أشرف على تأليف هذا الكتاب الجماعي المهم كل من الباحثين الفرنسيين باتريك فيل وستيفان دوفوا، والأول هو مدير بحوث في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية، قسم التاريخ الاجتماعي للقرن العشرين، وكان قد نشر مؤخراً كتاباً بعنوان «ما معنى أن تكون فرنسياً؟ تاريخ الجنسية الفرنسية منذ الثورة الكبرى عام 1789 وحتى يومنا هذا» وأما ستيفان دوفوا فهو أستاذ علم الاجتماع في جامعة باريس العاشرة نانتير.
وكان قد نشر سابقاً كتاباً بعنوان «سياسات المنفى.. الهنغاريون والبولنديون والتشيكوسلوفاكيون في فرنسا بعد عام 1945» هذا، وقد ساهم في تأليف الكتاب العديد من الباحثين الفرنسيين الآخرين، ولكي نعطي القارئ فكرة عن حجم الموضوعات المطروحة يكفي أن نذكر عناوين فصوله وأجزائه. الكتاب مؤلف من خمسة أجزاء، وكل جزء يتفرع إلى عدة فصول، هذا بالإضافة إلى مقدمة عامة وتعريف بالباحثين المشاركين في نهاية المطاف.
الجزء الأول من الكتاب يحمل العنوان التالي «أيديولوجيا الاستعمار» وهي أيديولوجيا تشكلت قبل قرنين من الزمن بحجة تحضير الشعوب المتخلفة أو إدخالها في الحضارة. وهنا نلاحظ أن البروفيسور سنكرماتو الأستاذ في جامعة بواتييه جنوب فرنسا يتحدث عن الموضوع التالي: العولمة في عصر التنوير.
ديدرو بصفته مراقباً للتجارة العالمية والسلطة الامبراطورية في عصره. أما الباحثة جنيفر بيتس الأستاذة في جامعة برنستون بالولايات المتحدة فتتحدث عن تاريخ الاستعمار في الامبراطورية البريطانية باعتباره نموذجاً احتذاه الفرنسيون أثناء استعمارهم للجزائر. أما الجزء الثاني من الكتاب فيحمل العنوان التالي «كيفية إدارة الاختلافات العرقية بين المستعمرين (بكسر الميم) والمستعمرين (بفتحها).
هذا في حين أن الجزء الثالث يتحدث عن المراتبيات الهرمية الكائنة بين الأعراق البشرية وجمودها. أما الجزء الرابع من الكتاب فيتحدث عن الاستعمار المعاكس إذا جاز التعبير: أي هجرة سكان المستعمرات إلى بلاد أوروبا والغرب بعد الاستقلال.
ومعلوم أن فرنسا تحتوي الآن على خمسة ملايين جزائري ومغربي وتونسي.. فهل يمكن اعتبار ذلك بمثابة استعمار معاكس أم استيطان معاكس؟
أما الجزء الخامس والأخير فيتحدث عن سياسة الذاكرة والتعويض: أي كيف تحاول الدول المستعمرة (بكسر الميم) أن تتذكر مساوئ الاستعمار وتعترف بها وتعتذر عنها. وذلك قبل أن تعوض الشعوب المُسْتَعْمَرة في إفريقيا السوداء والعالم العربي وآسيا عن الأضرار الناتجة عن استعمارها لها.
ومنذ البداية يقول الباحثان والمشرفان على تأليف هذا الكتاب الضخم ما معناه: منذ بضع سنوات أخذ الباحثون الفرنسيون يطرحون الأسئلة على فترة الرق والاستعمار ويدينون الجرائم التي ارتكبت فيها. وهم يحاكمونها على ضوء معايير التنوير والمبادئ الجمهورية والمثل العليا للثورة الفرنسية.
ويرى الباحثون والمؤرخون الفرنسيون أنه لا يمكن أن نفهم موجة الضعف في الجزائر وأحداث 11 سبتمبر وسواها إذا لم نضعها ضمن منظور المدة الطويلة للتاريخ: أي إذا لم نتذكر ما فعله الاستعمار في تلك البلدان طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين على الأقل.
هذا لا يعني بالطبع تبريراً للإرهاب الأصولي والتفجيرات الحاصلة حالياً في شتى أنحاء العالم. وإنما يعني محاولة للفهم والاستيعاب، فهناك نقمة كبيرة على الغرب في العالم العربي والإسلامي، وهذه النقمة مشروعة ولها مبرراتها من الجزائر إلى فلسطين إلى العراق.. إلخ.
يضاف إلى ذلك أنه يحصل الآن نوع من الاستعمار الجديد في عصر العولمة الزاحفة، فالشركات المتعددة الجنسية تسيطر تدريجياً على اقتصادات العالم الثالث ومن بينها اقتصادات الدول العربية والإسلامية بالطبع.
وكذلك تفعل البنوك والمصارف الكبرى من أميركية وأوروبية، فهل تنتشر وتتغلغل في شتى أنحاء العالم حيث تفتح لها فروعاً في كل مكان تقريباً. إن هذا الكتاب يدرس تجربة العبودية والاستعمار ليس فقط من خلال الحالة الفرنسية، وإنما أيضاً من خلال الحالتين الانجليزية والأميركية، فتاريخ هذين البلدين يحمل أيضاً آثار العبودية والاستعمار مثل التاريخ الفرنسي، وإن كانت الولايات المتحدة لم تشكل إمبراطورية استعمارية كانجلترا وفرنسا، ولكنها استبعدت السود واستغلتهم وحرمتهم من الحقوق لفترة طويلة من الزمن.
ثم يردف الباحثان قائلين: لقد بررت النخب الثقافية والسياسية الأوروبية عملية الاستعمار عن طريق القول بأنها ستؤدي إلى رفع مستوى الشعوب المستعمرة وإدخالها في الحضارة وانتشالها من وهدة التخلف والوحشية والبربرية، ولكن لا ينبغي تعميم هذا الحكم على كل المفكرين، فالفيلسوف الفرنسي ديدرو مثلاً كان ضد استعمار الشعوب «البدائية»، وقل الأمر ذاته عن جان جاك روسو الذي أدان الاستعباد والاستعمار في الوقت ذاته.
ولم يكن ديدور هو وحده الذي انتقد التوسع الاستعماري على حساب الآخرين، وإنما أيضاً مفكرون آخرون عديدون، نذكر من بينهم كوندورسيه، وبنيامين كونستان، وآدم سميث، وجيريمي بنتام، وأدموند بيرك.. الخ، كلهم انتقدوا وبلهجة عنيفة هذا التوسع الاستعماري الفج والعنيف.
ولكن ينبغي الاعتراف بأن المفكرين الليبراليين الذين جاءوا بعدهم في القرن التاسع عشر لم يسيروا على خطاهم. على العكس لقد أيدوا الاستعمار واعتبروه ظاهرة مفيدة للشعوب، ومن بين هؤلاء نذكر توكفيل الفرنسي، وجون ستيوارت ميل الانجليزي، والأول برر الاستعمار عن طريق القول بأنه يؤدي إلى زيادة العظمة والأمجاد الفرنسية عن طريق تأسيس إمبراطورية شاسعة واسعة.
وهكذا يبرهن الفرنسيون على أنهم ليسوا أمة ضعيفة، أو منحطة كما يتوهم الانجليز، وإنما هم أمة قوية قادرة على الفتوحات والتوسع مثل الانجليز الذين سبقوهم إلى هذا المجال، ومعلوم انهم منافسوهم وأعداؤهم التاريخيون منذ عهد نابليون وواترلو بل وحتى قبل ذلك. يضاف إلى ذلك أن هذا الفيلسوف الفرنسي كان يعتقد بأن الاستعمار سوف ينسي الفرنسيين انقساماتهم وخلافاتهم الداخلية عن طريق توجيه كل طاقاتهم نحو الخارج.
وقد عاب المفكرون الانجليز على طوكفيل انه يبرر الاستعمار عن طريق محاجات أنانية ضيقة، كالأمجاد الفرنسية وسواها، ولكنه رد عليهم قائلاً: وهل تعتقدون اننا نصدق دعواكم بأنكم تستعمرون الشعوب من هنود وسواهم لأنكم تريدون تحضيرهم أو رفع مستواهم؟ هذا نفاق وكذب ليس إلا، فأنتم تستعمرونهم لكي تستغلوهم وتسيطروا عليهم وتحققوا مآربكم في التوسع وتشكيل الإمبراطورية، وبالتالي فالاستعمار لا علاقة له بكرم الأخلاق، وهذا صحيح.
ولكن المشكلة هي أن بعضهم كان يعتقد وعن حسن نية، ان الاستعمار يؤدي بالفعل إلى إخراج الشعوب البدائية من همجيتها وتخلفها الحضاري، ولكنهم اكتشفوا بعدئذ ان مساوئه أكبر من محاسنه بأضعاف مضاعفة. ويرى الباحثان ان المشكلة المطروحة على فرنسا أو انجلترا مثلاً هي التالية: هل ينبغي الاعتراف بما حصل في زمن الاستعمار من مجازر والاعتذار عنها؟ والجواب هو: نعم، ولكن البعض يخشون انه إذا ما تم الاعتراف بذلك فإن الجمهورية الفرنسية ستفقد هيبتها ومصداقيتها في نظر الكثيرين.
فمشروعها كان يهدف إلى تحرير كل البشر من الظلم والاستعباد والقهر، فإذا بها تمارس هذا الاستعباد والقهر باسم الاستعمار! والواقع ان المدارس الثانوية الفرنسية لا تزال تخلو حتى الآن من مادة لتدريس تاريخ الاستعباد والاستعمار، وهذا يعني ان فرنسا لا تزال غير قادرة على فتح الصفحة الاستعمارية وتحمل مسؤولية ماضيها الكولونيالي. فالإنسان يصعب عليه أن يعترف بما فعل من أشياء سيئة يوماً ما، ولذلك فإنه يحاول إخفاءها أو حجبها، وما ينطبق على الإنسان ينطبق على الأمم والشعوب.
نقول ذلك على الرغم من أن الكثيرين من المثقفين والسياسيين الفرنسيين، أصبحوا يعترفون بما فعلته بلادهم في القرن التاسع عشر، ويعتذرون عنه ويدينونه، نذكر من بينهم جان بول سارتر بطبيعة الحال، وجيل ديلوز، وميشيل فوكو، وعشرات المثقفين اليساريين من شيوعيين أو غير شيوعيين.
ونذكر أيضاً رئيس الوزراء السابق ميشيل روكار وآخرين عديدين. وبالتالي يمكن القول بأن فرنسا لا تشعر بتأنيب الضمير بسبب سياستها الاستعمارية، ولكن المشكلة هي أن التيار اليميني في فرنسا يرفض الاعتراف بهذه الصفحة السوداء، على العكس انه يرى فيها فترة مجيدة من فترات التاريخ الفرنسي، فترة الفتوحات والأمجاد الإمبراطورية.
مهما يكن من أمر فإن مجرد فتح هذه المناقشة على مصراعيها حالياً من خلال هذا الكتاب يدل على تقدم الوعي واستيقاظ الضمير في المجتمع الفرنسي، والكثيرون أصبحوا يدعون الآن إلى الاعتذار ليس فقط عن فترة الاستعمار وإنما أيضاً عن فترة الاستعباد والرق.
فهي أيضاً فترة سوداء من حياة الشعوب الأوروبية وغير الأوروبية، وذلك لأن الرق، أي استعباد السود كان شائعاً أيضاً في العالم العربي والإسلامي، وينبغي على الولايات المتحدة أن تعتذر عما فعلته بالسود الذين نقلوا إليها من إفريقيا السوداء رغماً عنهم، وكل الأمم التي تاجرت بالرقيق من السود ينبغي أن تعتذر.
لا ريب في أن السود توصلوا إلى حقوقهم المدنية في أميركا بعد نضالات عديدة وتضحيات كبيرة، وهذا يعتبر تقدماً لا يستهان به، بالقياس إلى الماضي، فالسود لم يعودوا مضطهدين في الولايات المتحدة، كما كان عليه الحال في السابق، ولكن ذلك لا يعني أنهم أخذوا كل حقوقهم، فالواقع أن مستواهم المعيشي لا يزال أدنى بكثير من مستوى البيض.
الكتاب: الرق، الاستعمار، وماذا بعد
الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس 2005
الصفحات: 628 صفحة من القطع الكبير
L'ESCLAVAGE, LA COLONISATION, ET APRES
PATRICK WETL ET STEPHANE DUFOIX
PRESSES UNIVERSITA
DE FRANC -PARIS 2005
P. 628
