يعتبر عام 1935 من الاعوام العلامة على طريق الحركة الوطنية المصرية فهو المحطة الثانية للحركة الوطنية ذات الطابع العنيف بعد ثورة 1919، ففي نوفمبر من هذا العام حدثت الانتفاضة التي تفجرت في القاهرة ثم تجاوبت اصداؤها في كل مديريات ومحافظات مصر فكانت سببا لإعادة دستور 1923
وبسببها ايضا خرجت وزارة محمد توفيق نسيم من الحكم في يناير 1936 وبسببها كذلك مع المستجدات العالمية دخلت بريطانيا ومصر في مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاقية 1936. ومن هذه الاحداث صدر عن سلسلة «الجانب الآخر لإعادة قراءة التاريخ المصري» كتاب بعنوان « انتفاضة 1935 بين وثبة القاهرة وغضبة الاقليم»
ويقول رئيس تحرير تلك السلسلة المؤرخ د. يونان لبيب رزق إن المؤلف د. حماده اسماعيل استاذ ورئيس قسم التاريخ بكلية الآداب ببنها بحث وراء تلك الحوادث من الاسكندرية وبورسعيد في اقصى الشمال الى اسوان في اقصى الجنوب ووجد الكثير الذي ضمنه دفتر هذا الكتاب، مؤكدا على ما تحاول تلك السلسلة تقديمه بالبحث في المسكوت عنه في التاريخ المصري والعربي الحديث والمعاصر.
ويقول د. حمادة اسماعيل إن الهدف من تلك الدراسة هو تبيان ان الجماهير خارج القاهرة لم تكن بالجماهير الصامتة ولكنها شاركت القاهرة غضبتها في سبيل استقلال البلاد ودستورها وانه اذا كانت اعمال العنف قد بدأت في القاهرة فإن جماهير الاقاليم ردت بالايجاب وبنفس العنف. وزادت جماهير الاقليم عليها بأن قدمت شهداء جددا إلى قائمة الشهداء وكانوا خاتمة لهذه الانتفاضة فالبداية كانت في القاهرة والختام كان في الاقاليم. ويتناول الكتاب احداث تلك الانتفاضة في ثلاثة فصول: الاول يتحدث عن اسباب الانتفاضة وبدايتها في القاهرة .
وفيه أشار المؤلف الى ان الأحداث والتطورات السياسية التي شهدتها البلاد منذ عام 1924 وعلى رأسها الانقلابات الدستورية لعبت دورا مهما في الوصول بالبلاد الى تلك الانتفاضة وكان مسلك وزارة محمد توفيق نسيم والقصر والانجليز المتمم لوضع البلاد على طريقها فرغم اقدام الوزارة على خطوة إبطال للعمل بدستور 1930 إلا انها لم تعد العمل بدستور 1923
وذلك بمشاركة الملك ولم يقف امر توفيق نسيم عند حد المماطلة هو والملك في اعادة الدستور بل إنه استشار المندوب السامي البريطاني حول مسألة الدستور فابلغه ان حكومة بريطانيا ترى تأجيل المسألة وعندما تسنح الفرصة يبحث في وضع دستور جديد وفي الوقت الذي صارت فيه الامور الداخلية على الصورة السالفة شهدت الساحة الدولية الاعلامية عاملا جديداً كان له تأثير مباشر على الوضع في مصر
وما ان حل شهر اكتوبر 1935 حتى صارت مصر كأنها احتلت من جديد وكان من الطبيعي. امام التطورات الداخلية والخارجية، ان تتعرض الوزارة ومعها الانجليز للانتقاد الشديد من قبل القوى السياسية، وفي 9 نوفمبر حدثت الشرارة الاخيرة التي الهبت المشاعر عندما صرح السير صمويل هور وزير الخارجية البريطانية اننا لما استشرنا في ان يعود النظام الدستوري لمصر كانت نصيحتنا ضد اعادة دستورى 1923 و 1930 لأنه ظهر أن الأول غير صالح للعمل به
والثاني ضد رغبة الامة بالاجماع. فكشف هذا التصريح عن ثلاث حقائق اولها ان الحكومة المصرية لجأت إلى حكومة انجلترا وجعلتها المرجع الذي يستشار وينفذ أمره في مسألة الدستور ثانيها ان بريطانيا اشارت بعدم عودة دستور 1923 ولا دستور 1930 وهو ما يشكل اعتداء على حق البلاد وثالثها ان بريطانيا لا توافق في الوقت الراهن على عقد اتفاق او معاهده لتسوية العلاقات بين البلدين.
فانفجر بركان الغضب من الجامعة في صباح 13 نوفمبر الذي كان يوافق ذكرى عيد الجهاد الوطني فخرج الطلاب في صباح ذلك اليوم منضما إليهم طلاب المدارس في مظاهرة، هاتفين ضد تصريح هور وانجلترا ومنادين بسقوط الحكومة وحدث صدام بين البوليس والطلاب عندما حاولوا اجتياز كوبري الجامعة إلى القاهرة وحدثت اشتبكات سقط من جرائها بعض الجرحى
وكان من الطبيعي ان تشتد المظاهرات في اليوم التالي فخرج طلبة الجامعة في مظاهرة كبيرة وبسبب تزعم الجامعة للمظاهرات أصدر رئيسها احمد لطفي السيد قراره بإغلاقها اعتباراً من 15 نوفمبر حتى 23 نوفمبر ورغم كل اجراءات العسف والعنف في التعامل مع المتظاهرين لم تتوقف المظاهرات وفي محاولة للارهاب والتخويف اصدرت حكومة نسيم بلاغا رسميا جاء فيه ان البوليس سيعمل بكل ما لديه من الوسائل على صيانة الأمن فإذا قاوم المتظاهرون البوليس بالقوة فلن يكون له مناص عن دفع القوة بمثلها في حدود القانون
وكان الرد سريعا في اليوم التالي في 21 نوفمبر والذي اطلق عليه يوم الحداد العام واستمرت المظاهرات في معظم انحاء القاهرة ومدينة الجيزة يتزعمها الطلاب وتزكيها الاحزاب السياسية والتي نتج عنها المزيد من الصدامات وسقوط الجرحى وتواكب معها سيل المحاكمات للمشاركين في المظاهرات. وخوفاً من تفاقم الحالة واستمرار المظاهرات اصدر مدير الجامعة قرارا باستمرار غلق الجامعة حتى 29 نوفمبر وحتى لايترك الطلاب وحدهم كانت الخطوة الكبيرة عندما اعلن في الصحف ان الطوائف المختلفة في البلاد أعلنت يوم 21 نوفمبر يوم الحداد.
وكان للعنف الذي اكتنف الحوادث في مصر أثره في ان يلقي «صمويل هور» خطاباً في البرلمان الانجليزي حول المسألة المصرية خفف فيه من تصريحه السابق الا ان المصريين لم يعيروا هذا التصريح اي اهتمام واستمرت المظاهرات وهو ما كان كافيا لكي يقنع الاحزاب بأن تتناسى صراعاتها وأن تأتلف فيما سمي بالجبهة الوطنية التي تكونت في 11 ديسمبر وفي اليوم التالي أرسلت الجبهة كتابها إلى الملك، مطالبة إياه بإعادة دستور 1923
وكتاباً آخر إلى المندوب السامي لإبلاغ حكومته بأن تصرح بقبول إبرام معاهدة بينها وبين حكومة مصر الدستورية بالنصوص التي انتهت إليها مفاوضات «هندرسون ـ النحاس» عام 1930 وقد استجاب الملك لطلب الجبهة الوطنية وأصدر في 12 ديسمبر امرا ملكياً بأنه بناء على رغبة الامة يعاد العمل بدستور 1923
ورغم ذلك فقد استمرت المظاهرات في القاهرة والاقاليم منددة بالحكومة ومطالبة بالعفو عن الطلاب المعتقلين وكذا المطالبة بسرعة الرد البريطاني على كتاب الجبهة الوطنية وفي 30 ديسمبر استؤنفت ـ اثناء انعقاد مؤتمر الجراحة الدولي بالقاهرة ـ تظاهرة الطلاب وانقسموا على بعضهم بسبب هتاف البعض بهتافات غير متفق عليها ومع استمرار الضغط الشعبي أجبرت وزارة توفيق نسيم على الاستقالة في 20 يناير 1936
ولم تهدأ هذه المظاهرات إلا عندما صدر المرسوم الملكي بتأليف الوزارة الجديدة وزارة علي ماهر الاولى في 30 يناير 1936 وهكذا توج كفاح الشعب فأعيد دستور 1923 وأطيح بوزارة توفيق نسيم ودخلت مصر في طور جديد من حياتها السياسية
ويؤكد المؤلف في بداية الفصل الثاني من الكتاب ان استجابة الوجه البحري لما كان يدور في العاصمة كان أسرع من الوجه القبلي ومشاركته التي شابها الكثير من العنف كانت اوسع، وقدم شهداء لا نظير لهم في الوجه القبلي، ففي الغربية نجد ان مدينة طنطا استأثرت بنصيب كبير من المشاركة في الانتفاضة
وان الطلاب كانوا أكثر الفئات حركة ونشاطاً، نظرا لوجود بعض المؤسسات التعليمية النشطة ايضا لعب حزب الوفد دورا كبيرا في المدينة بشكل خاص وفي المديرية بشكل عام بدرجة لم تتوفر لباقي التجمعات كما ان المساحة الجغرافية للمديرية كان لها دور في اتساع رقعة نشاط المديرية عن غيرها.
اما في مدينة المنصورة ففي فترة القلق ما بين استقالة وزارة نسيم وتشكيل وزارة على ماهر ووسط موجة المظاهرات التي اجتاحت البلاد انفجر الموقف في المنصورة ففي 27 يناير امتنع طلاب المدارس عن تلقي دروسهم وحدث صدام عند مدرسة الصنايع سقط من جرائه بعض الجرحى كانت اصابة أحد الطلاب خطيرة ونتج عنها استشهاده بعد ذلك في 5 فبراير وهو الطالب متولي يوسف الشاذلي فكان آخر شهداء الانتفاضة في مصر.
كما حدث في ذات الوقت صدام آخر مع طلبة مدرسة المنصورة الثانوية أدى الى وقوع اصابات من الطلاب واستشهاد اثنين منهم من جراء الاصابة هما شطا محمد شطا وعلي حسين حسن اما مديرية البحيرة فقد انفجر الموقف في 27 يناير عندما امتنع طلبة مدرسة دمنهور الزراعية عن تلقي دروسهم ووقفوا في فناء المدرسة يهتفون هتافات وطنية وسمع هتافهم طلبة مدرسة دمنهور الثانوية فخرجوا منها قاصدين الانضمام إليهم إلا ان قوات البوليس التي كانت مرابطة في الطريق حاولت منعهم فحدث صدام بين الفريقين اطلق اثناءه رجال البوليس الاعيرة النارية، على الطلبة المجتمعين في فناء المدرسة الزراعية فاصابوا بعضهم ��تهشمت نوافذ المدرسة
وفي مساء نفس اليوم استشهد الطالب حمزة محمود الرومي الطالب بمدرسة الزراعة وعاشت المدينة ليلة قلقة كانت مقدمة لما حدث في اليوم التالي بعد تشييع جنازة ذلك الشهيد حيث حدث عنف بين المتظاهرين ورجال البوليس اطلقت فيه الاعيرة النارية مما أدى إلى اصابة العديد وإلقاء القبض على سبعين شخصا فاشتد هياج الجماهير وعاشت المدينة حالة من الفوضى والإضطراب مما أدى إلى تخريب العديد من المنشآت العامة.
اما في مديرية القليوبية فقد اتسمت الحركة الطلابية فيها بطابع العنف وبشكل ملفت للنظر ويرجع ذلك إلى القرب من القاهرة والتأثر بموجة العنف التي سادتها بالاضافة الى سوء تصرف بعض المسؤولين في بعض المدارس إلا ان الانشقاق الذي حدث في صفوف الحركة الطلابية لم يترك اثراً على الحركة الطلابية في المديرية التي كانت وفدية خالصة.
وفي الفصل الثالث يشير المؤلف الى ان الامر اختلف مع الوجه القبلي الذي جاءت الانتفاضة به هادئة إذا ما قورنت بما حدث في القاهرة والوجه البحري فمديرية أسيوط كانت أكثر مناطق الصعيد انفعالا بالأحداث الا ان الانتفاضة بها اتسمت بالهدوء النسبي فلم تسجل المصادر حوادث عنيفة الا ما نشر عن مظاهرة 19 نوفمبر، كما لم تسجل المصادر أية أخبار عن متظاهرين قدموا للمحاكمة او للتحقيق معهم وهي مسألة ترجع إلى السلوك الهادئ لرجال البوليس وكذا نظار المدارس وتحليهم بالحكمة في معالجة المظاهرات.
اما في مديرية اسوان فنجد ايضا ان الانتفاضة اتسمت بالهدوء باستثناء المظاهرة التي حدثت في 17 نوفمبر والتي شابها بعض العنف كما اتسمت ايضا بالمشاركة الجماعية من الأهالي والطلاب في آن واحد. في الختام يؤكد المؤلف على انه وان جاءت غضبة الوجه القبلي أقل من الانتفاضة في الوجه البحري فإن كليهما أكد ما حاولت الدراسة ان تثبته وهو ان الأقاليم وسعت من رقعة وتأثير حدث الانتفاضة وأثبتت مدى قوة وحيوية مصر وشعبها.
فيصل حماد
الكتاب: انتفاضة 1935
بين وثبة القاهرة وغضبة الأقاليم
الناشر : دار الشروق ـ القاهرة 2005
الصفحات: 127 صفحة من القطع المتوسط
