يتعرض الإسلام حاليا لحملة شرسة من جانب أعدائه متهمين إياه بأنه دين يفرز العنف بطبيعة تعاليمه العقائدية والعملية، مستغلين في ذلك بعض الحوادث الإرهابية التي ترتكبها بعض الجماعات المنسوبة إلى الإسلام بحجة أن ذلك جهاد في سبيل الله، وردا على هؤلاء وأولئك يقدم الشيخ يوسف القرضاوي كتابا بعنوان «الإسلام والعنف.. نظرات تأصيلية» يبين فيه موقف الإسلام والمسلمين من قضية العنف.

الكتاب صدر مؤخرا بالقاهرة عن دار الشروق ويقول القرضاوي إنه أراد بهذا الكتاب أن يكشف الحقيقة لمن يجهلها وأن يذكر بها من يعلمها ويرد المفتريات ويزيح الشبهات عن هذا الدين العظيم الذي ساهم بعض أبنائه في تشويهه جهلا منهم. في بداية الكتاب يشير القرضاوي إلى أن تعريف العنف في المفهوم الشائع هو استخدام القوة المادية أو العسكرية لقهر الخصوم بلا ضابط من شرع أو خلق أو قانون وبلا مبالاة بما يحدث من جرائها من أضرار على المدنيين والأبرياء

وأكثر من اشتهر العنف في عصرنا في المجال السياسي وأكثر من يتهم هم المسلمون وأكثر من يتهمهم به الغربيون بينما الواقع يقول إن الغربيين هم أكثر الناس عنفا وان المسلمين في العالم كله هم ضحايا العنف ودماءهم وحرماتهم مستباحة في كل مكان، ويضيف القرضاوي أن العنف في رأينا هو استخدام الشدة والغلظة في غير موضعها أو في غير أوانها أو بأكثر مما يلزم أو بغير حاجة إليها أو بدون ضوابط استعمالها

فالعنف في نظر الإسلام لا يقتصر على القوة المادية والعسكرية بل يشمل فيما يشمل الكلام والجدال والإسلام يرفض العنف بلا مسوغ سواء كان في القول أم في الفعل،ولهذا كان منهج الدعوة في الإسلام قائما على الرفق لا على العنف .

كما قال تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» النحل 125 يأمر عباده المؤمنين أن يتحروا في خطابهم لغيرهم الكلمة التي هي أحسن وليس مجرد الكلمة الحسنة، فإذا كانت هناك كلمتان أو عبارتان إحداهما حسنة والأخرى أحسن منها،

فعلى عباده أن يختاروا التي هي أحسن، وردا على ما يقوله أعداء الإسلام بأن عقيدة المسلمين تقوم على الإيمان بإله جبار قهار منتقم والمسلمون مطالبون بأن يتخلقوا بأخلاق الله فيتشبهوا به في جبروته وقهره وانتقامه ولهذا لم تأخذ المسلمين في أعدائهم رأفة في دين الله

وقد أمر رسولهم بقوله: «يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم» التوبة: 73، يؤكد القرضاوي أن هذا التصوير للمسلمين خاطئ وظالم فالله تعالى في العقيدة الإسلامية كما أنه موصوف بالجبروت والقهر والانتقام هو موصوف كذلك بالرحمانية والرحمة والرأفة والإحسان والأنعام كما قال تعالي في الآية «98» من سورة المائدة «اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم»

وفي الآيتين 49 و 50 من سورة الحجر، «نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم» وهكذا نجد التوازن بين أسماء القوة وأسماء الرحمة بين أسماء الجلال وأسماء الجمال ومن تدبر القرآن وجد أسماء الجمال والرحمة والإحسان هي الغالبة وهى الأكثر ورودا وتكرارا في كتاب الله تعالي، بل الواقع أن القرآن لم يذكر اسم الجبار لله تعالي إلا في موضع واحد في أواخر سورة الحشر ، ضمن مجموعة من الأسماء الحسنى ولم يذكر اسم القهار في القرآن إلا ست مرات في سياقات تقتضيها كما في قوله تعالى:

«قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار، الرعد16 أما اسم المنتقم فلم يرد في القرآن مفردا بهذه الصورة إنما جاء بصيغة أخرى «ذو انتقام» في سياق الوعيد للكفرة والطاغين كما في قوله تعالى: «إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام» آل عمران 4 ، ويضيف أنه إذا نظرنا إلى أسماء الرحمة والرأفة والمغفرة والبر والحلم والإحسان وغيرها نجدها تكررت في القرآن مرات ومرات فنجد أسمي الرحمن الرحيم قد تكررا في القرآن مقترنين خمس مرات غير المرات المئة والثلاث عشرة في البسملة في أوائل السور.

فيكف يزعم هؤلاء أن اله المسلمين لا صفة له إلا البطش والجبروت والنقمة والشدة، وأن المسلمين تعلموا منه هذه الصفات، كما أن خلق الرحمة كان أظهر الأخلاق في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأبرزها في سيرته وقال:«الراحمون يرحمهم الرحمن.. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وأيضا «من لا يَرحم الناس لا يرحمه الله».

ولأن الشيء لا يعرف إلا بضده فيقول القرضاوي إن من أراد أن يعرف فضل ما جاء به الإسلام من إصلاح وتجديد وتهذيب في شأن استخدام القوة مع المخالفين فعليه أن ينظر إلى ما اشتملت عليه التوراة الحالية التي يؤمن بها اليهود والنصاري جميعا على أنها الكتاب الإلهي الذي أنزله الله على موسى عليه السلام

وأعلن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام أنه ما جاء لينقض الناموس الذي جاء به موسى بل جاء ليتمه ولا أدرى أقرأ الغربيون الذين يتهمون الإسلام بأنه دين السيف والذين يزعمون أنهم يؤمنون بالكتاب المقدس ومنه التوراة والتي تقول في سفر تثنية الاشتراع في الإصحاح العشرين تحت عنوان «شرائع حصار وفتح المدن البعيدة»،

وحين تتقدمون لمحاربة مدينة فادعوها للصلح أولا، فإن أجابتكم إلى الصلح واستسلمت لكم فكل الشعب الساكن فيها يصبح عبيدا لكم، وأن أبت الصلح وحاربتكم فحاصروها فإذا أسقطها الرب إلهكم في أيديكم فاقتلوا جميع ذكورها بحد السيف،وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة من أسلاب فاغنموها لأنفسكم، فأين ما جاءت به التوراة هنا مما جاء به القرآن في قوله تعالى: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»، «واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه» البقرة 190: 191 ،

ولم يسمح القرآن بالاعتداء على الأعداء حتى مع شدة بغضهم للمسلمين وشدة بغض المسلمين لهم وهو الشتآن، وحتى مع صدهم للمسلمين عن العبادة في المسجد الحرام في قوله تعالى: «ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا» المائدة: 2 ،

وأين هذا مما جاء به القرآن حتى بعدما سموه «آية السيف»، من قوله تعالى «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه» التوبة:6 ، وأين هذا من قوله تعالى: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هو السميع العليم» الأنفال 6 ، وأين هذا من أخلاقيات الحرب التي جاء بها الإسلام فلا يقتل إلا من يقاتل ولا تقتل امرأة ولا وليد ولا شيخ كبير ولا أعمى أو راهب في صومعة أو فلاح يحرث الأرض أو غيرهم من المدنيين الذين لا شأن لهم بالحرب.

ويؤكد القرضاوي أن هناك فرقا بين العنف والإرهاب فالعنف هو استخدام القوة في غير موضعها بغير ضابط، حيث يمكن أن تستخدم الحجة أو الإقناع بالكلمة والدعوة والحوار بالتي هي أحسن، أما الإرهاب فهو أن تستخدم العنف فيمن ليس بينك وبينه قضية ويدخل في ذلك خطف الطائرات واحتجاز الرهائن وقتل السياح ويضيف القرضاوي أننا إذا كنا ندين العنف بصفة عامة فنحن ندين الإرهاب بصفة خاصة لما فيه من اعتداء على أناس ليس لهم أدني ذنب يؤاخذون به

والقاعدة التي جاء بها القرآن «ألا تزر وازرة وزر أخرى» النجم 38 ، فترويع الآمنين في نظر الإسلام ظلم عظيم مشيرا إلى أنه أصدر فتوى بتحريم خطف الطائرات وتحريم حجز الرهائن معتبرا أن ذلك ليس موقفا شخصيا من ولكنه استمده من الإسلام ومصادره من قرآن وسنة وفقه وشريعة على اختلاف مذاهبه.

ويميز القرضاوي بين الجهاد الذي يفرضه الإسلام دفاعا عن الدين أو الوطن أو الحرمات والمقدسات وبين العنف الذي ندينه ونجرمه فالجهاد يتميز بوضوح هدفه ووضوح وسائله والتزامه بأحكام الشرع ومكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام، فالجهاد يستخدم القوة في موضعها وفي أوانها وبقدر ما توصيه ضرورة الجهاد ومع الأعداء الذين اعتدوا على الإسلام وأهله عملا بقوله تعالى: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» البقرة 190 .

أما عن أفضل أنواع الجهاد في عصرنا وأولاها بالمشروعية والفضل فيقول القرضاوي إنه الجهاد لتحرير فلسطين وأن على المسلمين في فلسطين أن ينفروا خفافا وثقالا لطرد العدو الكافر الذي احتل ديارهم فهذا فرض عين على جميعهم كل بما يقدر عليه وتسقط هنا الحقوق الفردية حتى أن المرأة لتخرج للجهاد والمقاومة بغير إذن زوجها والابن بغير إذن أبيه

فإن عجز أهل فلسطين عن طرد العدو وتحرير الأرض أو تقاعسوا عن ذلك كان على أقرب الجيران إليهم أن يقاتلوا بجوارهم أو يحلوا محلهم عند قعودهم حتى يطردوا العدو الغازي فإن عجز الجيران أو تقاعسوا وجب على من يليهم ثم من يليهم حتى يشمل المسلمين كافة.

أما عن رأيه في العمليات الاستشهادية التي تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الصهيوني فيؤكد القرضاوي أنها لا تدخل في دائرة الإرهاب المجرم والمحظور بحال من الأحوال وإن كان من ضحاياها بعض المدنيين وذلك لعدة أسباب أولا:

إن المجتمع الإسرائيلي بحكم تكوينه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي العنصري الاغتصابي مجتمع عسكري لحما ودما، ثانيا: إن المجتمع الإسرائيلي له خصوصية تميزه عن غيره من سائر المجتمعات البشرية فهو بالنسبة لأهل فلسطين مجتمع غزاه قدموا من خارج المنطقة ثالثا أن الشريعة الإسلامية التي هي مرجعنا الأوحد في الشؤون كلها تصف غير المسلمين بأحد وصفين لا ثالث لهما وهما: مسالم ومحارب

فأما المسالم فالمطلوب منا أن نبره ونقسط إليه وأما المحارب فالمطلوب منا أن نحاربه ونقابل عدوانه بمثله، فأما الذين يعارضون العمليات الاستشهادية بأنها نوع من الانتحار أو قتل النفس فهم جد مخطئون فالهدف مختلف تماما بين الاستشهادي وبين المنتحر فالأخير يقتل نفسه من أجل نفسه أما الاستشهادي فهو لا ينظر إلى نفسه إنما يضحي من أجل قضية كبيرة تهون في سبيلها كل التضحيات.

ويشير القرضاوي إلى أنه في العقود الأخيرة اشتهر في عدد من البلاد العربية والإسلامية تكوين جماعات إسلامية الوجهة أطلقت على نفسها «جماعة الجهاد»، لمقاومة الحكام الجائرين بل الكافرين في نظرهم ففقه جماعات العنف يقوم على أن الحكومات المعاصرة: حكومات غير شرعية بل هي حكومات كافرة لأنها لا تحكم بما أنزل الله واستبدلت بشريعته المنزلة من الخالق القوانين التي وضعها المخلوق

ويؤكد فقه هذه الجماعات عدم شرعية هذه الحكومات وكفرها بأمر آخر وهو أنها توالي أعداء الله من الكفار الذين يكيدون للمسلمين وتعادي أولياء الله من دعاة الإسلام وتضطهدهم وتؤذيهم والله تعالي يقول: «ومن يتولهم منكم فإنه منهم»المائدة 51 وترى جماعات العنف كذلك هذه الحكومات تبيح المنكرات من خمر وميسر وزنا وربا وسائر المحظورات الشرعية يجب أن تغير بالقوة لمن يملك القوة وهى ترى أنها تملكها كما في الحديث الشهير «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان».

كما يرون أن الأقليات غير المسلمة نقضت العهد بعد أدائها الجزية وبتأييدها لأولئك الحكام المرتدين وبهذا لم يعد لهم في أعناق المسلمين عهد ولا ذمة وهم يرون أن السياح والذين يعدهم الفقهاء مستأمنين مستباحو الدم لأنهم لم يأخذوا الإذن من دولة شرعية ولأن بلادهم نفسها محاربة للإسلام فلا عهد بينهم وبين المسلمين وكذلك يقول هؤلاء عن الدول الغربية التي يقيم بعض هؤلاء فيها

وقد أعطتهم الأمان وآوتهم من التشرد إن هذه الدول كلها كافرة محاربة للإسلام ولما سئل بعضهم عن إقامته في هذه البلاد قال: إنها كدورة المياه نستخدمها للضرورة برغم نجاستها» وبهذا توسعوا وغلوا في التكفير وعلى هذا لا يبالون من يقتل من هؤلاء المدنيين لأنهم كفار تحل دماؤهم وأموالهم.

هذا هو فقه جماعات العنف الذي يراه القرضاوي فهما أعوج وأعرج يعتوره الخلل والخطل من كل جانب مطالبا فقهاء الأمة بوقفة علمية متأنية لمناقشتهم في أفكارهم هذه والرد عليهم فيما أخطأوا فيه في ضوء الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة فمن المعلوم تشديد الإسلام في أمر الدماء حتى أن القرآن يقرر مع كتب السماء «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا» المائدة 32 .

فيصل حماد

الكتاب: الإسلام والعنف نظرات تأصيلية

الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2005

الصفحات: 60 صفحة من القطع المتوسط