هذا الكتاب يعد النسخة العربية اذا صح التشبيه لكتاب وليام بلوم «الدولة المارقة.. دليل إلى الدولة العظمى الوحيدة في العالم» والذي يقدم خلاله الكثير من أوجه الانتقاد للأسس التي تقوم عليها السياسات الأميركية ليس على مستوى إدارة بعينها وإنما مختلف الإدارات.

ويحفل الكتاب الذي نعرض له بالعديد من الجوانب التي يراها المؤلف سلبية وتستحق الانتقاد في الأسس التي قامت عليها الدولة الأميركية متطرقا في ذلك بالتفصيل إلى العديد من القضايا والأحداث التي تدعم ما يذهب إليه.

بداية يشير المؤلف إلى ما أفرزته تطورات النصف الأول من القرن العشرين سواء ممثلة في الصراعات بين الأقطاب الاستعمارية المختلفة التي كانت موجودة في ذلك الوقت أو في الحربين العالميتين اللتين شهدتهما تلك الفترة الأولى والثانية من ظهور قوتين عظميين هما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية، مما كان يخلق نوعا ما من توازن القوى في العالم في ذلك الوقت بوجود مثل هاتين القوتين المتوازنتين إلى حد ما.

غير أنه يشير إلى أن الوضع الدولي تغير كثيرا بعد انتهاء الحرب الباردة بين هذين القطبين وانهيار الاتحاد السوفييتي حيث ظهر على مستوى النظام الدولي ما بات يعرف بالقطبية الأحادية وهو ما يعني وجود قوة واحدة مسيطرة في هذا العالم والمقصود بهذه القوة بالطبع الولايات المتحدة الأميركية.

ومن هنا يطرح المؤلف السؤال حول ماهية التحولات التي سادت النظام الدولي بعد سيطرة هذه القوة الوحيدة أو القطب الأوحد متسائلا حول مدى قيامها بالتعامل مع الآخرين باحترام ما تدعيه من أسس الديمقراطية واحترام الآخر وحق تقرير المصير وغيرها من الشعارات التي طالما أصابنا الصداع من سماعها من قاطني البيت الأبيض .

يضيف المؤلف: وهل ما تدعيه الولايات المتحدة من مقاومتها للإرهاب بضرب المدنيين ومهاجمة دول بأسرها والاستيلاء عليها وعلى مقدرات شعوبها هو من أجل حماية مواطنيها ؟ أم هو مجرد ذريعة لتحقيق مصالح اقتصادية أو غير اقتصادية على حساب شعوب العالم؟

في محاولة الإجابة على هذه التساؤلات يرصد الكاتب التاريخ الدموي للعم سام ومدى زيف ما يدعيه من شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها الكثير.

وفي سياق تناوله بدأ الكاتب استعراض الموضوع منذ نشأة الولايات المتحدة الأميركية وأول أبناء العم سام «كريستوفر كولومبس» والذي بمجرد أن وطأت قدماه أرض الهنود الحمر ـ والتي عرفت بأميركا فيما بعد ـ أخذ يكتب في مذكراته عن مدى تخلف هؤلاء القوم وعدم معرفتهم بأي نوع للأسلحة سوى العصي والحراب، ثم كتب كولومبس«أستطيع أن استولي على كل هذه الأراضي بخمسين فقط من رجالي وأن أحكمها كيفما أشاء».

ولم يفت كولومبس أيضا أن يصف مدى الكرم الذي لاقاه من جانب هؤلاء القوم الذين لم يضنوا عليه وعلى من معه بأي شيء من المتاع الذي كانوا يملكونه. ولكن كيف يرد كولومبس لهم المعروف ؟ أخذ يقتل ويعذب فيهم هو ومن معه بغية إبادتهم والاستيلاء على أرضهم.

ومن هنا استنتج الكاتب الأسس التي قام عليها الفكر الأميركي في تعامله مع الآخرين ومدى دموية هذا الفكر ثم تطرق الكاتب لرصد ظاهرة هي من أهم الظواهر ألا وهي لجوء الأميركيين إلى العنف حتى في تعاملهم مع بعضهم البعض، فتحت مسمى الإرهاب الداخلي أخذ الكاتب يشير بالدلائل إلى هذا الأمر والذي من أمثلته انتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة التي طالما كانت ولا تزال تنادي باحترام حقوق الإنسان وتتهم بعض الدول بعدم احترام حقوق الإنسان.

ثم يقدم المؤلف مثالا آخر يتعلق بقضية الديمقراطية والتي لا تكف الولايات المتحدة عن التشدق باسمها مشيرا إلى أن الرئيس الأميركي يمكنه الفوز إذا ما فاز بأصوات 50% من أعداد المنتخبين وليس من أعداد من يحق لهم الانتخاب، كما أن القانون الأميركي لم يمنع التبرع لصالح المرشح للرئاسة مما يدعو للتفكير في كيفية رد تلك التبرعات.

كما أن العنف في المجتمع الأميركي يفوق مثيله في المجتمعات الأخرى، فوفقا للإحصائيات الأخيرة فقد كان هناك أكثر من مئتي مليون قطعة سلاح موزعة بين أيدي المدنيين في الولايات المتحدة أي ما يوازي قطعة سلاح لكل مواطن أميركي وقد فاق عدد متاجر بيع الأسلحة المئة ألف، كل هذا وغيره من الأدلة التي ساقها الكاتب تدل من وجهة نظره على مدى النزعة العنفية لدى الأميركيين.

واستمرارا لرصد الكاتب للإرهاب الأميركي ولكن على الساحة الخارجية يشير إلى أنه في بداية هذا القرن ومع أفول نجم الإمبراطورية الاسبانية وصعود نجم الإمبراطورية الأميركية بدأت جرائم أبناء العم سام في الوضوح والتجلي في الفلبين والتي كانت مسرحا لعمليات الذبح والقتل والتعذيب ضد المقاومين ممن يطالبون برحيل القوات الأميركية والتي كانت قد دخلتها بحجة الحرية والمساعدة على التخلص من الاستعمار الأسباني، رغم أن الهدف الرئيسي من وراء ذلك هو استبدال الاستعمار الأسباني بآخر أميركي!

ثم انتقل الكاتب إلى حقبة زمنية أخرى وهي حقبة الأربعينات والحرب العالمية الثانية، فعلى الصعيد الأوروبي قامت القوات الأميركية بقصف مدينة «روين» الفرنسية والتي كانت تحتوي على مجموعة صغيرة من الجنود الألمان المتحصنين بها لحين انتهاء الحرب ولكن الأميركيين كان لهم رأي آخر حيث قاموا بقصف المدينة بما تحويه من جنود ألمان ومدنيين فرنسيين.

وليس هذا هو المثال الوحيد فقد قامت القوات الأميركية بقصف مدن أوروبية كل واحدة منها لها قصة توضح مدى بشاعة الإرهاب الأميركي، وعلى الصعيد الياباني هناك أشهر حادثة حربية على الإطلاق وهي قصف مدينتي هيروشيما ونجازاكي بالقنابل النووية وبدء عصر جديد يتمثل في الاستخدام الفعلي للقنبلة النووية بعد أن كانت مجرد سلاح للردع.

ثم انتقل الكاتب إلى نوع أخر من الإرهاب الأميركي غير المباشر وهو الإرهاب الذي كانت العصابات الصهيونية تمارسه في فلسطين فهو وإن لم يكن بأيدٍ أميركية فقد كان بمساندة ودعم الولايات المتحدة الأميركية، وقد أورد الكاتب الجرائم المختلفة التي ارتكبت في حق المدنيين العزل من أبناء الشعب الفلسطيني على يد تلك العصابات الصهيونية في تلك الفترة والتي كان من أشهرها مذبحة «دير ياسين».

ثم انتقل الكاتب إلى العقد التالي وهو عقد الخمسينات بادئاً بتوضيح ما حدث من إرهاب أميركي في شبه الجزيرة الكورية والتي كانت القوات الأميركية قد دخلتها عقب هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، حيث استبدلت ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ الحكومة الوطنية التي كانت قد تكونت من المقاومين ضد الاستعمار الياباني بحكومة «سيجمان ريه» التي اشتهر أفرادها بالعمالة لصالح اليابانيين خلال فترة احتلالهم للبلاد، وأخذت تلك الحكومة تقتل وتبيد كل الوطنيين من الذين لم يرضوا عنها ولا عن سادتها من الأميركان.

ويستمر الكاتب في رصد الإرهاب الأميركي، وفي عقد الستينات يوضح الكاتب ما ارتكبته القوات الأميركية من جرائم في بلد من أجمل بلدان العالم وهي اليونان حيث أشعلت الولايات المتحدة نيران الحرب الأهلية بين الوطنيين ممن قاوموا النازي في الحرب العالمية الثانية وطغمة من الفاشية المدعومين من الولايات المتحدة الأميركية والتي كانت قد أنشأت جهاز الأمن اليوناني مستفيدة بخبرات الضباط النازيين الذين تم إلقاء القبض عليهم عقب الحرب العالمية الثانية،

وقد كانت مهمة هذا الجهاز هي قتل وترويع وتعذيب الوطنيين ممن يعارضون هذه الحكومة الفاشية، وقد أخذ الكاتب يوضح تفاصيل أكثر خلال حديثه عن الإرهاب الأميركي ضد اليونانيين وغيرهم من الشعوب مثل شعوب كل من كوبا وفيتنام ولاوس خلال حقبة الستينات.

كما أن الولايات المتحدة لم تكتف بهذا كله بل ارتكبت أفظع الجرائم من قتل جماعي وقصف جوي فوق رؤوس المدنيين، وبشهادة أحد المسؤولين الأميركيين السابقين والذي لم يرض أن يكون أحد الصامتين تجاه تلك الجرائم وهو «رامزي كلارك ـ وزير العدل الأميركي الأسبق» والذي قال «إن الشعب الكوري مثله مثل الشعب الفيتنامي قاسى الأمرين والكثير من المذابح على يد جنود الاحتلال الأميركي».

ثم أوضح الكاتب العديد من المذابح التي تم ارتكابها في حق الشعب الكوري على يد قوات الاحتلال الأميركي مثل تلك المذبحة التي تم الاعتراف بها عام 1999 والتي سميت بمذبحة «توغن ري » وفي نفس العقد امتد الإرهاب الأميركي ليشمل واحدة من أصغر وأفقر بلاد العالم وهي «غواتيمالا» تلك البلدة التي تعتبرها الولايات المتحدة كغيرها من دول أميركا الوسطى الفناء الخلفي لها لذا لابد أن تحكم بسياسة أميركية ـ ففيها دبرت الولايات المتحدة الأميركية انقلاباً عسكرياً للإطاحة بالحكومة الوطنية التي كانت قد أطاحت بالنظام الفاسد في هذا البلد، وبدأت المجازر على يد القتلة من المرتزقة ـ المدعومين أميركيا ـ بعد أن اعتلى هؤلاء القتلة عرش البلاد.

ثم انتقل الكاتب إلى حقبة السبعينات وما شهدته دولة مثل تشيلي التي ما إن فاز رئيسها «سلفادور الليندي» المنتخب ديمقراطياً والمتوقع أن يسبب الكثير من المشكلات لأرباب البيت الأبيض، حتى ثارت ثائرة أبناء العم سام وأخذوا يخططون ويدبرون للإطاحة بـ «الليندي» وكعادتهم في إثارة الفتن والحروب أخذوا يشجعون قادة الجيش على التمرد والإطاحة برئيسهم حتى انتهى الأمر بقتله على أيديهم، ثم تولى أحد السفاحين والمدعو «أوغستو بينوشيه» منصب الحاكم العسكري لتشيلي ثم أخذ الكاتب يسرد تفاصيل ما حدث في كل من تشيلي وكمبوديا خلال هذا العقد من الزمان.

ثم تطرق الكاتب إلى حقبة الثمانينات وما شهدته من عمليات إرهابية أميركية في ليبيا ونيكاراغوا وكولومبيا والسلفادور، ومنها إلى عقد التسعينات الذي كانت أبرز أحداثه هي حرب الخليج الثانية أو «عاصفة الصحراء» كما يسميها الأميركيون والتي ارتكبت فيها القوات الأميركية أفظع المجازر ضد أبناء الشعب العراقي والتي مازال أثرها باق حتى نهاية هذا العقد وما بعده حتى توج الأمر في النهاية باحتلال العراق،

وقد ذكر الكاتب الجرائم المختلفة التي ارتكبت ضد العراقيين مثل ما حدث في ملجأ العامرية، وما فرض على العراق من عقوبات اقتصادية ومناطق حظر للطيران ومفتشي الأسلحة وغيرها من أساليب الإرهاب الأميركي. ثم انتقل من العراق إلى ما قامت به القوات الأميركية في الصومال وحربها على يوغوسلافيا والذي إتخذ فيها ذريعة التطهير العرقي اليوغوسلافي ضد المسلمين كمبرر للحرب ولكن الحقيقة التي أوردها الكاتب كانت مغايرة لذلك تماما،

وانتقالا إلى الألفية الجديدة وما شهدته من مجازر ومذابح في أفغانستان على يد القوات الأميركية وتلك المجموعة المسماة بتحالف الشمال والتي كان أشهرها مذبحة «مزار الشريف» وغيرها مما أورده الكاتب من جرائم حرب ارتكبت في أفغانستان.

وفيما يبدو نوعاً من الحرص على التوثيق لمادة كتابه يخصص المؤلف في نهاية الكتاب بعض الملاحق الخاصة بالأقوال المشهورة لمسؤولين أميركيين وكتاب وغيرهم ومنها الخاصة بالقائمة السوداء الأميركية للجماعات على مستوى العالم، ومنها ما هو خاص بتواريخ الاعتداءات الأميركية من حروب واغتيالات وغيرها، ومنها ما هو خاص بأسماء المراجع التي استقى الكاتب منها معلوماته.

ألفت عبدالله

الكتاب: حضارة الدم وحصادها..

فصول من تاريخ الإرهاب الأميركي

الناشر: الزهراء للإعلام العربي القاهرة 2003

الصفحات: 444 صفحة من القطع المتوسط