مؤلف كتاب «المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب» هو العلامة: جلال الدين عبدالرحمن السيوطي الذي ولد في «أسيوط» سنة تسع وأربعين وثمانمئة للهجرة، حيث نشأ في بيئة لها مكانتها العلمية والدينية، وقد ترجم «السيوطي» حياته في كتابه «حسن المحاضرة»

حيث قال: «نشأت يتيماً، فحفظت القرآن الكريم، ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت العمدة، ومنهاج الفقه والنحو على جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة شهاب الدين، قرأت عليه شرحه، وأجزت بتدريس اللغة العربية في مستهل سنة ست وستين وثمانمئة للهجرة، ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الامام العلامة تقي الدين الشبلي الحنفي فواظبته أربع سنوات، وكتب لي تقريظاً على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع الجوامع في العربية.

وشرعت في التصنيف سنة ست وستين وثمانمئة، وبلغت مؤلفاتي إلى الآن ثلاثمئة كتاب، سوى ما رجعنا عنه، وسافرت بحمدالله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب، ورزقت التبحر في سبعة علوم منها: التفسير، الحديث، الفقه، النحو، المعاني، البديع على طريقة العرب البلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة»، وهكذا نتعرف على حياة هذا العلامة الذي نشأ في آواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن، وكان المغول قد هجموا في منتصف القرن السابع الهجري على بغداد ـ حاضرة الدولة العباسية ـ وأتوا من فظيع الأمر ومنكر الحوادث مالا ينسى، قتلوا الخليفة، وأعملوا السيف في الش��ب

الآمن، وخربوا، وأحرقوا خزائن الكتب، ففر العلماء حيارى مذهولين وكانت الممالك الإسلامية اذ ذاك على حال من الضعف والاضطراب، العراق، وفارس أصبحتا في يد المغول، والأندلس آل أمرها إلى إمارة صغيرة، ينتقص الاسبانيون من أطرافها يوماً بعد يوم، والمغرب إمارة قد نخر فيها السوس واستسلمت للانحلال.

ولكن مصر والشام، كانتا في حوزة السلاطين المماليك، وهم قد هيأوا هذه البلاد لتحمل الزعامة الإسلامية، والقبض بزمام الحركة العلمية والأدبية والدينية والسياسية، فهرع العلماء إليها، ووجدوا في هذه الديار حرماً امناً، وظلاً وارفاً، ومورداً عذباً. وترغيباً في العلم أقام المماليك المدارس،

وأرصدوا لها العلماء، فهرع إليها الألوف من الطلاب، فكانت المدرسة الصالحية، الظاهرية، الناصرية الكاملية..، وغصت المدارس بخزائن الكتب، ونفائس المصنفات وهكذا أعيد للعلوم العربية مكانتها، فامتلأت القاهرة والاسكندرية ودمشق وحلب بالأعيان من العلماء، فكان منهم: ابن تيمية، النويري، السيوطي، المقريزي، ابن خلدون، ابن منظور، الفيروز آبادي، ابن مالك، وابن هشام.

أما كتاب «المهذب فيما وقع في القرآن من المعرّب»، فإنه يحتوي على الكلمات المعرّبة في القرآن الكريم، وهي التي وقع فيها خلاف بين علمائنا القدامى، أهي من العربية أم من الدخيل عليها، ولقد جمع المؤلف في كتابه هذا، ما ذكره «ابن حجر، وتاج الدين السبكي، وأضاف عليهما، حتى بلغ عدد الألفاظ مئة وتسعاً وعشرين لفظة وفي مقدمة الكتاب يبين لنا العلامة السيوطي، اختلاف الائمة في وقوع الألفاظ المعربة في القرآن، فالأكثرون منهم قالوا بعدم الوقوع فيه لقوله تعالى: «قرآنا عربياً، وقوله تعالى «ولو جعلناه قرآنا أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي».

وقال البعض: إنما اتفق به توارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبش بلفظ واحد.

وقال آخرون: بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم، فعلقت من لغتهم ألفاظ غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملته في أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى الفصيح ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن الكريم.

وقال آخرون: كل هذه الألفاظ عربية صرفة ولكن لغة العرب واسعة جداً، ولا يبعد أن تخفى عن الأكابر، قال الإمام الشافعي: لا يحيط باللغة إلا نبي. ثم يقدم السيوطي رأيه: إن هذه الكلمات أعجمية، ولكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن الكريم فاختلطت الألفاظ بالكلام العربي.