«أحمد زويل.. عصر العلم» كتاب يكتسب أهميته طبيعة الشخصية التي يتناولها المؤلف وهي شخصية العالم أحمد زويل، ومن الأفكار التي حوتها سطوره، خصوصا أنه حظي بقلم صاحب نوبل الأول نجيب محفوظ الذي قدم لهذا الكتاب مما يعد نصرا ثقافيا لدار الشروق التي أصدرته مؤخرا بالقاهرة..
في بداية الكتاب يقول د. زويل «إن ما يجرى يتطلب منا وقفة تاريخية، كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من التطور؟ وما هي طريقة الوصول إليها؟ وما الذي يحمله المستقبل من جديد للناجحين والخاملين؟ ويضيف أنه واحد ممن ينشغلون كثيرا بهذه التساؤلات وبالبحث في طرق الإجابة عنها، وحين حصلت على جائزة نوبل في عام 1999.
والتي جاءت في عالم له دلالته الرمزية حيث يختتم القرن العشرون فتوحاته العلمية ليستكمل «عصر العلم» فتوحات أخرى في قرن جديد. منذ ذلك الحين وأنا التقى بكثير من الزعماء والقادة السياسيين وبالعديد من الفلاسفة والمفكرين ورجال الاقتصاد والإدارة فضلا عن الاحتكاك الدائم مع أعظم علماء العصر يضاف إلى ذلك زياراتي أو مشاركاتي في تجارب البناء والنمو في بلدان عديدة.. هنا جاءت فكرة هذا الكتاب..
كمحاولة لفهم طبيعة هذا العصر من العلم إلى ما وراء العلم.. من إرادات سياسية وطاقات اجتماعية وثقافات للشعوب. وعليه فإن هذا الكتاب يجمع بين تجربتي الذاتية في «عصر من العلم» ورؤيتي الشخصية للعالم في «عصر العلم» ويقول أحمد المسلماني الكاتب الصحافي بصحيفة الأهرام ومحرر الكتاب إنه لو كان للعلم عمداء لكان د. زويل عميدا للعلم بمثل ما كان طه حسين عميدا للأدب وأن رؤيته للنهضة العلمية في بلدان العالم الثالث وفي مقدمتها مصر تبدو، وكأنها الحل الأمثل وربما الوحيد وسط ارتباك الذهن السياسي والحالة الفكرية.
وأن زويل يحمل رأيا في علاقة الإسلام بالعلم وعلاقة الاثنين بالمجتمع مماثلا لرأي صديقه مهاتير محمد صاحب التجربة الماليزية التي تقارب الإعجاز فكلاهما لا يرى تعارضا بين الدين والعلم، كما يرى خطرا في الاستخدام الخاطئ للدين وفي الإمساك بالقشور دون اللباب ويذهبان إلى أن الطريق هو خلق ثقافة علمية تقدر أهمية الدين والتفكير العلمي معا بما يحمل رأيا معارضا لرأي المفكر الأميركي صمويل هينتنغتون بشأن صراع الحضارات ويذهب مع فوكوياما إلى نقد فكرة هينتنغتون.
والكتاب جاء في جزءين الأول يستعرض فيهما الدكتور زويل ملخصا لما نشر في كتابه «رحلة عبر الزمن.. الطريق إلى جائزة نوبل» وفي بداية هذا الجزء يشير زويل إلى أنه ولد عام 1946 في مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة في دلتا مصر وأن مدينة دسوق هي موطن عائلته وأنه لمسجد سيدي إبراهيم الدسوقي أهمية خاصة في حياته فقد حدد هذا المسجد معالم طفولته المبكرة حيث إنه كان ورفاقه من الأطفال منجذبين إلى المسجد للصلاة والمذاكرة فشكل بالفعل نواة للدراسة الجدية.
ويضيف زويل «التحقت بمدرسة حكومية واجتهدت لأصل إلى أحسن ما يمكن وقد سعدت أسرتي بذلك وكان نظام التعليم في مصر نظاما ممتازا يقوم على مبدأ المنافسة الشريفة في بيئة اجتماعية متجانسة، وكان من عادتي في ذلك الوقت أن استغل الإجازة الصيفية في دراسة مقررات العام المقبل من الدراسة وكان من أحلامي وأنا طفل صغير أن التحق بالجامعة فالجامعة كانت بالنسبة لي شيئا غير عادي
وذلك بسبب ولعي وحبي للعلم والمعرفة بالإضافة إلى أن الجامعة كانت تمثل قيمة اجتماعية كبرى من قيم المجتمع وقتذاك. وفي سن العاشرة كنت قد أخذت استمع لأغاني أم كلثوم عن طريق خالي العزيز رزق وهي تلك السيدة التي احتلت بعد ذلك مكانة بارزة في حياتي،
وإذا ما كان هناك شيء محدد له دور ثابت في إدخال البهجة في نفسي وخاطري فهو أم كلثوم»، ويعود زويل إلى ذكرياته عن أيام الدراسة فيقول «في الثانوية العامة وعند ظهور النتيجة وجدت أنني قد حصلت على أعلى الدرجات في الكيمياء والفيزياء والرياضيات وحصلت على درجات أقل في اللغة العربية والتاريخ، مما يوضح اتجاهي الفطري وهو دراسة المواد العلمية
وعندما تلقيت رسالة مكتب التنسيق التي تفيد بأنني قد رشحت للالتحاق بكلية العلوم جامعة الإسكندرية هزت هذه الرسالة
مشاعري وسرحت بخيالي وبفكري في المستقبل المشرق والدراسات العليا وأملى في أن أكون ذا شأن في دنيا العلوم، ومنذ اليوم الأول لي في الدراسة الجامعية اجتهدت في تحصيل دروس لأصل إلى أعلى درجات التفوق أو الامتياز «85 فأكثر»، وكان لي ما أردت فقد حصلت بالفعل على تقدير «امتياز أو جيد جدا» في كل المقررات التي درستها ولم يكن ذلك غريبا،
فذلك كان من طبيعة الأشياء بالنسبة لي فقد توافقت المقررات الدراسية التي كنت أدرسها مع ميولي واستعدادي الفطري ومضت سنوات دراستي في جامعة الإسكندرية على نحو رائع كان وضعي الدراسي متميزا للغاية، كما كانت حياتي الجامعية من علاقات وصداقات مع زملائي وأساتذتي متميزة هي الأخرى وكان لدينا إلى جوار العلم وقت كاف للاستمتاع بالبيئة الجامعية من نشاط ورحلات وإلى جوار أجواء المتعة العامة كان الالتزام الأخلاقي والامتثال للتقاليد قائما وصارما.
وفي صيف عام 1967 أعلنت الجامعة نتائج كل الطلاب وحصلت على رتبة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وكان ترتيبي الأول على الدفعة وتم تعييني وزملاء آخرين معيدين بكلية العلوم وبطبيعتي فإنني لا أركن إلى الراحة والتشدق بأمجادي وشرعت فورا أبحث في الموضوع العلمي الذي سوف أقوم بدراسته والذي نطلق عليه نقطة البحث وكان مقررا لي أن استمر في دراستي بهدف الحصول على الماجستير من سنتين إلى أربع سنوات ولكنني انتهيت من إجراء التجارب المعملية وإعداد الرسالة بعد ثمانية أشهر،
وبعد استكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في جامعة الإسكندرية عام 1968 بدأت أجمع المعلومات المتعلقة بالجامعات الأميركية وفي بداية عام 1969 تلقيت خطابا من الولايات المتحدة تشير الكلمات المطبوعة على غلافه إلى أنه من جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا وفتحت الخطاب بشيء من التوتر والقلق بعد أن دعوت الله وتوسلت إليه، فإذا بي أجد البشرى في كلمات محددة واضحة تقول إن لجنة الدراسات العليا بقسم الكيمياء قد أوصت بقبولك على أن تبدأ الدراسة في الخامس والعشرين من أغسطس 1969».
وهنا بدأت مرحلة جديدة في حياة زويل وهو يصفها قائلا إن رحلته من الإسكندرية إلى فيلادلفيا تعد مسيرة تحدد بها طريق ومجرى حياتي العلمية لذلك قررت أن أتخطى كل الحواجز والعقبات التي تقف في طريقي وتحد من انطلاقي لتحقيق أهدافي وأخذت أثقف نفسي بنفسي وقررت أن أحضر دروسا في الفيزياء والكيمياء وترددت على مكتبة الجامعة وقرأت كثيرا من المراجع العلمية في هذه المجالات
كما اشتريت كثيرا من المراجع التي لا تزال في مكتبتي الخاصة وبالرغم من أن الحاجز السياسي كان بمثابة حاجز صغير نسبيا سهل التخطي فإن الحواجز الثقافية والحياتية الأميركية هناك فوارق يومية تفاجئني في كل خطوة أخطوها. وبحلول صيف عام 1973 كنت قد أكملت دراستي لدرجة الدكتوراه وباستكمال رسالة الدكتوراه أتي الوقت الحاسم لتقرير مصيرنا «أنا وزوجتي» وماذا نحن فاعلون بعد ذلك؟!
غير أنني اجتهدت في أن أحصل على منحة ما بعد الدكتوراه في الغرب لسببين أولهما أن دراستي كانت في تقدم مستمر وأن المشرف على رسالتي كان متلهفا لأن يزكيني للحصول على هذه المنحة وكتبت إلى خمس جامعات وتلقيت خمسة عروض من تلك الجامعات،
وفي النهاية اتخذت قراري بالبقاء في الولايات المتحدة لرغبتي في الالتحاق بجامعة ذات مرتبة علمية مرموقة ومن ثم قررت الالتحاق بجامعة بيركلي أي أن أذهب إلى الغرب الأميركي ومن طرائف الأمور أو من غرائبها أنه بعد مضي أربعة أعوام على إقامتي في الولايات المتحدة
وبمجرد أن انتقلت من فيلادلفيا إلى بيركلي فإذا بي اصطدم مرة أخرى بنفس الحواجز التي اصطدمت بها من قبل في فيلادلفيا وهى حاجز ثقافي وآخر علمي وثالث سياسي وبعد مضى عام من وجودي في بيركلي أخذت أفكر في المستقبل بمعني: هل أمكث في الولايات المتحدة أم أعود إلى مصر»،
وهنا يشير د. زويل إلى حدوث شيء كان له دور مهم في تحديد مشوار حياته عندما أخبره البروفسير تشارلز هاريس أحد الأساتذة بجامعة بيركلي أنه يعتقد بأنه جدير بأن يتقدم للعمل في صفوة الجامعات الأميركية «وبالفعل تقدمت بطلبات للعمل في نحو عشر جامعات وأجريت مقابلات فيها جميعا وبعد انتهاء المقابلات تسلمت عروضا للعمل في عدد من الجامعات الأميركية».
وتبدأ مرحلة جديدة مرة أخرى في حياة زويل يقول «كانت مهمتي العلمية في جامعة كالتك محددة فقد كنت أعمل داخل الأشياء الصغيرة جدا.. داخل الذرة وداخل الثانية، كان عملي يقع مكانا في قلب الذرات حيث التحام أو انفصال الجزيئات، كما كان يقع زمانا في داخل الثانية حيث تصبح الثانية زمنيا
وهنا بالضبط كان أساس تقدير القائمين على جائزة نوبل لما فعلناه وأنجزناه والتقويم الزمني الجديد «الفمتوثانية» هو الذي فتح أبواب عالم المادة وديناميكيتها على مصراعيه فكما نرى الكواكب تدور بالتقويم الشمس نرى الذرات تدور بتقويم الفمتوثانية، ولهذا الفتح تأثير علمي أدى إلى الحصول على جائزة نوبل.
وجاء الإعلان الرسمي بفوزي بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999 في الساعة الخامسة والنصف من صباح الثاني عشر من أكتوبر بتوقيت كاليفورنيا وأما مراسم واحتفاليات جائزة نوبل فهي في حد ذاتها بمثابة تجربة العمر كله وتشكل جانبا من أسبوع من الاحتفالات الأسطورية وفي أثناء تقديمي على المنصة رجعت بي الذاكرة إلى الوراء..
إلى مرحلة الصبا فهذا الصبي الذي جاء من مصر هو الآن على وشك تسلم أعلى جائزة علمية في العالم وأن أعماله سوف تقدر وتنال هذا الشرف الرفيع وكنت حريصا لأن استمع إلى الكلمات التي ستلقى في هذه اللحظات التاريخية وشعرت بتقدير خاص عندما وضعت أعمالنا جنبا إلى جنب لتقارن بانجازات مؤسس وأبو العلم جاليليو».
أما الجزء الثاني من الكتاب هو في الأصل محاضرات ألقاها الدكتور زويل في ثلاثة محافل دولية بالإضافة إلى مقال نشر في صحيفة الأهرام عام 1998.
أما الفصل الأخير من الكتاب فيضم حوار مطولا أجراه محرر الكتاب أحمد المسلماني مع د. زويل قدم فيه بعضا من آرائه ووجهات نظره حول أسباب تأخر النهضة في مصر والعالم العربي، مشيرا إلى أن للنهضة مستلزمات وأنها شروط لازمة للتحقيق وهى في المستوى العام مستلزمات ثلاثة ثقافية واقتصادية وسياسية،
فعلى صعيد الثقافة تتطلب النهضة إصلاحا ثقافيا واسعا بإصلاح حالة النفس والعقل أي ترميم الضمير العربي مع ترميم العقل العربي سواء بسواء واستعادة الانتماء لكون ذلك جزءا أساسيا في ملف الإصلاح الثقافي فبغير الإحساس بأهمية الوطن والمجتمع في الضمير الخاص يصبح الحديث عن النهضة حديثا بلا عائد، كما لابد من تطوير التعليم لأن ذلك يرفع كفاءة الفرد ويدعم انتماءه، لوطنه كما أن التعليم الجديد يدفع الإعلام بالضرورة إلى أن يكون جيدا فالإعلام السطحي الذي يرسخ خطابا إعلاميا ركيكا إنما يطيح بجهود القطاعات الأخرى،
أما عن الشرط الاقتصادي للنهضة فمن غير المتوقع إحداث نهضة اقتصادية دون القضاء على النظام الإداري المعقد وقتل الفيل الأبيض، ومن غير المتوقع أيضا أن يتم ذلك دون مكافحة الفساد وإطلاق الشفافية وإذا ما جرى ذلك فإن الطريق يصبح أكثر ملاءمة لجذب الاستثمارات أما عن الشرط السياسي للنهضة فأساس هذا الشرط هو ضمان سلطة الشعب ورقابته على الحكم والإدارة وهذا متصل بملف الحريات،
فالحرية السياسية أمر أساسي في التطور باتجاه الديمقراطية والحرية السياسية تتوازي مع الحرية الفكرية التي تضمن انطلاقة الفكر وحرية العقل فالخائفون لا يمكنهم الإبداع كما أن الداخل الجيد هو الذي يحظي باحترام الخارج ويحسن فرص التفاوض والتعامل معه.
الكتاب: أحمد زويل عصر العلم
الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2005
الصفحات: 261 صفحة من القطع المتوسط
