يمكن فصل الفن عن الحياة.

الكتاب: ثقافات العالم

الناشر: بابل (بيت ثقافات العالم) باريس 2005

الصفحات: 241 صفحة من القطع الصغير

CULTURES DU MONDE

CHERIF KHAZNADAR

ADONIS ET.

BABEL - PARIS 2005

BABE