مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور مالك شبل أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة السوربون وكان قد ولد في الجزائر عام 1953 ونال شهاداته العليا فيها حتى أصبح معيداً في الجامعة قبل أن يذهب إلى فرنسا لإكمال شهادة الدكتوراه، وهو متعدد الاختصاصات والمشارب.
فلديه تكوين معرفي عال في علم الانثربولوجيا (أي علم الإنسان بشكل عام) أو علم التحليل النفسي، وعلم الأدب المقارن.. وقد ترجم العديد من نصوص الجاحظ وبقية كبار العصر الكلاسيكي إلى اللغة الفرنسية بأسلوب ممتع جذاب، ونشر في السنوات القليلة الماضية عدة كتب مهمة، نذكر من بينها: قاموس الرموز الإسلامية (2003)، التحليل النفسي لحكايات ألف ليلة وليلة 2002 الذات الفردية في الإسلام 2002، الخ.
وفي هذا الكتاب الجديد يقوم الأستاذ شبل برد فعل قوي على الحركات الإسلامية المتطرفة التي تقدم صورة غير صحيحة وغير مقبولة عن التراث العربي والإسلامي. ففي رأيه أنها تشوهه ولا تفهمه على حقيقته ولذلك فقد آن الأوان لكي يتحرك العلماء والمثقفون ويضعوا الأمور في نصابها ويقوموا الاعوجاج الحاصل اليوم على أوسع المستويات.
وللقيام بذلك ينخرط مالك شبل في دراسة طويلة عريضة عن الموضوع تتجاوز المئتي صفحة وهو يبتدئ كتابه بمقدمة عامة تحمل العنوان التالي: هل إسلام التنوير شيء ممكن يا ترى؟ بمعنى آخر: هل يمكن أن ينتصر الفهم التنويري للإسلام على الفهم الأصولي الظلامي السائد حالياً، وجواب المؤلف هو بالطبع بالإيجاب ففي تراث الإسلام منارات ساطعة ونقاط ضوء عديدة ليس اقلها الفلاسفة والعلماء وبغداد وقرطبة والأندلس الزاهرة، الخ.
ثم يقدم الباحث الجزائري بعدئذ سبعة وعشرين مقترحاً لإصلاح الأوضاع داخل العالم الإسلامي وأول مقترح يقدمه هو ضرورة بلورة تفسير جديد للنصوص الإسلامية المقدسة من قرآن كريم وحديث نبوي شريف، ففي رأيه ان التفسير السائد حالياً حرفي جداً وخاطئ في معظم الأحيان لأنه لا يهتم إلا بالقشور ولا يفهم جوهر الرسالة القرآنية أو الإسلامية.
ولذلك فقد وجب على المثقفين وعلماء الأمة أن يقدموا تفسيراً علمياً جديداً يليق بالحداثة والعصر والقرن الحادي والعشرين ونحن لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على تفسيرات قديمة متحنطة، عفا عليها الزمن.
أما المقترح الثاني الذي يتفضل به الأستاذ مالك شبل فيتلخص بالعبارة التالية: تأكيد تفوق العقل على كل أشكال الفكر والاعتقاد الأخرى، فالإسلام هو دين العقل والقرآن الكريم حضنا كثيراً على استخدام عقولنا ولكن المسلمين نسوا ذلك بعد الدخول في عصور الانحطاط. فراحوا يتبعون الخرافات والأوهام ويلغون العقل ونحن نحصد الآن الثمار المرة لهذا الإلغاء.
ثم يردف مالك شبل قائلا: لقد نسي المسلمون أن فلاسفتهم وعلماءهم من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد، والبيروني والخوارزمي والحسن بن الهيثم وآخرين كثيرين هم الذين نقلوا العلم ونور العقل إلى أوروبا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد وأصبح العقل غريباً في ارض الإسلام بعد أن كان سيداً ومحترماً ولهذا السبب ظهرت الحركات المتطرفة الهائجة التي لا تعرف معنى العقل أو النطق والتي شوهت تفسير النصوص المقدسة أو فهمها وهكذا أصبحنا في مؤخرة الأمم بعد ان كنا في مقدمتها.
أما المقترح الثالث الذي يتقدم به مالك شبل فيقول بأن مفهوم الجهاد كما ينادي به المتطرفون خاطئ تماماً وخارج على الفهم الصحيح للشرع الإسلامي فالجهاد لم يقل في أي يوم من الأيام بتفجير المباني والباصات والحافلات وحصد المدنيين العزل بالمئات أو بالآلاف.
وبالتالي فهذا الفهم للجهاد أو للحرب المقدسة في الإسلام ينبغي أن يتوقف لكي يحل محله فهم آخر جديد يتناسب مع الشرع والعقل. أما المقترح الرابع فيتمثل في منع صدور أي فتوى تشرع الاغتيال والقتل فهذا شيء مضاد لروح الإسلام وللفهم الصحيح لرسالته ولا يحق لأي شيخ جامع كائناً من كان أن يصدر فتوى تحلل اغتيال هذا المثقف أو ذاك لمجرد أن كتاباته لم تعجبه.. هذا شيء خطير يؤدي إلى انتشار الفوضى والفتنة والرعب في المجتمع. كما وينقلب بالعاقبة السيئة على الجميع.
وهناك مقترحات أخرى عديدة لا نستطيع أن نتوقف عندها كلها من مثل: ضمان حرية المعتقد والضمير والتفكير في العالم الإسلامي، واحترام الآخر وعقائده لأنه لا يخلو مجتمع من الاختلاف، والوقوف في وجه الاغتيال السياسي عن طريق دمقرطة الأنظمة وتحديث القانون المدني وقانون الأحوال الشخصية الخاص بالزواج، والطلاق، والإرث، الخ.. فيما يخص التأويل الجديد للنصوص الدينية يرى مالك شبل انه أصبح ضرورة ملحة وعاجلة. لماذا؟ لأنه يوجد تناقض كبير بين الواقع الذي نعيشه اليوم وبين التفسير القديم لهذه النصوص.
وبالتالي فقد آن الأوان لتقليص الهوة بين الطرفين عن طريق تقديم تفسير جديد، وهذا التفسير الجديد سوف يقوم على أساس العلوم الإنسانية الحديثة: كعلم الانسانيات، وعلم الانثربولوجيا، وعلم التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم الأديان المقارنة، وبالتالي فأمامنا ورشة كبيرة للعمل والبحث العلمي وينبغي أن يحصل ذلك في الجامعات العربية. والإسلامية ذاتها فنحن لا نستطيع أن ننام نومة أهل الكهف والتاريخ يتقدم إلى الأمام بخطوات عملاقة.
وفيما يخص حرية المعتقد والضمير في العالم الإسلامي فيرى مالك شبل انها ستكون أصعب مقترح يمكن القبول به فالمتشددون يعتبرون ان حرية الاعتقاد تؤدي إلى الفوضى أو حتى الإلحاد بالتالي فينبغي تحريها بشكل قاطع ولكن المحدثين يقولون: هذا غير صحيح، فالحرية الفكرية تعني التعددية العقائدية وهذا شيء كان مقبولاً في الإسلام سابقاً أي إبان العصر الذهبي.
ولم يصبح ممنوعاً أو محرماً إلا بعد الدخول في عصر الانحطاط حيث ساد التقليد والتكرار والاجترار والمذهب الواحد، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: اختلاف أمتي رحمة.
ثم يردف مالك شبل قائلاً: إن اضطهاد التيارات العقلانية في الإسلام كالمعتزلة، واخوان الصفا، والفلاسفة من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة، كل ذلك يدل على مدى صعوبة هذه المسألة فهي بالفعل شائكة جداً. ولكن العالم الحديث، أصبح مصراً عليها ويعتبرها أحد حقوق الإنسان المقدسة.
وبالتالي فما العمل؟ هل يمكن للعالم الإسلامي أن يواصل إنغلاقه على نفسه ورفضه للتعددية الدينية والعقائدية إلى أبد الآبدين؟ مستحيل ففي عصر العولمة الزاحفة أصبح ذلك غير ممكن، وبالتالي فينبغي أن نجد طريقة للمصالحة بين الإسلام والحداثة.نقول ذلك وبخاصة أن هذه المصالحة تجد لها ركائز متينة في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
وفي ختام الكتاب يطرح الباحث الجزائري هذا السؤال: أي إسلام نريده للغد؟ والجواب هو: إسلام التنوير والعقلانية والتسامح ولا شيء غيره. وللتوصل إلى هذا الهدف النبيل والكبير ينصحنا مالك شبل بضرورة الاعتماد على الشبيبة والمجتمع المدني والتربية الحديثة.
فمعظم سكان العالم العربي أو الإسلامي هم من الشبيبة الذين تقل أعمارهم عن عشرين أو خمسة وعشرين عاماً، وإذا ما عرفنا كيف نقدم لهم التعليم الصحيح والتربية الملائمة ووظائف العمل بعد التخرج فإننا نكون قد وجدنا الحل لأزمة المجتمع العربي ـ الإسلامي فإسلام التنوير والانفتاح سيكون أو لا يكون طبقاً للمعادلة الشكسبيرية. وهو يتشكل يوماً بعد يوم من خلال المجابهة والصراع مع التيارات الأصولية التي تهيمن على الساحة بسبب العطالة الذاتية وعصور الانحطاط المتطاولة التي لم نخرج منها بعد.
وستلعب التربية وبرامج التعليم دوراً كبيراً في بلورة إسلام التنوير هذا، وبالتالي فينبغي على برامجنا ألا تصور الآخر باستمرار وكأنه سيء، أو عدو، وكافر بشكل مسبق، هذه تصورات قروسطية ظلامية عن الدين وليست تنويرية. كما أنها تصورات تؤدي إلى اشتعال الحروب الأهلية داخل المجتمع الواحد الذي يحتوي على مذاهب عدة أو طوائف دينية.
يضاف إلى ذلك أن العالم أصبح يراقبنا بعد (11) سبتمبر، و(11) مدريد، وتفجيرات لندن، وشرم الشيخ... الخ، ونحن لسنا في العالم لوحدنا، هناك أمم أخرى وأديان أخرى وعقائد أخرى، وينبغي أن نأخذ ذلك بعين الاعتبار منذ الآن فصاعداً وإلا فسوف نصطدم بأمم الأرض قاطبة.
وستكون عاقبة ذلك وخيمة بالنسبة لنا ولشعوبنا، وبالتالي فقد آن الأوان لكي نفهم الدين بشكل متسامح، مستنير بأضواء العقل، وقادر على التعايش مع أديان الآخرين وعقائدهم.
وهذه هي الثورة الكوبرنيكية التي يدعو إليها مالك شبل، ولكي تتحقق ينبغي على المجتمعات العربية أن تنفض غبار القرون الوسطى عن برامج التعليم الديني في كل المدارس والجامعات، كما وينبغي منع التيارات المحافظة جداً إن لم نقل الرجعية من بث أفكارها في المدارس لأنها لم تعد ملائمة للعصر ولأنها تزرع بذور الكره والحقد بين التلاميذ أنفسهم، فما كان صالحاً للعصور السالفة لم يعد صالحاً لعصرنا الراهن، ينبغي أن يفهم الجميع هذه الحقيقة البدهية ومن لا يتجدد ينقرض!
هذا قانون طبيعي وبيولوجي وكوني وبالتالي فقد آن أوان تجديد عقولنا وأفكارنا وبرامج تعليمنا لأطفالنا وهذا يتناسب مع روح الإسلام الذي يؤمن بالتطور والتقدم ثم يختم مالك شبل كلامه قائلاً: إن الإصلاح الذي ندعو إليه ليس عدمياً، فنحن لا نريد تدمير كل شيء لبناء الجديد على أنقاضه.
هذا مستحيل، نحن نعترف بوجود أشياء كثيرة قيمة في تراثنا ومجتمعنا، وينبغي أن ننطلق منها ونبني عليها، ولكننا نعرف أن هناك عناصر متحنطة وقشور ميتة أكل عليها الزمن وشرب، وقد آن الأوان للتخلص منها.
الكتاب: بيان من أجل إسلام التنوير
سبعة وعشرون مقترحاً لإصلاح الإسلام
الناشر: هاشيت ـ باريس 2005
الصفحات: 218 صفحة من القطع الكبير
MANIFESTE POUR UN ISLAM DES LUMIERES
27 PROPOSITIONS POUR REFORMER LISLAM
MALEK CHEBEL
HACHETTE- PARIS 2005
P. 218
