مؤلف هذا الكتاب هو الناقد الأميركي تيموثي ج. بنجلتون. وهو هنا يقدم للطلاب صورة عامة عن حياة ارنست همنغواي وأعماله. ومعلوم أنه كان من أكبر الكتاب في القرن العشرين.
وقد نال جائزة نوبل للآداب عام 1954 وأصبح أشهر كاتب أميركي في وقته ومنذ البداية يقدم المؤلف لمحة تاريخية عامة عن حياته ويقول: ولد أرنست همنغواي يوم (21) يوليو عام 1899 في مدينة شيكاغو. وكان أبوه طبيباً يحب صيد الطيور والأسماك في آن معاً.
وسوف يرث ابنه عنه هذه الهواية لاحقاً. أما أمه فكانت تشتغل في مجال الموسيقى وتحلم بأن يرزقها الله بنتاً لا ابناً، لكن القدر شاء لها العكس وقد أمضى أرنست همنغواي شبابه الأول مع والده في رحلات الصيد والقنص. ثم انخرط في العمل الصحافي عندما كبر.
وفي عام 1917 انخرط صفوف الصليب الأحمر وأصبح مساعداً طبياً في الحرب العالمية الأولى على جبهة ايطاليا. ثم أصيب بجروح بليغة عام 1918 ونقل إلى مدينة «ميلانو» حيث يوجد مستشفى كبير للمعالجة. وعندئذ وقع في حب احدى الممرضات.
وهذا الحب سيكون مادة روايته الكبيرة الأولى: وداعاً أيها السلاح وقد طبعت عام 1929، وبعدما عاد إلى الولايات المتحدة عام 1919 تزوج من فتاة تدعى هادلي ريتشارد سون، ثم سافر معها إلى باريس عام 1920 لكي يعيش في أجواء الكتاب والفنانين، ومعلوم أن العاصمة الفرنسية كانت مركز الثقافة العالمية. وكان ذلك بعد أن قرر التفرغ للكتابة والعمل الروائي. وهناك تعرف على كاتبة أميركية تدعى جيرترود شتاين.
وقد ساعدته على دخول الأجواء الباريسية وتحسين أسلوبه في الكتابة والتقى أيضاً بأدباء آخرين كالشاعر عزرا باوند والواقع أن العديد من كبار كتاب أميركا كانوا يقيمون في عاصمة النور آنذاك ثم انتحر والده عام 1928 وشكل ذلك صدمة كبيرة بالنسبة له وربما كانت هذه سابقة بالنسبة للكاتب الكبير الذي سينتحر هو الآخر أيضاً ولكن بعد وقت طويل.
ينبغي القول بأنه عندما سافر إلى باريس كان موفداً من قبل جريدة أميركية لكي يشتغل كمراسل لها وفي عام 1926 كتب روايته الكبيرة الثانية تحت عنوان: الشمس تشرق أيضاً. وعندئذ ذاعت شهرته في أوساط الكتاب الأميركيين والعالميين.
ثم يردف المؤلف قائلاً: يتفق النقاد على القول بأن أهم أعماله هي رواياته الأربع التالية:الشمس تشرق أيضاً (1926)، ووداعاً للسلاح (1929)، ولمن تدق الأجراس (1940)،والعجوز والبحر (1952) وهذه الروايات الضخمة كانت كافية لتخليده.
وفي عام 1927 ترك ارنست همنغواي باريس وعاد إلى أميركا، وهناك طلق زوجته الأولى بعد أن وقع في حب صاعق مع امرأة تدعى باولين ولكنه طلقها هي الأخرى عام 1940 لكي يتزوج صحافية إيطالية، وفي عام 1946 طلق من جديد لكي يتزوج للمرة الرابعة من امرأة أميركية.
وهكذا كان همنغواي مزواجاً مطلاقاً وراغباً في الملذات والشهوات. وبالإضافة إلى الجنس كان مهووساً بالشرب وربما تعاطي المخدرات أحياناً. لقد جرب كل شيء لكي يكتب عن كل شيء وفهم الحياة فهماً.
في عام 1930 اشترى همنغواي بيتاً في فلوريدا ثم سافر بعدئذ إلى أسبانيا حيث انخرط في الصراع إلى جانب القوات الجمهورية ضد القوات الرجعية لفرانكو، وكان ذلك عام 1936 ثم انخرظ بعدئذ في الحرب العالمية الثانية بل وساهم في تحرير باريس إلى جانب القوات الأميركية وفي عام 1950 أصدر همنغواي رواية جميلة بعنوان: فيما وراء النهر وتحت الأشجار.
وفيما يروي قصة حب كولونيل متقاعد في الجيش الأميركي مع فتاة لا يتجاوز عمرها التاسعة عشرة ثم صدرت روايته الكبيرة الأخيرة « العجوز والبحر» عام 1952 وفيها أدان النجاح المادي في الحياة باعتباره شيئاً مؤقتاً وعابراً. وفي عام 1954 نال جائزة نوبل للآداب بعد أن طبقت شهرته الآفاق.
ولكن هذا لم يمنعه من الانتحار عام 1961 عندما أطلق رصاصة على رأسه من مسدسه. ومعلوم أن والده كان قد انتحر بشكل مشابه تماماً عام 1928 كما ذكرنا سابقاً. فهل الانتحار شيء وراثي يا ترى؟ ينبغي العلم بأن حالته الصحية والنفسية كانت قد تدهورت في أواخر حياته.
فقد أصبح يشك في كل الناس بشكل غير طبيعي، أي بشكل مرضي. وأصبح يعاني من ارتفاع في الضغط، ومن مرض السكر، وعدم القدرة على النوم، والانهيار العصبي، والهذيان، ولذلك أراد مفارقة الحياة.
وبعد مغادرة هافانا في كوبا بأربعة أشهر سقط صريع المرض فاقتادوه إلى المستشفى، وعندما خرج منه كان قد خسر خمسة وعشرين كيلوغراماً من وزنه، وأصبح يبدو وكأنه هيكل عظمي، وعلى الرغم من أن عمره لم يكن يتجاوز الواحدة والستين إلا أنه كان يبدو وكأنه فوق التسعين!! وبالتالي فلم يعد للحياة أي معنى بالنسبة له. ولذلك قرر أن يطلق رصاصة الرحمة على نفسه ويستريح.
وقد قال النقاد بعدئذ عن روايته « العجوز والبحر» ما يلي: نقطة القوة الوحيدة هي الحلم الخفيف الذي يحترقها من البداية وحتى النهاية وقد نشرتها مجلة «لايف» الأميركية على حلقات وبيع منها أكثر من خمسة ملايين نسخة خلال يومين فقط! وهذا أكبر رقم مبيعات حققته أي رواية في التاريخ. وبالطبع فقد زادت ثروته أضعافاً مضاعفة بسبب ذلك.
واعتبرها النقاد وبمثابة الرائعة الأدبية لهذا الكاتب الذي نشر سابقاً عدة روائع أخرى وجلس على قمة الأدب الأميركي ثم جاءت جائزة نوبل بعد سنتين من ذلك التاريخ لكي تكرس هذه الشهرة التي طبقت الآفاق وحولت صاحبها إلى أسطورة أدبية حتى وهو لا يزال حياً.
من أشهر العبارات الموروثة عن إرنست همنغواي يمكن أن نذكر العبارة التالية الواردة في روايته: وداعاً أيها السلاح: «عندما ينهزم الإنسان يصبح مسيحياً» وهذا يعني أن المسيحية دين مناسب لنفسية المهزومين أو المسحوقين في الحياة إنها تشكل عندئذ عزاء كبيراً لهم.
وفي روايته «الموت بعد الظهر» يقول هذه العبارة: «ما هو لا أخلاقي هو الذي تجده جيداً بعد الفعل، وما هو أخلاقي ما تجده سيئاً بعد الفعل أيضاً». بمعنى آخر فإننا لا نعرف قيمة تصرفاتنا في الحياة أو اتجاه الآخرين إلا بعد أن نرتكبها، ثم كتب أيضاً هذه العبارة «الشخص الذي ابتدأ يعيش بشكل أفضل من الداخل يستطيع أن يعيش بشكل أفضل مع الخارج». وهذا صحيح، فالإنسان غير المنسجم أو غير المتصالح مع نفسه لا يمكن أن يكون متصالحاً مع الآخرين أو مع الواقع الموضوعي.
ثم ترد لديه هذه العبارة الجميلة «يقولون بأن الحكمة تأتي مع العمر، مع الشيخوخة، وهذا خطأ فالشخص العجوز يصبح أكثر حذراً، هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل، ولكنهم يخلطون بين الحكمة والحذر» ثم يقول أيضاً: الكتابة الوحيدة التي لها معنى هي تلك التي نخترعها، فهي التي تجعل الأشياء واقعية.
ويقصد بذلك أن الكتّاب الكبار هم وحدهم الذين يستطيعون التوصل إلى كتابة جديدة تجعلك ترى الأشياء وكأنها خلقت من جديد. ثم يقول هذه العبارة الشهيرة: الرجل الحقيقي قد يُدمَّر، لكنه لا يُهزم! وهذا يعني أنه يظل يقاوم من الداخل حتى بعد أن يدمروه، ففي داخله قوة لا تهزم.
وقد كتب عنه جيمس جويس مرة يقول: إنه فلاح في أعماقه، فلاح كبير الجسم وقوي العضلات، إنه ضخم وقوي كالجاموس، كما أنه رياضي جداً، وهو مستعد لأن يعيش الحياة التي يكتبها: حياة المغامرات التي لا تخشى العواقب، وعلى أية حال فلم يكن سيكتبها لولا أنه كان قد عاشها سلفاً.
أما نورمان ميلر فقد كتب عنه يقول: من غير المحتمل أن يكون همنغواي رجلاً شجاعاً ينخرط في المغامرات المخيفة من أجل الاستمتاع بالانفعالات التي تؤمنها للإنسان، والواقع أن حقيقة حياته المغامرة تكمن في مكان آخر، أقصد بذلك أنه ناضل طيلة حياته ضد جبنه أو رعبه الداخلي.
فعالمه الباطني كان أسود يشبه الكابوس. وقد فعل المستحيل للتخلص من شيطان الوسواس أو القلق الداخلي الذي يسكنه. ولذلك انخرط كالوحش في مغامرة الحياة ومغامرة الكتابة على حد سواء لكي ينسى قلقه المرعب أو لكي يتغلب عليه.
ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد حيّر همنغواي الناس بانتحاره فقد كان من المتوقع أن يعيش أسعد لحظات حياته بعد أن كتب كل هذه الروايات الخالدة ووصل إلى قمة المجد هذا من دون أن ننسى جائزة نوبل التي كانت تتويجاً رائعاً لحياته الأدبية.
وبالتالي فكان يمتلك الشهرة والمجد والفلوس، ومع ذلك فقد انتحر؟ كيف يمكن أن نفسر ذلك؟ البعض يقول إنه انتحر بسبب عدم قدرته على الكتابة في الفترة الأخيرة من حياته، والبعض الآخر يقول بأنه كان يعاني من أزمة نفسية وميتافيزيقية عميقة.
ولكن كيف انتحر؟ في يوم الأحد (2) يوليو من عام 1961 استيقظ ارنست همنغواي قبل زوجته «ماري». ثم أمسك ببندقية الصيد التي كان يمتلكها ووجهها نحو رأسه وضغط على الزناد بعد أن وضع فيها رصاصتين، وهكذا أدت إلى تدمير رأسه تماماً.
وعندما سمعت زوجته بالفرقعة استيقظت مذعورة فاستنجدت بالجيران لكي يساعدوها على مواجهة الوضع والبعض يقول بأن همنغواي دمر دماغه بعد أن استهلكه في الكتابة ولم يعد يفيده في شيء فقد تعطل عن الكتابة والإبداع وهذه حالة لم يستطع همنغواي أن يتحملها، وبالتالي فلم يعد هناك أي مبرر للاستمرار في العيش.
ولكن البعض الآخر يقول بأن الرجل كان يعاني من آلام نفسية مبرحة، وهذا هو السبب في انتحاره ولا شيء آخر، ثم يدعمون رأيهم عن طريق القول بأن الكثيرين من الكتاب الكبار جنوا أو انتحروا، نضرب على ذلك مثلاً فيرجينيا وولف، والفيلسوف نيتشه، والشاعر هولدرلين، والرسام فان غوخ، وانطونين آرتو، وعشرات الآخرين وهكذا بعد أن لم يعد لديه شيء يقوله راح ينتحر.
الكتاب: دليل الطالب إلى روايات ارنست همنغواي
الناشر: انسلو بوبليشر ـ نيويورك 2005
الصفحات: 160 صفحة من القطع الكبير
A STUDENT'S GUIDE TO ERNEST HEMINGWAY
TIMOTHY J. PINGELTON
ENSLOW PUBLISHERS NEW YORK 2005
P. 160
