لقاء أجراه محرر الأوبزيرفر الثقافي مع الروائي الآيرلندي «جون ماكهرن» تزامن مع نشر سيرته الذاتية. تطرق الحوار إلى حياته الشخصية ومؤلفاته وفلسفته وتجربته بين كتابة الرواية وكتابة المذكرات . الكتاب بعنوان «مذكرات».
تحطم حلمه بأن يصبح قسيساً، وشاهد أعماله الروائية وهي تصادر. إلا أن، جون ماكهرن، الذي صار يحمل لقب أهم روائيي أيرلندا أصبح الآن قادراً على نشر مذكرات شديدة التأثير. يضيف «من بين الأشياء التي يتم اكتشافها اثناء كتابة المذكرات، الشيء الذي يقول بأن الذاكرة قد تخونك ».
ها أنا جالس في النصف المظلم من إحدى الحانات الواقعة في قلب حي سوهو اللندني، استمع إلى ما يقوله أهم روائيي أيرلندا الأحياء وهو يتحدث عن بعض التجارب الصعبة التي مربها أثناء كتابة أول أعماله الواقعية. نبرته الهادئة وعباراته المنمقة تعكس الإيقاع والبراعة التي يتميز بها اسلوبه إلى حد يجعل من السهل على المرء أن يقع تحت تأثير كلماته تماماً كما هو الحال بالنسبة لأعماله المكتوبة.
يستأنف «الحقيقة أن المذكرات لا تحتوي على نفس المساحة من الحرية التي تمنحك إياها كتابة الرواية. الرواية تحتاج إلى الخيال. حتى الأحداث التي تقع على أرض الواقع ينبغي لك ان تعيد تخيلها . ولكن الأمر يبدو مختلفاً لدى كتابة المذكرات حيث لا يمكنك أن تتخيل أو تبتكر الأشياء»، كان يقولها وهو يتنهد، تماماً كما لو كانت الأمور تسير على العكس مما يتصور «عليك أن تلتزم بقول الحقيقة».مذكراته تحمل بكل بساطة هذا العنوان «مذكرات»، وتأتي ملتزمة تماماً بالحقائق المجردة التي تعبر عن حياته المتأزمة في مرحلة الشباب.
وبينما هي تتكشف لك، يمكنك إدراك الكيفية التي أثرت من خلالها تلك الأحداث على روايته، وعلى شخصيته كمؤرخ فذ للتجربة الإنسانية . الان وبينما هو في السبعين، وبحوزته ستة أعمال روائية متميزة وأربع مجموعات قصصية، فإن ما يكتبه ماكهرن هو شهادته الشخصية التي تمتليء بالذكريات المفصلة، وتحوز على العاطفية، التي تغمر مشاعر القارئ، أحياناً.
في ظاهره يتحدث كتاب، مذكرات، عن طفولته التي أمضاها في مجتمع ريفي أيرلندي صغير على الرغم من مغادرته له وهو شاب، إلا أنه عاد ليعيش ويستقر فيه. الطبيعة ـ الحقول الصغيرة المهملة، البحيرات الساكنة، الممرات والطرق المطوقة بالشجيرات النامية على جوانبها،
برقوق السياج وأشجار الجميز ـ كلها ستكون مألوفة لدى القارئ، وهي الأشياء التي كان قد تعرف عليها في روايته الأولى «لثكنات» 1963، و رواية «ربما واجهتهم الشمس المشرقة » 2002. إن الأشباح التي تسكن هذه الروايات تعود لكي تصبح حقيقية هنا، وفي بعض الأحيان يتساءل المرء.. كيف تسنى له أن يعيش بعد كل هذه الأحداث لا لشيء إلا ليرويها .
الحضور، الأكثر، إنذاراً بوقوع الخطر، في هذا الكتاب يعود لأبيه المتوفى، رجل الشرطة، المستأسد القصير القامة. وبين الفينة والفينة تتخلل المشاهد بعض تصرفاته الوحشية، التي يعاد سردها على نحو واقعي، انتقائي إلى حد ما، ما يجعلها مؤثرة . في أحد المشاهد، يصف ماكهرن والده وهو يقوم بضرب إحدى شقيقاته بلا رحمة مستخدماً المسحاة.
إلا انه يقول بهدوء بعد ذلك «الحقيقة هي أنني لم اشعر يوماً بانني ضحية. أن تكون ضحية هذا يعني قلة ذكاءك. عادة ما يكون المرء مسؤولاً عن حياته، أياً كانت ». يغلق عينيه، كما لو أنه يريد اللحاق بفكرة ما كانت تحلق فوق سياج مشاعره، ثم ينبري ليقول شيئاً يسلط ضوءاً من الشفافية على كتابته. لا يهم ما تتعرض له، أياً كان حجم الأسى الذي يحتويه، لا ينبغي له أن يؤثر على كتابتك أو قراءتك. إنني شديد الإيمان بالفكرة القائلة بأن الأشياء لن تكون لها قيمة إلا بفهمها، وأن فهمها ضرب من الإستمتاع بها. إنه في الواقع انعتاق ».
وكما في روايته، فهو كذلك في مذكراته، يشعر بالتزام شديد تجاه عبقرية فلوبيرت التي يستلهم منها الفكرة القائلة إنه على الرغم من أن من واجب الكاتب أن يكون حاضراً في كل مكان، إلا أن ذلك لا يعني الحضور الكلي . أوجه إليه سؤالاً حول ما إذا كانت كتابة المذكرات أصعب من كتابة الرواية فيجيب «على الرغم من أنها عملية صعبة بالتأكيد، تتطلب سرعة كبيرة،
إلا ان الصعوبة تكمن في اختيار المفردات الدقيقة. في الرواية، السلاح الأكثر تأثيراً هو ما تقترحه على نفسك . أما المذكرات فهي خادعة لأنك تكابد لكي تحملها على أن تكون موافقة لرؤية معينة، إلا ان المرء يواجه إشكالية تجاه تذكر ما حدث بشكل دقيق».
الحدث الأكثر صعوبة الذي يصادفه المرء في روايته لتاريخه الشخصي هو رحيل أمه، سوزان، المبكر، المعلمة الطيبة المتفانية، التي يترك غيابها فراغاً كبيراً في حياة الإبن، حتى أنك تشك في أن شيئاً آخر كان قادراً على سده.
يتذكر كيف أنه كان يندس في غرفة صغيرة جداً تقع أسفل السلم لكي ينتحب «بين الثياب القديمة». يكتب عنها «اتذكر حضورها في هذا العالم، وهي تسير عابرة الطريق إلى المدرسة. أو أثناء ذهابها إلى مناطق أخرى، وهي تستقل القطار، وتتنقل من متجر إلى آخر وهو يسير إلى جانبها في شوارع البلدة، يشاهد الألعاب النارية وألسنة اللهب المتوهجة وهي تتقافز فوق الجدران وتضرب الأسقف».
لقد ذهبت بعيداً إلى حيث لايمكنني الوصول إليها. وهكذا لم أعد قادراً على مشاهدة وجهها بعد ذلك . لقد صدمني، أثناء قراءتي للرواية، ذلك الحب غير المشروط الذي لم أر وصفاً شبيهاً به لدى اي من المؤلفين الذين كتبوا عن امهاتهم. والواقع انها تبدو لك، في صورة مثالية أما غيابها فقد كان مأسوياً بقدر ما كان حضور ابيه عبئاً ثقيلاً.
« حسناً، اعرف أن حضورها على نحو واع أو غير واع كان شديد التأثير في حياتي. لقد كان هذا الكتاب بمثابة اشارة إلى ذلك كما هو الحال بالنسبة لأبي. ولو أنني كنت ناجحاً فإن الفضل في هذا حسب اعتقادي يعود إلى الإثنين . وكيف استقبلت شقيقاتك هذا الكتاب . يستغرق في الضحك ثم يصبح فجأة جاداً، «أنهن يعتقدن بانني كنت متساهلاً تجاه ابي. أعتقد أن الحكم على الآخرين ينبغي أن يتضمن ايضاً القليل من التعاطف معهم».
غير أن أبيه يبقى «في الظل »على الرغم مما يقوله من عبارات يسعى من خلالها إلى فهمه: منهمك في شؤونه الذاتية يفتقر إلى الوعي بالذات. «لم يكن ليهتم إلا بمظهره. كان قوياً، ربما إلى حد الجنون . الواقع أن شيئاً من الجنون كان معروفاً لدينا في العائلة. أعتقد أن جزءاً من العنف الذي كان يتميز به والدي كان مرده إلى القهر العاطفي. كان الصراع بين حب الحياة وحب الرب محتدما في أيرلندا في تلك الأثناء وكان ذلك بمثابة السلطة القوية».
جاذبية المتناقضات، هي الأخرى، واحدة من الأشياء التي يكتنفها الغموض في هذا الكتاب، وعلى سبيل المثال... لماذا تتزوج المرأة الجميلة الجذابة التي يحبها الجميع من رجل يكرهه الناس ويفتقر إلى الجاذبية. يعلق بقوله «أجل، ولكن ما أدراك بالجاذبية الجسدية؟ إن أبي على الرغم من كل أخطائه، كان يحوز قدراً كبيراً من هذه الحضور الجذاب، وحتى هذه الجاذبية التي أتحدث عنها.
إلا أن بعض ما كان يبدو غامضاً في شخصيته وهو ما لم يمكنني فهمه حتى هذه اللحظة ». شخصياً، يبدو ماكهرن أقرب إلى الفلاح منه إلى الروائي. يعيش مع زوجته الثانية، مادلين، التي تزوجها سنة 1973، في منزل يقع على إحدى البحيرات، في الريف، بالقرب من الحدود مع أيرلندا الشمالية . وبالتوازي مع تقدمه في السن، فقد أصبحت كتابته أكثر تجذراً في ذلك الوعي الشديد بالمكان،
أما صورة الأرض التي تحف بالبحيرة فما هي إلا صورة مصغرة من المجتمع الريفي الايرلندي الذي يرزح تحت وطأة الصراع بين الأصالة والمعاصرة. يقول « إن ما شهدته أيرلندا من التغيير خلال العشرين سنة الأخيرة يعادل ما شهدته على امتداد المئتي سنة الماضية. بين 1800 ـ 1970، كانت لا تزال مجتمعاً يعيش في القرن التاسع عشر. كذلك لم تتراجع سلطة الكنيسة قبل تلك الفترة .
اعتقد أن إلقاء الضوء على تلك الخصوصية سيكشف عن هذا التغيير. غير أنك لو بحثت عن الكوني فستنتهي إلى الغموض . يقول الشاعر جون دون » ليكن لدينا مكان واحد صغير، وليكن لديك عالم كبير من حوله ». هذا ما أؤمن به، حقيقة، أن كل ما هو ممتع يبدأ بشخص واحد ومكان واحد ثم يكبر بعد ذلك».
حقائق عن جون ماكهرن
* ولد جون ماكهرن في دبلن عام 1934 وينظر إليه كأحد أهم روائيي آيرلندا الأحياء.
* تلقى تعليمه في دبلن، برزنتيشن برذرز كوليج ، معهد سانت باتريك لإعداد المعلمين. عمل في مجال التدريس بين عامي 1955 ـ 1966.
* أولى أعماله الروائية «الثكنات» 1963.
* من أهم أعماله رواية «الظلام» التي حظرت في آيرلندا وفصل على إثرها من وظيفته كمدرس، رواية «الرحيل» 1975، رواية «بين النساء» 1990، رواية «ربما واجهتهم الشمس المشرقة» 2002.
* «مذكرات» 2005 أول أعماله غير الروائية
