يذهب الباحث السوري د. عدنان البني في كتابه «بين التراب والتراث» إلى القول بأن الكشف عن المواقع الأثرية أمر مهم ومثير. ولكن الأكثر أهمية وإثارة هو استنطاق هذه المواقع ومساءلتها. فإذا بقي الكشف الأثري صامتاً فإنه لن يسهم إسهاماً كافياً في صناعة التاريخ ونسج خيوطه. فمواقع ما قبل التاريخ ـ أي قبل الكتابة ـ مثلاً تجود علينا بنتائج الإنسان وفنه، ومآكله، وبيئته وأمراضه. ولكن تخفي عنا لغته وأحواله المعنوية ونزعاته الفكرية وأدبه وشعره وموسيقاه
وكذلك المواطن التي ورد منها. فهي تصنع بذلك شطراً من التاريخ ولكن تغّيب الشطر الأهم. وفي المواقع التاريخية التي تعود إلى الألف الثالث والثاني والأول ق. م في بلاد الشام والرافدين ومصر، جاءت أعمال التنقيب بالكشف عن مدن مرتبطة بأحداث تاريخية مهمة كآشور في قلعة الشرقاط في العراق، وأختياتون (تل العمارنة) في المصر، وأوغاريت في رأس الشمرة وغير ذلك.
ولأسباب تعود لتعدد مشاريع التنمية في سوريا وللظروف التي مرت أو تمر بها البلاد العربية المجاورة، والتي حالت وتحول دون اتساع العمل التنقيبي فيها، فإن أرض سوريا تحقق عليها العدد الكبير من أعمال التنقيب الأثري، وبخاصة تحقيق هوية مدن كثيرة كانت مجهولة الموقع أو غائمة السمات.
ومن أهم هذه المدن والمكتشفات العثور على بقايا الإنسان (النياندرتالي) نسبة إلى وادٍ رافد لنهر الدوسل شرقي دسلدروف في ألمانيا حيث عثر عليه هناك ـ وذلك في عدد من الكهوف أشهرها كهف «شانيدر» في العراق، ومغارة الطابون وغيرها من مغائر وكهوف جبل الكرمل في فلسطين. ووجدت في سوريا الأدوات الصوانية لجماعات من النموذج النياندرتالي في كهوف سكفتا في منطقة يبرود، وفي كهف الدوارة وكهف جرف العجلة وغيرهما في المنطقة التدمرية.
وفي عام 1993 عثرت البعثة السورية اليابانية في كهف «الديديرية» قرب نهرين 80 كم عن حلب على هيكل عظمي لطفل أو طفلة ـ من النوع النايندرتالي عمره سنتان أو ثلاث سنوات. دفن هذا الطفل منذ حوالي مئة ألف عام في قبر معدّ لهذه الغاية وضمن ترتيبات وطقوس خاصة إن هذا الهيكل هو الأول من نوعه في سوريا وقد وجد في طبقة سليمة مؤرخة.
والمرجح أن هذا النوع الإنساني، الموصوف باسم النياندرتالي، حقق إبداعات حضارية مادية وروحية وطور الأدوات والأسلحة من الصوان، ومارس الفنون ومبتكرات أخرى ومن أهمها إنشاء المستقرات، وكان انطلاقه من هذه المنطقة، أي الهلال الخصيب، وانتشر في أرجاء المعمورة.
ثم بعد ذلك يتساءل ـ عدنان البني ـ ما هي إشكالية الإنسان السوري في عصور البرونز. ومن هو هذا الإنسان، ما هي أصوله وما هي تشكلاته الإثنية إذا وجدت، وما هي خصائصه؟ من هو النموذج الإنساني الذي إذا رأيناه ماثلاً أو مصوراً قلنا هذا إنسان سوري، كما نقول عادة هذا إنسان مصري أو هندي أو غير ذلك.
وعلى الرغم من تمثيل بعض السوريين على الأختام الاسطوانية المبتكرة بأزياء سورية من معطف عريض ذي طيات وغطاء رأس اسطواني. وبشكل إجمالي، سواء في عصور البرونز أو قبلها وحتى الآن، فإن النسب الرأسية الغالبة على هذا الإنسان تجعلنا نقول مع العالم «فالوا» إنه نتاج موفق لامتزاجٍ قديم بين العنصر العربي والمتوسطي.
وفي الحدود التي نعرفها من عصور البرونز كان هذا الإنسان يتكلم ويكتب بصورة أكيدة ومن ماري حتى إيبلا وأوغاريت، وفي الشمال والجنوب والشرق والغرب واحدة أو أكثر من لهجات الجزيرة العربية، أكادية كانت أم أمورية ـ كنعانية أو آرامية وغير ذلك.
وفي المجموعة السكانية كان قد حصل التمايز الاقتصادي ـ الاجتماعي بين فئتين أساسيتين من السوريين، الفئة التي استقرت والفئة الجوالة، رغم وحدة الأصل، الأمر الذي أوجد بعض اللبس لدى بعض الناس في التمييز بين العربي والأعرابي.
ثم إن عصور البرونز في سوريا شهدت قدوم أنماط جديدة من الجماعات البشرية أسست أحياناً تشكيلات سياسية مؤقتة قامت بالأصل من منطلقات دينية أو إثنية أو عسكرية سياسية، ثم ذابت مع الزمن في الكتلة السكانية الأساسية.
ومن هذه المجموعات الحوريون ـ المينانيون في الجزيرة السورية الذين كشفت إحدى مدنهم «أوركش» في تل موزان، فولّدت حيرة عند البعض وإشكالية عند البعض الآخر.
أما المدن السورية الأقوى والأوسع والأشهر في عصور البرونز فهي: إيبلا في عصر البرونز القديم، وماري في عصر البرونز الوسيط، وأوغاريت في عصر البرونز الحديث، وكانت مدناً تجارية بالأساس، وقامت على عقد تجارية، إذا صح التعبير. وكان لإيبلا ومن بعدها حلب ودمشق زعامات حقيقية على جانب كبير من الأرض السورية. وبسبب أهداف اقتصادية تجارية بالأساس جرت الصراعات التي نعرفها: إيبلا مع أكاد، وحلب مع الحيثيين، ودمشق مع الأشوريين ومن ثم مع العبرانيين.
الأمر الذي يعني أن ولادة المدن بدأ في سوريا مطلع الألف الثالث غالباً. ويردها البعض لفترة «أوروك» حيث قامت شبه مدن بتخطيط عمراني وأسوار مثل «حبوبة الكبيرة» الجنوبية وامتدادها في تل قناص. وقد نضج نضوجاً فائقاً خلال النصف الثاني من الألف الثالث، وأفرز مدناً ـ ممالك باهرة برزت واحدة إثر الأخرى، مثل إيبلا وحلب وماري وقطنا (المشرفة) وأوغاريت وحماة وآلالاخ (تل عطشانة في سهل العمق).
ومن العوامل في نشأة المدن ـ وهي عوامل حاسمة ـ معرفة المعدن والكتابة إذ أن معرفة المعدن عددت الاختصاصات المعرفية وطورت التجارة بالبحث عن المواد الأولية محلياً ودولياً، وتسيير القوافل والمراكب. وخرجت الكتابة من المرحلة الخصوية والتصويرية التي تلائم الحياة الزراعية إلى المرحلة المقطعية التي تلائم التجارة والدبلوماسية وهي الممهدة للأبجدية.
وحين أصبحت المدن الجديدة مركز الحكم ومخزن الإنتاج ومجمع الكهنوتية والأرباب كان لابد من تحصينها لدرء أخطار غزو محتمل من القريب أو البعيد. إن عدد المدن المغيبة في أعماق التلال الأثرية والعائد لعصور البرونز كبير جداً، لكن أمكن حتى الآن وفي وقت قصير نسبياً التحقق من الأسماء القديمة للكثير منها بعد أن كانت نسياً منسياً، وذلك من خلال النصوص والصكوك التي جاءت بها.
وإذا تركنا جانباً الأسماء المحققة قديماً، نجد القائمة طويلة رغم أننا لم نتطرق إلى ما هو خارج عصور البرونز وهي: إيبلا في تل مرديخ، بيروت في رأس ابن هانئ، آزو في تل الحديدي، إيكالته في الممباقة، إيمار في مسكنة، شفري/ شيبارو في تل الغري، تولو في تل البيعة، زلفا في حمام التركمان، سيانو في تل سيانو، نوار أو نجار في تل براك، شوباط إنليل/ شخنا في تل ليلان، أوركيش في تل موزان، ناباتها في تل بيدر.
أما فيما يخص الوضع السياسي العام في سوريا خلال الألف الثالث ق.م، فليس لدينا الآن وثائق مكتوبة قبل صراع إيبلا وأكاد والمعاهدة مع «أبارسال» المجهولة.
ومع قناعتنا بوجود أحداث مهمة قبل ذلك منذ مطلع الألف الثالث على الأقل فوق الأرض السورية، يمكن استنتاجها من الشواهد المادية الملموسة في كثير من المواقع التي أتينا على ذكرها، فليس من حقنا التكهن بفرضيات مبنية على عصور أحدث، طالما مساحات كبيرة من الأرض السورية، وفترات طويلة من الزمن السوري دون توثيق مكتوب.
إننا في طريقنا لمعرفة أشياء جديدة ولا شك. فليست إيبلا حدثاً هبط من المجهول متطوراً متكاملاً موطداً.
فثَّم تطور إيبلا، وسيؤول لكشف إبلاوات في مواضع لا نتوقعها، وفي أزمنة لم نكن نتصورها.
أنور محمد
الكتاب: بين التراب والتراث/ دراسة
الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2005
الصفحات: 230 صفحة من القطع الكبير
