يعمل أحمد جبار مؤلف هذا الكتاب أستاذا لتاريخ الرياضيات والعلوم في جامعة العلوم والتكنولوجيات في مدينة ليل بشمال فرنسا. سبق له وقدم العديد من المؤلفات من بينها «تاريخ للعلوم العربية» و«الجبر العربي.. فترة تكوين فن».
في «العصر الذهبي للعلوم العربية» يؤكد المؤلف أحمد جبار أن الحضارة العربية الإسلامية قد قدمت إبداعات في ميادين علمية عديدة من بينها علم الفلك والطب والرياضيات والجغرافيا.
وأنها لم تقتصر على مجرد تمثيل المعارف اليونانية والهندية والبابلية والفارسية. أما هذا العصر الذهبي فإن المؤلف يمدده بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر الميلاديين.. وحيث يشكل الارث العلمي العربي كنوزاً ليست معروفة بشكل جيد ولم تنل ما تستحق من الدراسة والاعتراف بها.
طيلة هذه القرون التسعة تنشطت العلوم خاصة في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط وذلك في سياق سياسي وثقافي وإيديولوجي استثنائي وتطورت بفعل تضافر عوامل عديدة..
ويركز المؤلف في تحليلاته لبروز هذا الواقع الجديد على بروز ظاهرة ترجمة المعارف القديمة والدور الذي لعبته هذه الترجمة في تحديد اهتمامات مرحلتها ولكن أيضاً في تحديد التوجهات المستقبلية. مواد هذا الكتاب موزعة بين سبعة فصول يستعرض فيها المؤلف العناصر الأكثر دلالة في المساهمة العلمية العربية في الميادين الأكثر أهمية كماً ونوعاً، أي الرياضات مع بعض ميادينها التطبيقية وعلم الفلك وامتداداته الخاصة باستخداماته، لاسيما الجغرافية منها، والطب بحديه النظري والعملي والكيمياء كعلم تجريبي والميكانيك من خلال مظاهر استخداماته. ويكرسه المؤلف الفصل الأخير من هذا الكتاب لدراسة «الحضور» العلمي العربي الكبير في أوروبا ابتداءً من القرن الحادي عشر، وتحديداً ابتداءً من نهايته، وذلك عبر ثلاثة «مراحل» أساسية تتمثل في الأدوات العلمية والكتب والبشر.
إن المؤلف يميز في «العصر الذهبي للعلوم العربية» عدة مراحل تتمثل أهمها في حقبة الخلفاء الراشدين التي تميزت بظاهرتين اساسيتين هما الفتوحات الكبرى التي فتحت مجالات شاسعة أمام الدين الإسلامي، ثم النزاعات التي انفجرت بين المسلمين فيما بينهم. والفترة الأموية التي اكتملت في ظلها الفتوحات لتمتد أرض الإسلام من سمرقند شرقاً إلى سراغوسة غرباً. وقد خلف العباسيون الأمويين حيث يعتبر العديد من مؤرخي العلوم بأن أولى المبادرات العلمية قد جرت في عهد الخليفة المنصور.
لكن مؤلف هذا الكتاب يؤكد بأن تلك المبادرات كانت ثمرة مسيرة طويلة لم تلفت انتباه المؤرخين إليها لأنها «لم تكن ممهورة بأي حدث كبير». وكانت الفتوحات الأولى قد خلقت مجالاً اقتصادياً شاسعاً على احتكاك مع الصين شرقاً وأوروبا غرباً وإفريقيا جنوب الصحراء جنوباً. ومن خلال التجارة والمبادلات تشكلت نخبة من الأثرياء التقليديين أو الجدد.. وكذلك تحسن كبير في الحالة المعاشية لشريحة كبيرة من المجتمعات العربية الإسلامية. هذا بالإضافة إلى تنوع مكونات النسيج الاجتماعي.. وكان هذا التنوع قد بلغ ذروته في منطقة بلاد ما بين النهرين، وكان هذا كله بمثابة عوامل لتنشيط البحث العلمي. كذلك كانت علوم الاسكندرية عامل تحفيز لذلك البحث ورافداً له.
في المحصلة برزت مجموعات علمية عربية أو معربة، مدركة لدورها وكان البعض منها يمتلك إمكانيات مالية كبيرة وقد انفق بعضهم مبالغ طائلة من أجل ترجمة مخطوطات نادرة في الفيزياء والرياضات. كذلك ساهم اختراع الورق حيث جرت أول تجربة لتصنيعه في سمرقند ثم شيد مصنع ثان في بغداد. وكان ذلك بمثابة «ثورة» في مجتمع كانت الكتابة تتم فيه حصراً على ورق البردي أو على الجلود. الوصول إلى صناعة الورق أدى إلى «ديمقراطية المعرفة».
أما المكتبات فكانت قد بدأت بالتكاثر والانتشار منذ الفترة الأموية. وكان الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون قد أسسا ودعما «بيت الحكمة» الذي كانت «المكتبة» إحدى ركائزه الأساسية.
إن مؤلف هذا الكتاب يرى أن الترجمة قد لعبت أحد أهم الأدوار في تنشيط المعرفة العلمية العربية.. وخاصة من اللغات اليونانية والأشورية والفارسية والسنسكريتية.. وكانت الترجمات الأولى قد اقتصرت على المخطوطات والوثائق المتداولة.. ولكن سرعان ما نضبت المواد المحلية فجرى التوجه نحو البيزنطيين.. ويشير المؤلف بهذا الصدد إلى مهمات عديدة نظمتها السلطة العباسية إلى أديرة ومكتبات في بيزنطة بحثاً عن مؤلفات علمية وفلسفية.
وتتم الإشارة في هذا الإطار أيضاً إلى قائمة من المترجمين الذين أظهروا مواهبهم خلال القرنين الثامن والتاسع بشكل خاص، وقائمة بالأعمال التي ترجموها لمؤلفين كبار من أمثال اقليدس وارخميدس وغيرهما. ويرى المؤلف بأن كتابات أقليدس بالتحديد كانت هي مصدر الإلهام الأساسي في ميدان الهندسة العربية اعتباراً من القرن التاسع، وكانت الهندسة قد اتجهت آنذاك نحو حل المسائل المتعلقة بـ «القياس» و«حساب الحجوم».
ويشير المؤلف في هذا الصدد إلى أعمال العالم الكبير «ثابت بن قرة» وحفيده «من بعده» إبراهيم بن سنان و«ابن الهيثم».. كذلك يشير إلى العديد من الدراسات المكتوبة من قبل علماء فلكيين مثل أعمال «البيروني» في القرن الحادي عشر و«المراكشي» في القرن الثالث عشر والمكرسة كلها لـ «الجوانب الهندسية للأدوات الفلكية».
وعلى صعيد علم «الجبر» يصل المؤلف من خلال تحليله لمحتوى المخطوطات العربية في ميدان «الجبر» والأكثر أهمية منها التي تم تحقيقه في هذا المجال». وخاصة على صعيد توسيع إطاره وتجديد أدواته.. ثم تدخل «الجبر أكثر فأكثر في مجالات أخرى للمساهمة في حل مشاكل عملية أو نظرية.. ووصوله إلى قدر أكبر من «الاستقلال الذاتي» حيال الحساب والهندسة. هذا ويعتبر مؤرخو العلوم اليوم أن كتابات «الخوارزمي» المنشورة ما بين عام 813 وعام 833 بمثابة «الحدث الأول في التاريخ الطويل للجبر». وفي نفس الفترة فكر آخرون غير الخوارزمي في كتاب «دليل» لعلم الجبر يذكر المؤلف منهم «ابن ترك».
أن علم الفلك بالمقارنة مع العلوم الأخرى التي ولدت وتطورت في إطار الحضارة العربية ـ الإسلامية بين القرن الثامن والقرن الخامس عشر، كان هو الذي استفاد من أكبر الإمكانيات والذي «نال المكانة الأرفع في هرم المعرفة». وقد حقق هذا العلم نجاحات كبيرة على صعيد المسائل النظرية التي درسها والمشاكل الملموسة التي أوجد حلاً لها.
وتتم إعادة هذا النجاح إلى عدة أسباب في مقدمتها محاولة تهميش، أو بالأحرى الرد على مشرب آخر «قريب» وإنما لا يقوم على أي أساس هو «التنجيم» حيث يسود الاعتقاد حسبه أن حياة البشر وسلوكهم خاضعان لـ «حركة النجوم» وبالنتيجة «تؤثر حركة الاجرام السماوية بشكل مباشر أو غير مباشر على الحياة الفردية أو الجامعية للبشر».
وهناك سبب جوهري آخر لتقدم علم الفلك يتمثل في «التحقق» من المعلومات الفلكية التي تسمح «بصياغة قوانين أو تفسيرها». هكذا إذن مر الفلكيون العرب بمرحلة «تمثل» وإجراء «دراسة نقدية» للارث الفلكي الماضي. ثم جرى تطوير وصف مجموعات الكواكب وإنجاز «خرائط» و«جداول» فلكية.
على صعيد الترجمات في ميدان علم الفلك فقد تمثلت في ثلاثة مصادر أساسية في البداية هي الفارسية والهندية وخاصة اليونانية. وبالنسبة للترجمات من اللغة الفارسية ينقل المؤلف عن ابن النديم، مؤرخ القرن العاشر ذكره لأسماء خمسة عشر مترجماً دون أن يحدد الأعمال التي ترجموها.. أما أشهر النصوص التي جرى التعرف عليها لاحقاً فيتمثل في «جداول شهريار» الفلكية أما الترجمات من الهندية فقد بدأت في عصر الخليفة العباسي المنصور ودعم منه، وليس معروفاً عدد المؤلفات المترجمة ولا عناوينها كلها ومؤلفيها.
بكل الأحوال ينقل المؤلف عن عالم الفلك الأندلسي «سعيد الأندلسي» الذي عاش في القرن الحادي عشر تأكيده بأنه من بين المدارس الفلكية الهندية الثلاث المعروفة لم تصل إلى العرب سوى مدرسة الـ «سندهند».
بالمقابل هناك معلومات أكثر وفرة عن الأعمال المترجمة من اليونانية إلى اللغة العربية.. وعن محتواها ومترجميها، وفي طليعة الكتب المترجمة أعمال بطليموس وخاصة «كتاب الفرضيات».. ومن الثابت أنه، ورغم أشكال المنع، كان المترجمون العرب يبحثون عن كتب الفلك اليونانية القديمة من أجل نقلها إلى لغتهم.
هذا ولأسباب جغرافية واضحة كانت الكتب البابلية هي الأكثر توفراً وقد بقيت متداولة بكثرة حتى القرن السابع كما يؤكد المترجم «ابن الوحشية» في القرن الحادي عشر بالنسبة للعمل الأكثر شهرة لمؤلفه «داحواناي» والذي يصدر عليه الحكم التالي: «هذا كتاب ثمين، معانيه وقيمته هائلتان. لم أترجمه كاملاً وإنما فقط القسم الأول لأنه يتألف من حوالي 2000 صفحة».
أما الجغرافيا فإنها تشمل في التقاليد العلمية العربية ثلاثة ميادين متمايزة هي الجغرافيا الوصفية وعلاقات السفر وعلم الخرائط. الميدانان الأولان يتعلقان فيما يسمى اليوم بـ «الجغرافيا البشرية»، أي كل المعلومات التي يمكن التي يمكن جمعها حول السكان، وأنماط معيشتهم وسكنهم ونشاطاتهم الاقتصادية وعقائدهم.. الخ أما الميدان الثالث «الأكثر تقنية من الميدانين الآخرين» فإنه وجد أصوله في الأعمال اليونانية المترجمة في القرن التاسع.
وهي تتعلق بحساب المسافات والتوجه في البحر والبر وتحديد خطوط الطول وخطوط العرض واستخداماتها من أجل انجاز مختلف نماذج الخرائط. أن المؤلف يركز في هذا الكتاب على دراسة هذا الميدان الثالث من الجغرافية، هذا مع اشارته إلى أن «علم الجغرافية» لم يتم حتى الآن الكشف عن جميع مساهماته في إطار الحضارة العربية ـ الإسلامية».
كانت «الجغرافية البشرية» كانت في البداية بمثابة إجابة على احتياجات الدول ثم احتياجات التجار وكانت السلطة المركزية في بداية الفتوحات الإسلامية بحاجة إلى معلومات حول البلدان الخاضعة لها وحول سكانها ونشاطاتها الاقتصادية. وليس غريباً في هذا السياق أن يكون أول كتاب «جغرافي» يستحق بجدارة هذه الصفة يحمل عنوان «كتاب الطرق والمماليك» المنشور عام 846.
وإجمالاً كانت النشاطات آنذاك منكبة على ثلاثة مواضيع أساسية كبرى هي «وصف الأراضي والأنهار والبحار والجزر» ثم المسارات والمسافات التقريبية والأماكن الإستراتيجية كالحدود وعناصر الحياة الاقتصادية». أما الموضوع الثالث والأخير «الأكثر أدبية» فإنه يتعلق بـ «المظاهر التاريخية للأمكنة الموصوفة والأساطير الممتزجة معها».
ويتم في هذا الإطار ذكر العديد من الكتب التي تعود كلها إلى القرن العاشر لجغرافيين كبار من أمثال البلخي وابن حوقل والاسطخري والمقريزي.
ويشير المؤلف إلى ان علم الخرائط الجغرافية لدى العرب غير معروف بشكل جيد بسبب ندرة الوثائق، ولكن أكثر بسبب ضياع أو تلف الخرائط التي كانت ترافق النصوص. ويعيد النشاجات الأولى المهمة في هذا الميدان إلى فترة حكم الخليفة العباسي المأمون. وهنا أيضاً كانت أعمال الجغرافيين اليونانيين ذات أهمية كبيرة في تقدم علم الجغرافية عند العرب وبالأخص أعمال المؤرخين الشهيرين «مارينوس» في القرن الأول وبطليموس في القرن الثاني.
وكان الجغرافيون العرب قد وصلوا إلى ذروة انتاجهم في مجال الخرائط خلال القرن العاشر أيضاً.. وكانت الدولة الفاطمية في القاهرة هي التي دفعت الفلكي الكبير «ابن يونس» إلى انجاز خريطة للعالم، لكن للأسف لم يتم الاحتفاظ بها. وفي نفس الفترة كان البيروني قد اهتم خاصة بـ «التقنيات الرياضية» كما سمح بتحسين انجاز الخرائط.
وفي الفصل الأخير من الكتاب يؤكد المؤلف على المساهمة الكبرى التي قدمتها العلوم العربية في النهضة الأوروبية. وذلك عبر انتقال الأفكار العلمية والكتب والمعلومات. لكن هذه المشارب كلها «لا تنتقل وحدها» وإنما كان لابد من وجود الإنسان.. أما العديد من الشباب الأوروبيين قد قرروا طلب المعارف حيث تزدهر.. ومن هنا لم يترددوا في تعلم اللغة العربية ثم نقل كنوزها إلى لغتهم.. ولعل الوضع اليوم مثل الأمس.. وإنما بالمقلوب.
الكتاب: العصر الذهبي للعلوم العربية
الناشر: لوبومييه ـ باريس 2005
الصفحات: 183 صفحة من القطع الصغير
L 'AGE D 'OR DES SEIENCES ARABES
AHMED DJEBBAR
LE POMMIER - PARIS 2005
P.183
