ما هي صورة الحياة اليومية؟ ما هي صورة السلوك اليومي للإنسان المعاصر؟ ما هي طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة ؟ تساؤلات يصادفها القارئ ضمن مجموعة كبيرة من الأسئلة التي تحاول الإجابة عنها رواية «قد لا تغادر»، للروائية والكاتبة البريطانية «فاي ويلدون».

بين أمور كثيرة افتقدها القارئ المعاصر يأتي ما يعرف بالرواية الرومانسية المبنية في تفاصيلها على الواقعية. على السلوك الواقعي في حياة شخصياتها عوضاً عن تأسيسها على الخيال الجامح.

تعتمد رواية ويلدون على ما يسمى في يومنا هذا بالعلاقات، علاقة الرجل بالمرأة،العلاقة بين الآباء والأبناء والعلاقة بين الكبار والصغار، وهو ما يرى أحدنا أنها تستبدله بالصراع حيث توجه أعمالها الروائية، خاصة، الانتقاد لحياتنا أو سلوكنا اليومي بشقيه العابث اللاهي والمؤلم غالبية روايات ويلدون تسلط الضوء على ما يسمى بسياسة العلاقات.

لذا فإن رواية «قد لا تغادر»، الرواية الخامسة والعشرين في سلسلة أعمالها الروائية، تحتوي هي الأخرى على وقفة تأملية للتجربة الإنسانية بمستوييها الاجتماعي العام والمنزلي شديد الخصوصية.

في سيناريو شبيه بسيناريو قصة تقليدية من قصص الجدات، التي ربما كانت بطلتها امرأة عادية لا تقوم بوظيفة أكثر من وظيفتها الأنثوية البحتة، تهز المهد وتستغرق في التفكير في حياتها، تنجح ويلدون في تجسيد صورة المرأة العصرية الشابة التي يستولي عليها التوتر جراء التفكير في أمورها الحياتية المعقدة، التي تتطلب مواجهة خاصة.

تدور تفاصيل الرواية حول معاناة بطلتها «هاتي» الأم الشابة التي تواجه أصعب المواقف في حياتها عندما تشعر بأن حياتها مهددة من قبل مدبرة المنزل التي تأتي للإشراف على طفلتها الوحيدة، «كتي»على نحو غير مسبوق.

تتغلغل «أغنيسكا» في أعماق حياتها بدءاً بارتداء ملابسها ومتعلقاتها الخارجية والظهور بمظهر شبيه بمظهرها وانتهاءً بالاستحواذ على مشاعر زوجها وإيذاء طفلتها، والتجسس عليها، وإفشاء أسرارها العائلية وبيعها للصحف المهتمة بقصص الإثارة على اعتبار أنها أسرار حياتها الشخصية (مذكرات مربية) غير أن تفاصيل الرواية لا تأتي على لسان بطلتها وإنما على لسان «فرانسيس» وهي شخصية قريبة الشبه بشخصية ويلدون، تلعب دور الراوي دون أن تكون «الأنا الثانية» للمؤلفة.

تبدأ الرواية بمشهد حياتي عادي، هاتي ومارتن أبوان يعمل أحدهما وهو مارتن صحافياً في جريدة سياسية والأخرى، هاتي، في وكالة أدبية وعلى الرغم من انشغالهما في الوظيفة ومتابعتهما المستمرة لقضايا السياسة، الإصلاح السياسي ومشكلات الهجرة واللجوء السياسي والمساواة بين الجنسين، إلا أنهما متفانيان من أجل توفير الحياة الأفضل لابنتهما التي يحضران لها مربية شابة من إحدى دول أوروبا.

ما أن تصل المربية، أغنيسكا، حتى يشعر الاثنان بقرب انتهاء أزمة الشعور بالإحباط والتوتر التي تلازم كل منهما جراء الضغوط المفروضة عليهما في المنزل والوظيفة.

كما أن القادمة الجديدة تبدو في حد ذاتها عرابة ساحرة يدخل وجودها في المنزل الشعور بالنظام والطمأنينة والراحة، وإلى جانب هذه الأشياء تصبح الأمور أكثر حملاً على التفاؤل فهي متدينة، متخصصة في مجال علم نفس الأطفال، تحب الحيوانات الأليفة ولديها مهارة في الرقص.

«تضيف ويلدون إلى هذا المزيج من الوصف الساخر بناءً روائياً معقداً بينما تسند مهمة السرد إلى جدة هاتي، فرانسيس وات ( 72 عاماً)، التي تروي في الوقت ذاته قصص شقيقتها الروائية سيرينا وابنتها لالي. هذه التقنية تتيح لويلدون فرصة التعليق على التوجهات المختلفة عبر الأجيال المتعاقبة المتعلقة بتربية الأطفال والأمهات العاملات، كما تسمح لخيالها باختراع المزيد من القصص التي تدور موضوعاتها حول الحياة الزوجية، والعملية، والمنزلية، والحب والأطفال، وكلها مميزة بالذكاء».

«إن فرانسيس تتولى كذلك مهمة لفت انتباه القارئ إلى حالة هاتي الاجتماعية، و إلى دخول شخصية إضافية إلى حياتها العائلية هي امرأة أخرى تأتي مما يسمونه أوروبا الجديدة: «لا بد وأنها ستكون متلهفة على الحياة ، إن التوجهات الثقافية القديمة التي كانت تنص على حماية الرجل للمرأة قد تلاشت بسرعة.» إن ما يصلنا من الأجيال السابقة هو حكايات تحتوي على الموعظة والتحذير.

رواية ويلدون الجديدة «قد لا تغادر» تأتي بمثابة الرد على ما تشهده حياتنا المعاصرة من توتر، فهي ترصد كل ما يدور فيها من تفاصيل وما تحتوي عليه من شخصيات وحوارات لها علاقة بالواقع وتحديداً الواقع الاجتماعي. إلا انها على الرغم من ذلك لا تخلو من لمسة إبداعية جميلة تتجلى في تقنياتها المتطورة باستمرار وربما كان الأهم من ذلك تضمينها نظرتها الواقعية للحياة.

تصنف رواية ويلدون ضمن الإبداع النسائي . وهي تهتم بالتجربة الإنسانية انطلاقاً من تجربة المرأة مؤكدة على أهمية البحث في هذه الجزئية دون إغفال دور الرجل. وعلى صعيد مساهمتها المجتمعية تعتبر من أهم الأصوات الناشطة في مجال المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة. كما أن من يعرفونها يعرفون أنها كرست ما يقارب 38 سنة من حياتها من أجل الكتابة عن المرأة.

حيث تظهر المرأة في أعمالها معرضة للضغوط الحياتية المفروضة عليها إما من قبل الرجل أو من قبل الأبوين أو الأبناء أو أطراف أخرى. غير أن هذا النموذج الأنثوي الذي تقدمه للقارئ لا يحمل على القلق تجاهه فهو لا يستسلم في النهاية وبدلاً من ذلك يجد خلاصه في تأمل تجربته وفي البحث عن مخرج.

ولا بد من أن القارئ لا يزال يحتفظ في ذاكرته بصورة حية لبطلات من امثال«روث» الشخصية الرئيسية في رواية «حياة وغراميات امرأة شريرة» التي لم تدخر وسيلة للانتقام من طليقها وزوجته الجديدة، أو «ألكساندرا» أو «أنت» التي يخاطبها زوجها بقوله: «إن اهم شيء بالنسبة لك هو الا ترهقي نفسك بالتفكير. ينبغي لك أن تقبلي بالأمور».

قد يتساءل أحدنا عن المصادر التي تستقي منها ويلدون موضوعاتها وربما تبين للكثيرين أن الكثير من موضوعاتها وثيقة الصلة بحياتها وتجاربها الشخصية أو تجارب أشخاص مقربين منها ومع ذلك فهي لا تخفي تأثرها بما تشاهده من أعمال سينمائية وتلفزيونية درامية أو تقرأه في الصحف والمجلات من موضوعات تلقي الضوء على حياة المرأة والرجل المعاصرين بشكل يومي.

نشأت ويلدون في كنف أمها المطلقة في نيوزيلندا في منزل كانت تعيش فيه مع شقيقتها وجدتها. ويأتي في تصريحاتها قولها إنها «نشأت على الاعتقاد بأن العالم لا يوجد فيه غير الإناث» وهو ما قد يكون السبب في تعميق رأيها في مسألة الصراع بين الجنسين التي تعبر عنها أعمالها الروائية خير تعبير.

تعلق على هذا «في مرحلة من المراحل، كانت الكاتبات اللاتي يتطرقن إلى مسألة الجنس وتأثيره في حياة الناس والسياسة يصنفن على أنهن يحملن العداء للرجل كما هو مأخوذ عن التيارات النسوية القديمة.

الآن تلاشت هذه النظرة وتغيرت المرحلة، حتى انها في تعليقاتها الاجتماعية أصبحت توجه النقد للمرأة» كنت في السابق أوجه النقد للرجل عندما كان يستحق أن يوجه إليه القسط الأكبر من النقد فعلاً في حين يبدو لي الآن أن المرأة بدأت تتصرف على نحو أسوأ كثيراً من ذي قبل.»

وربما كان اقتناعها بأن تعدد شرائح شخصياتها، على نحو لم يعد الأمر فيه قاصراً على الكتابة عن فئة معينة إضافة إلى تناولها موضوعات تهم قطاعاً أكبر من القراء الذين تسلط رواياتها الضوء على حياتهم المعاصرة، هو ما يجعل هذه الروايات مناسبة لتطلعات الجنسين.

ويبدو كذلك أن فاي ويلدون، كما تقول، لم تسع إلى الكتابة بل إن الكتابة هي التي كانت تسعى إليها باستمرار فقد انهمكت في الكتابة دون سابق إنذار إذ لم يسبق لها أن كتبت شيئاً كالخواطر في طفولتها، كما كانت تكره كتابة الرسائل كانت أمها تكتب الرواية وكذلك جدها وخالها. كلهم كانوا يكتبون. أما هي فكانت تقرأ.

في الحادية عشرة، قرأت كل ما كانت تحتوي عليه المكتبة العامة من الكتب، وهي تقول : كنت أمارس القراءة في كل مكان وقد بدأت بكتابة قصتين، كتبت إحداهما في سن العاشرة. كان موضوعها يدور حول الافتراق في محطة القطار. يمكنني تخيل هذه القصة الآن. كنت اشعر بالدهشة تجاه قدرتي على اختراع الشخصيات والأحداث والمشاعر.

الكتاب: قد لا تغادر

الناشر: دار فورث إيستيت ـ لندن 2005

الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط

She May not Leave

Fay Weldon

Fourth Estate - London 2005

p. 288