ليونيل جوسبان، مؤلف هذا الكتاب، هو رئيس وزراء فرنسا الأسبق، والأمين الأول للحزب الاشتراكي لسنوات عدة، وكان مرشح اليسار في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2002، لكنه أُقصي في الدورة الانتخابية الأولى ـ الانتخابات الرئاسية الفرنسية تجري على دورتين يتنافس في الثانية منها الحاصلان على أكبر عدد من الأصوات في الدورة الأولى.
«العالم كما أراه» كتاب في السياسة الفرنسية والأوروبية والدولية، وكذلك يقدم آراءه حيال الرهانات التي تواجه العالم ودور المعتقدات الدينية الحاضرة والمستقبلية وأيضاً التحديات التي تواجهها الاشتراكية في فترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومعسكره.
يقول ليونيل جوسبان عن هذا الكتاب بأنه وُلد من «تساؤلات حول العالم وقلق من أجل فرنسا» وينطلق في حديثه عن الانقسام الذي شهده الحزب الاشتراكي الفرنسي حيال الاستفتاء على الدستور الأوروبي في فرنسا يوم 29 مايو الماضي، وحيث يجري رفض هذا الدستور، بينما كان الحزب الاشتراكي قد دعا رسمياً لتأييده بينما كان أحد قادة الحزب وهو رئيس الوزراء الأسبق لوران فابيوس قد قاد تياراً لمعارضة هذا الدستور.
وماذا كان موقف جوسبان. يقول: «على خلفية قناعاتي دعوت علناً للاقتراع بنعم للدستور لأنه يجلب التقدم».. كما ربط تأييده لهذا الدستور بالتزامه بـ «المبدأ الديمقراطي» إذ ان أغلبية الحزب قد أبدت موافقتها عليه كما أظهرت عملية اقتراع حزبية «داخلية»
وأيضاً باحترامه لـ «النزاهة الفكرية» في مواجهة الأكاذيب التي طرحها أعداء الدستور الأوروبي عن قولهم بأنه يهدد العلمانية والسياسة الاجتماعية. لكن جوسبان يرى بأن انتصار الـ «لا» في الاستفتاء على الدستور الأوروبي في فرنسا إنما كان تعبيراً عن محاولة معاقبة «السياسة الحكومية» والإعراب عن «قلق حيال المستقبل».
يقول: «هذه اللا هي حدث سياسي كبير تترتب عليه نتيجة قانونية مباشرة هي أن المعاهدة الدستورية الأوروبية ـ الدستور ـ قد ماتت». هذا يعني أن النتيجة النهائية لما سيؤول إليه الدستور قد غدت معروفة..ولو صادقت عليه الدول التي لم تقترع بعد من البلدان الخمسة والعشرين التي يتكون منها الاتحاد الأوروبي.
ويناقش ليونيل جوسبان على صفحات عديدة من الكتاب مفهوم السيادة الوطنية وعلاقته مع مفهوم الانتماء الأوروبي. يقول: «علينا أن نقول عالياً وبوضوح بأن البناء الأوروبي لا يحمي الدول ـ الأمم، التي لا تمثل صيغة سياسية عفا عليها الزمن.
ومشاعر الانتماء إلى مجموعة إنسانية ومطلب الحياة الديمقراطية ورغبة تأكيد الإرادة السياسية الجماعية لا يمكن أن تجد إجابتها كاملة في الاتحاد الأوروبي. إنه قد يشكل، أو أن يفتح، إطاراً جديداً لازدهار الدول ـ الأمم، ولكن دون أن يحل محلّها». لكن جوسبان لا يعارض هذه بذاك و«الاتحاد سيبقى تجمعاً إرادياً من الأمم، فيدرالية من الدول والأمم» كما ينقل ليونيل جوسبان عن «جاك دولور» المفوض الأوروبي السابق.
وكيف يرى جوسبان مستقبل الاشتراكية؟
ما يؤكده هو ان الاشتراكية لم تكن أبداً كما يرى ، مبدأ جامداً لا يتغير، دائماً هي «تطلع» و«حركة» ثم إنه لا يتردد في معارضة مقولة المفكر الأميركي ذي الأصل الياباني فرانسيس فوكوياما عندما عرض نظريته الشهيرة حول «نهاية التاريخ» بانتصار الليبرالية نهائياً وحل جميع مشاكل العالم بحيث لم يعد هناك مكان للنزاعات «محرك التاريخ» على العكس يرى جوسبان بأن هناك اليوم ضرورة ملحة لصياغة «مشروع مجتمعي ذي أبعاد إنسانية.
يقول جوسبان: «اعتقد أن كل فرد هو إنسان متفرد وأن البشر يستطيعون التفاهم فيما بينهم دون ان يكونوا متشابهين بالضرورة، ان التعددية والتسامح تشكل جزءاً من قيمنا. والخصوصيات الثقافية، إذا كانت تتماشى مع الحقوق الأساسية للبشر، فإنه ليس منها أن تمحى لصالح نموذج ـ موديل ـ إنساني موحّد. المجتمع ليس بحاجة إلى أن يكون قائماً على نمط واحد وإنما هو بحاجة إلى ان يكون عادلاً».
ويؤكد جوسبان في هذا السياق ضرورة ان يتحمل البشر وفي مقدمتهم أصحاب القرار مسؤولياتهم حيال الطبيعة، وذلك لأنها مسؤولية حيال «أجيال المستقبل». يقول: «نحن لسنا فقط مسؤولين عن أفعالنا ذات الطبيعة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية بل إننا نورث السفينة الكونية لأبنائنا وأحفادنا».. وبالتوازي مع هذا تغدو «التنمية المستدامة» مطلباً لابد منه من أجل تحقيق توازن العالم، ورأب الصدع الكبير في تفاوت الثروة بين الأغنياء والفقراء.
وعلى سؤال: «هل يمكن لنا أن نفهم العالم الذي نعيش فيه؟ يجيب جوسبان «اعتقد أن الإجابة هي نعم» .. لكنه مع ذلك يشير إلى أنه يغدو من الصعب أكثر فأكثر «فهم» هذا العالم.. أما خطورة احتمال «عدم الفهم» فإنه تمكن بأنه يترتب على ذلك «عدم إمكانية تغييره» إن جوسبان يذهب في هذا الرأي ضد المقولة الماركسية الشهيرة القائمة بأن المشكلة لا تكمن في فهم العالم، وإنما في تغييره، إذ انه ـ أي جوسبان ـ يرى مرحلة «الفهم» ضرورية من أجل التغيير».
ولا ينسى ليونيل جوسبان ان يذكّر بقوة بأن التاريخ قد أثبت واقع عدم قدرة الأيديولوجيات «وحيدة الرؤية» على التغيير الحقيقي على الأمور وعلى التطور.. وهكذا كان لابد للتجارب التوتاليتارية ـ الشمولية ـ مثل الشيوعية والنازية من أن تنتهي إلى الفشل. ويقارن في هذا الإطار بين الإصلاح والتطرف والرومانسية الثورية.
وبناء على مثل هذا الرأي يوجه ليونيل جوسبان نقده للحركات اليسارية والمتطرفة التي يرى أنها بعيدة عن الواقع وتكتفي بـ «الجلوس في مقصورات المتفرجين» دون أن تنزل أبداً إلى أرض الملعب» إنه يصف هؤلاء المتطرفين بالجملة التالية: «أولئك الذين لا يتولون أية مسؤولية سياسية ويقررون بأن السلطة لا تخدم في شيء، لا يحق لهم أن ينصبوا أنفسهم كأوصياء أو حكام».
ويناقش ليونيل جوسبان في كتابه أيضاً مشكلة الأمن في فرنسا، والتي أصبحت أحد المواضيع الأساسية في جميع الحملات الانتخابية وعلى مختلف المستويات من المحلية إلى الرئاسية.
هذا لا سيما وأن اليمين المتطرف الفرنسي اعتبر أن المصدر الرئيسي للعنف يكمن في الضواحي القريبة من المدن الكبرى والتي تسكنها أغلبية من أبناء المهاجرين من بلدان شمال إفريقيا العربية وإفريقيا السوداء.. بل لا يتردد جان ماري لوبن زعيم حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف من اعتبار المهاجرين سبب زيادة البطالة التي تزيد نسبتها الآن عن 10% من القادرين على العمل.
يقول جوسبان حيال اليمين المتطرف: «ليس البرنامج الاجتماعي للجبهة الوطنية هو الذي يجذب أصوات من العمال، وإنما بالأحرى خطابها المتشدد حيال مشكلة الأمن».ويتحدث جوسبان في هذا السياق أيضاً عن ظهور نوع من «الارستقراطية الجديدة».. هذه الارستقراطية تؤكد «على صعيد المبادئ» على شرعية «عدم المساواة».. وبالتالي ترى في امتيازاتها «حقوقاً» وتطالب بامتيازات أخرى».
ولكن ممن تتكون هذه الارستقراطية؟. إن المؤلف يعرّضها كنتاج لـ «تحالف ضمني بين مديري المؤسسات الكبرى ورجال المال والكوادر العليا في قطاعي الصناعة والخدمات وبعض الموظفين السامين لدى الدولة وأصحاب الامتيازات في حقل وسائل الإعلام».
ومن خصوصيات هذه المجموعة هي انها «تميّز بين مصيرها ومصير الآخرين، وبالتالي لا تولي أية أهمية حقيقية في خطابها لـ «الحساسية الاجتماعية». وهي تختلف عن الارستقراطيات التقليدية بأنها لا تعتمد على روابط الدم أو على التقاليد الموروثة.. وإنما تنتمي، كما تقول هي نفسها إلى ما تسميه بـ «العقلانية الاقتصادية» وبـ «الفعالية» وباختصار لها منطقها الخاص بها. على الصعيد الدولي يرى لوينيل جوسبان أن الولايات المتحدة الأميركية قد قامت بـ «تغيير مزدوج» في سياستها الخارجية، التغيير الأول يكمن في انها:
«انتقلت من زعامة متعددة الأطراف إلى هيمنة ذات توجه قومي» أما التغيير الثاني فهو انها «خرجت من نزعة محافظة عالمية قائمة على أساس صد الشيوعية والدفاع عن عدم تغيير الأوضاع القائمة إلى نوع من التحرك الدولي حيث تحول الدفاع عن الديمقراطية إلى حملة لا هوادة فيها لنصرة الخير ضد الشر،
وتقسيم العالم بكل البساطة إلى أصدقاء وأعداء». «لكن من السهل أحياناً شن الحرب أكثر من ضمان السلام» يعلق جوسبان ليشير إلى الدخول «السهل» لأميركا في العراق» وصعوبة «خروجها منه بعد أن تكون قد حققت الأهداف التي أعلنتها في الديمقراطية والسلام المدني لكن سيكون على الولايات المتحدة ان تختار على المدى الطويل «بين الزعامة والهيمنة» هذا ما يخلص إليه ليونيل جوسبان.
الكتاب: العالم كما أراه
الناشر: غليمار ـ باريس 2005
الصفحات: 336 صفحة من القطع المتوسط
Le monde comme je le vois
Lionel Jospin
Gallimard - Paris 2005
P.336
