مؤلفة هذا الكتاب مضاوي الرشيد، كاتبة وأكاديمية سعودية، تعمل كأستاذة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية بكلية كينغز، جامعة لندن، وأصدرت عدة مؤلفات، منها: «السياسة في واحة عربية»، و«تاريخ العربية السعودية بين القديم والحديث». وفي كتابها «مأزق الإصلاح في السعودية في القرن الحادي والعشرين» تناقش المؤلفة مسببات الأزمة التي يعيشها مشروع الإصلاح في السعودية، مستعرضة أهم العوائق والإشكاليات التي تقف أمام تحقيقه.

لكنها لا تكتفي بالقول بعدم رغبة الحكم في تحقيق الإصلاح، بل تحاول الكشف عن الالتباس المرافق للدعوات المطالبة بالإصلاح، وعدم توحد أطياف المعارضة السعودية حول مشروع إصلاحي متكامل. والناظر في تاريخ العربية السعودية، يجد أنه منذ النصف الأول من سبعينات القرن العشرين المنصرم،

أخذت المملكة العربية السعودية تظهر على الساحة الدولية، حيث ازدادت أهميتها لأسباب اقتصادية وسياسية معينة، منها ارتفاع أسعار النفط الذي تحول إلى عملة استراتيجية في وقت توضحت فيه هزيمة الأنظمة العربية التي رفعت شعار التصدي للمدّ الغربي وللاحتلال الصهيوني لفلسطين.

وانتقلت السعودية من الهامش العربي لتحتل منزلة الصدارة، فأصبحت، بأرضها وشعبها، محوراً جديداً على خارطة العالم العربي، تَبلورَ على أنقاض الهزيمة والانكسار العربي. وحاولت المملكة السعودية أن تجند إنتاجها ومدخولها من النفط بوصفها أكبر الدول المنتجة والمصدرة لهذه المادة الحيوية للاقتصاد العالمي، وكذلك رمزيتها الدينية المتمثلة بوصفها حامية الحرمين الشريفين، لتكريس موقعها الجديد على الخارطة السياسية الإقليمية والدولية.

لكن هذا الموقع الجديد بدأ يأخذ أبعاداً لم تكن هذه الدولة مستعدة لتحمل مسؤولياته وتبعاته. إذ أنها لا تملك من المؤهلات الفكرية والسياسية والتاريخية ما يهيئها للعب هذا الدور القيادي، كونه يتطلب ما هو أكثر من براميل نفط وثراء فجائي هزً المجتمع وقلب معاييره وغير ملامحه الاجتماعية والرمزية والمعنوية.

وترى المؤلفة أن المملكة السعودية بدأت تطل برأسها على العالم مترقبة دوراً قيادياً على مستوى القضايا العربية، ولم يكد يمضي عقد واحد حتى تلقت أول انتكاسة في الصميم لهذا الدور، سلبتها شرعيتها الاقتصادية والدينية. وجاءت حرب الخليج الثانية (1990 ـ 1991) لتكرس عودة استعمار جديد للمنطقة، ولتتحمل هي من خزينتها واقتصادها نتائج هذه الحرب وكلفتها.

وتضاهي هزة 1991 وتأثيرها على السعودية بأبعادها هزة 1967 التي ضربت أنظمة المواجهة العربية. فمواجهة عام 1991 كانت بمثابة عودة نوع جديد من الاستعمار والهيمنة الغربيين على المنطقة تحت ذريعة تحرر الكويت، وكردّ على العمل الاستفزازي المتمثل بغزو صدام وجيشه لهذه الدولة.

ولم يكد القرن الماضي يشارف على نهايته، حتى أنتج المجتمع السعودي طبقات اجتماعية جديدة، منها ما هو مرتبط بالرأسمالية النفطية، ومنها ما هو مبعد ومستثنى منها. كما أن هناك من هو مرتبط بالسلطة ومستفيد منها بشكل يرتهن مصيره بمصيرها، ويعرف أيضاً أن ديمومته متعلقة بديمومتها، ومنها ما هو مهمش لسبب تاريخي أو سياسي أو حتى طائفي أو مناطقي.

وقد تزامن مع الشرخ الفكري والثقافي في المجتمع السعودي، شرخ اقتصادي وآخر مناطقي وسياسي، حيث أدت هذه التركيبة الحالية الجديدة إلى نشوء طبقة تكنوقراطية ذات خبرات ومهارات عالية، ولكنها مفرغة سياسياً وأيديولوجياً.

وكان همها كسب الثروات وتسيير مصالحها عن طريق لعب دور الوسيط بين الرأسمالية العالمية والسوق المحلية، وجنت نتيجة لهذا الدور أرباحا طائلة بعد أن تسلحت بعلاقة حميمة مع الدولة وتعليم عالٍ ومهارات مكتسبة من الخارج في معظمها.

وتبلورت مقابل هذه الطبقة فئة كبيرة حُرمت من فرص الثراء في السبعينات والثمانينات ومن فرص التعليم واكتساب خبرات من الخارج، فظلت مهمشة، وازداد عدد المنتمين إليها في التسعينات بسبب الضائقة الاقتصادية و ديون الدولة التي نجمت عن دفع فاتورة حرب الخليج الثانية.

وكانت العلاقات الأميركية ـ السعودية في ستينات القرن العشرين المنصرم موضوع جدل ونقاش من قبل المحيط العربي، إلا أن هذا النقد «الخارجي» لم يجد حينها صدى له في الداخل السعودي، إلا في التسعينات، حين تطورت هذه العلاقة إلى مادة جدل ومجابهة مع الدولة.

وقد تصدر التيار الإسلامي المسيَّس في التسعينات حلبة النقد حتى تصور البعض أن صراعه مع السلطة يمكن أن يُختزل بموضوع العلاقة مع الولايات المتحدة، التي كان ينظر إليها المتشدد على أنها تمهد لتقهقر «السيادة الوطنية» والغزو «الفكري الغربي» و«انتهاك الدين وأصوله» و«انحلال المجتمع وأخلاقياته».

وعندما جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتورط خمسة عشر مواطناً سعودياً بالهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون، فإن كانت بمثابة ضربة أحدثت صدى كبيراً لها في السعودية، دولةً وشعباً.

وتلت هذه الضربة الحرب على الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة التي نتج عنها، حتى الآن، غزو أفغانستان عام 2001 وغزو العراق عام 2003. وكان واضحاً من سياق الأحداث، أن الحرب على الإرهاب هي نوع جديد من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة ودول أخرى ضعيفة وفقيرة، أو أفقرتها الولايات المتحدة عن طريق عقوبات اقتصادية، كما حصل في العراق.

وظهرت آثار العنف السياسي والتفجيرات في شوارع العاصمة السعودية والمدن الأخرى،

وذهب ضحيتها عشرات القتلى من المواطنين والأجانب. واشتدت المواجهة بين «التيار الجهادي» ورجال الأمن، خصوصاً بعد احتلال العراق، واشتدت كذلك الضغوطات المطالبة بالإصلاح في عام 2003، حيث قدمت إلى الحكم أكثر من ست عرائض تناشد بالإصلاح الحقيقي الذي يشمل مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وتعتبر المؤلفة أن رد فعل الدولة كان مخيباً لأمل الموقعين على عرائض الإصلاح في الداخل، حيث اعتبرت هذه المطالبة كنوع من الضغط عليها، واكتفت بإعلان رغبتها في إصلاح تقرر هي مسيرته وشكله وهدفه.

لكنها ترى كذلك أن هنالك عدداً من السعوديين ممن يتبنى سياسة «لننظر ونرى»، أملاً في ثورة مخملية أو بيريسترويكا خلف الستار. وليس هناك إجماع اليوم في السعودية على عملية التغيير ومادتها، بالرغم من وجود إجماع على الحاجة إلى الإصلاح، بوصفه مطلباً عاماً لا يزال بحاجة إلى عملية غربلة، وأصبح المجتمع في حالة استقطاب حاد بما يجعل صناعة ثورة مخملية أو صامتة أمراً غير ممكن.

وبعد أن ازداد النقاش والحوار بين المثقفين السعوديين في الداخل والخارج حول موضوع «الإصلاح» بوجوهه السياسية والاجتماعية والقضائية والاقتصادية والتربوية وتحضير البيانات وجمع التواقيع ورفعها إلى رؤوس الدولة ضمن إطار عمل جريء يكلف القائمين به الكثير من المخاطر، فإن المطالبين بالملكية الدستورية قد وصلوا إلى نتيجة ربما كانت متوقعة، ولكنها تأخرت بعد أن ماطل الحكام بالإفصاح عن رأيهم بها من باب التمويه والمماطلة وتأجيل المواجهة الحادة مع نخبة من أبناء البلد المثقفين أصحاب الخبرات والمهارات في المجالات المتعددة.

وبناء على ما تقدم تعتبر المؤلفة أن المملكة السعودية تمرّ في ظروف عصيبة، حيث تدخل الدولة والمجتمع مرحلة حرجة، يكثر فيها التصارع الفكري والسياسي والاجتماعي تحت ظروف اقتصادية صعبة، وفي ظل حقبة تاريخية فريدة من نوعها، أهم ملامحها الهيمنة الأميركية المباشرة على المنطقة المتمثلة باحتلال العراق.

وتترافق هذه الفترة مع انغماس السعودية في متاهات «الإصلاح» الذي لم تتضح معالمه بعد، بالرغم من مرور فترة على البيانات المطالبة بالتغيير. والدولة السعودية اليوم حريصة على أن تبين أن أي إصلاح تتبناه هو وليد إدارة ملكية تتجاوب مع الشعب ومتطلباته، وليس نتيجة ضغوط خارجية أميركية.

ولكن من الصعب التصديق أن رغبة الإصلاح هذه نتيجة بعد نظر السلطة. فهي اليوم غير قادرة على فصل الإصلاحات المزعومة في مجال السياسة والاقتصاد والتعليم والتربية والمجتمع عن الإرادة الأميركية التي تضغط عليها، ليس حباً بالإصلاح وإنما تشفياً منها، ورغبة في قهرها وكسر إرادتها.

وبصدد رهانات المستقبل، ترى المؤلفة أنه من الممكن حدوث تغيير فجائي نحو الإصلاح، لكنها ترجح وجود سيناريو آخر في التغيير، قد لا يكون خياراً في المستقبل القريب، ولكن لا يمكن استبعاده على المدى البعيد. ويفترض هذا السيناريو وقوع «انقلاب ملكي» يؤدي إلى استبدال الطبقة المعمرة في العائلة المالكة والمجيء بأخرى أكثر حيوية ونشاطاً.

وهناك أيضا احتمال وقوع «انقلاب إسلامي»، يمكن أن يتم بتنظيم التيار الحركي. أما الاحتمال الثالث فهو انقلاب «إسلامي ـ ملكي». لكن هذه الاحتمالات ليست خيارات سهلة، والسنوات القليلة المقبلة قد تحمل تغييراً إصلاحياً مختلفاً، يمكن ترجمته بعملية لبرلة من دون دمقرطة، من خلال انتخابات تعيد رسم الخارطة السياسية، وتساهم في زيادة مشاركة الجماعات المهمشة.

بالمقابل، فإن أي تغيير حقيقي ينهض بالأمة لن يحصل من دون حوارات عميقة وإرادات خارجية ومراسم ملكية، مع أن أية نهضة حقيقية سيكون لها ثمن باهظ، وتحتاج إلى شرائح ملتزمة بمسيرة النهضة، وتنذر نفسها في طريق تحقيقها وتثبيت دعائمها الفكرية والاجتماعية.

عمر كوش

الكتاب: مأزق الإصلاح في السعودية

في القرن الحادي والعشرين

الناشر: دار الساقي ـ بيروت 2005

الصفحات: 182 صفحة من القطع الكبير