هذا الحوار أجرته محررة صحيفة الاندبندنت الثقافية مع الروائية والكاتبة البريطانية «فاي ويلدون» بمناسبة صدور روايتها الأخيرة «قد لا تغادر» الخامسة والعشرين في سلسلة روايات هذه المؤلفة الشهيرة بغزارة وتنوع الإنتاج الإبداعي.

إضافة إلى تطرق الحوار إلى كل من حياة ويلدون الروائية والشخصية ألقي الضوء أيضاً على الإبداع الروائي النسوي المعاصر والدور الاجتماعي والثقافي الذي لعبته ويلدون بوصفها أحد الأصوات المميزة في هذا المجال.

تسمعني فاي ويلدون نكتة بطلاها اثنان من معدي برامج التسجيلات الموسيقية التلفزيونية ( دي جي ) كانا قد خرجا في رحلة صيد ليلية، وعندما واجها مشكلة حالت دون إتمامهما المهمة، ألغيا الرحلة.

فقال أحدهما للآخر لماذا لا نذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم مثلاً ؟ وأجابه الآخر، لا علم لي بهذا ـ ولكن من هو مشغل أداة تسليط النور؟ تملأ ضحكتها المكان، تضحك كثيراً، وتلتمع عيناها فرحاً .

وحسب اعتقادها الشخصي، لا يمكنها إلا أن تكون كذلك، تقول «إن لحظات السعادة قليلة في حياة النساء، إنها نظرية داروينية، نظرية البقاء للأنسب ينبغي لنا دائماً أن نشعر بالقلق تجاه الرجال، أن ندرأ الخطر، ونخاف على الأطفال.

والحقيقة أن النساء لا يحصلن على قسط أكبر من السعادة. ولذا فأنت تراهن يستيقظن من النوم لمجرد التأكد من أن السمك مثلاً محفوظ في الثلاجة وأن باب المنزل مغلق، من الأفضل لنا أن نسلم بعدم وجود مخرج من هذه الورطة». تضحك مرة ثانية.

إن موضوعات مثل مواصلة البحث عن السعادة، والطيبة، تسيطر على تفكيرها، في أثناء اشتغالها فيما يخيل لك أنه كتاب غريب ـ وهو كتاب للتمرين على كيفية تهذيب الذات ـ وحسبما تقول، فإن بعض ما يحتوي عليه من النصائح يبدو سهلا ـ يشبه نصائح الجدات، التقليدية، من طراز: «كوني طيبة لتكوني سعيدة ـ وكوني سعيدة لتكوني طيبة».

أرفع بصري عن مدونتي وأنظر إليها بشيء من الشعور بالإثارة. اتساءل، هل ستنخرط في مهنة الوعظ والتوعية بآداب السلوك المثالي؟ تعيد طمأنتي غير أنه ليس من المطلوب منك أن تكوني طيبة إلى حد بعيد.

تضيف ابق على ما أنت عليه: على الرغم من أن هذاالشيء هو ما أريد من الناس أن يفهموه من هذا الكتاب، إلا أن بإمكانك أن تفرضي على رغباتك الأساسية نوعاً من النظام، الذي ترمقني بنظرة صافية من عينيها الزرقاوين، نظرة تنم عن القلق ـ «سيتحتم عليك الإستسلام له في يوم من الأيام».

الحقيقة هي أنني أتلهف إلى قراءة كتابها الذي سيشتمل على هذه النصائح لا شك في انه سيلغي غيره من الكتب التقليدية التي تعالج نفس الموضوع.

لقد شهد شهر سبتمبر 2005 صدور، رواية جديدة لويلدون، هذه الرواية تحمل عنواناً ملغزاً «قد لا تغادر» نشرتها دار فورث إستيت وهي رواية مثيرة، لا تختلف في أسلوبها البسيط المراوغ عن الكثير من أعمالها الأخرى ورغم ذلك، فهي ليست رواية بالمعنى التام إنما من ذلك النوع الروائي الذي يجمع بين عناصر الرواية والسيرة الذاتية.

وإلى حد ما كانت رواية «أوتو دا فاي» سيرة ذاتية، تتخللها لمحة روائية أما رواية «شرك الرجال» فقد كانت إلى حد ما رواية تتخللها لمحة من السيرة الذاتية بينما تحتوي رواية «قد لا تغادر» على بعض الحقائق المتعلقة بفاي نفسها. في حين أن شعورها في الوقت الراهن، هو شعور من تخطت تلك العقبات.

إن تداخل الشخصيات، إحدى الملامح المميزة لرواية ويلدون، سيتواصل في هذه الرواية حيث «اغنيسكا» المساعدة المنزلية الماكرة، تسطو بشكل بطيء على ملابس «هاتي» المرأة التي تعمل لديها دون أن تستثني من ذلك الكثير مما يتعلق بحياتها الشخصية.

في روايات أخرى، يصادف القارئ شخصيات مستنسخة، وجوهاً، أجساداً، وحتى أرواح، مقايض بها. ترى لماذا يطفو هذا الموضوع المتعلق بالتبادلية على سطح روايتها، بل لماذا يتفشى بين النساء؟

ترد على سؤالي: «النساء ينسلخن من واقع إلى آخر وعلى الرغم من أنهن عندما يسردن قصص حياتهن على من يعشقن، ثم يعدن إلى سردها بعد مرور أشهر، تكون هذه القصص مختلفة، إلا أنهن يصدقن ما يقلنه ويشعرن بقوة شخصيتهن بعضهن حتى اقوى شخصية مني.

الحقيقة هي أنني أرتدي الثياب ذاتها، غير أنني أتصور أن هذه السترة الجلدية السوداء المذهلة الأنيقة كانت قد تراءت لي في مكان ما». الشخصيات ليست وحدها التي تتداخل في رواية ويلدون. حتى الحواجز الفاصلة بين العلم وبين الخرافة يشوبها التداخل.

إنها امرأة عملية فبينما كانت تجلس بانتظاري كانت مستغرقة في قراءة نسخة من مجلة «نيو ساينتست »العلمية، لكن، على الرغم من ذلك فإن رواية مثل « المحاكمة» تمتليء بالمصادفات الغريبة والأشياء المروعة،هنالك باستمرار شيء من الكشف عن شخصية فاي ذاتها.

تضيف«ينبغي لك أن تعيشي حياتك على أنها حياة عملية، كما لو أن الجلبة الخارجية ليست موجودة في الأساس وعلى الرغم من أنني كنت مستغرقة في قراءة مجلة «نيوساينتست» قبل لحظات، إلا انني ربما كنت أقرأ إلى جانب ذلك الأبراج .

يمكنك القيام بالمهمتين لا ضير في قراءة الأبراج وحدها، ولكن هذا سيجعلها تهيمن على حياتك» ن الزمن يلف ويدور في روايتها، وفي مؤلفاتها السير ذاتية:«من الخطأ الفادح أن ننظر إلى الزمن على أنه يسير في خط مستقيم.

على الرغم من أن من العملي جداً أن نراه كذلك، إلا أنك لو نظرت إليه من الخارج، ومن الأعلى، فسيمكنك أن تملأه بالإشراق في أي وقت أعتقد باستمرار بأن من الغريب أن يتحدث الناس عن تناسخهم في المستقبل، لماذا لا يكون هذا قد حدث لهم في الماضي؟».

بقوة تخترق سلسلة قوية من النساء كل من رواياتها، وحياتها الشخصية بينما يظل الرجال بعيدين، يلفهم الغموض في ذلك المنزل الذي نشأت فيه، في نيوزلندا، المنزل الذي كانت تديره امرأة، في رواية « قد لا تغادر» تكون هاتي، المرأة التي تعمل لديها المربية المسيطرة أماً لطفلة تدعى «كتي»، طفلة مقربة من جدتها التي تشبه ويلدون .

أما ويلدون فهي معجبة بالطريقة التي يسير بها الخط الأنثوي المسلسل، على الرغم من احتجابه، عبر التاريخ لقد عثروا على جثة رجل يعود تاريخها إلى 4000 سنة، ثم أجريت الفحوص على حمضها النووي، ليعثروا بعد ذلك على أحد أقاربه، كان يعيش في مكان قريب، وكان يدرس مادة التاريخ غير أن المؤسف في الأمر هو أنه كان الأخير في سلسلته العائلية ولم تكن له أخوات أو بنات. كان انقسام الخلايا قد توقف في عائلته بعد جيلين متتابعين لم تظهر فيهما النساء.

غير أن الحمض النووي الروائي، يمكنه اجتياز قوانين الطبيعة والزحف إلى المستقبل تقول: ربما كتبت عما يحدث لكتي شيئاً يحدث في المستقبل ـ غير أن ذلك لا يبدو سهلاً ـ فالإنسان لا يفكر في الوقوع في مستنقع من التفاصيل .

تتميز لغة ويلدون بالإيجاز وبالتأثير في نفس القارئ باستخدامها عدداً قليلاً من الكلمات وهي تقول: «كلما كانت اللغة بسيطة، وموجزة، وسريعة كلما كان ذلك أفضل.

وفي النهاية، فإن كل ما تفعله هو الإجابة عن الأسئلة التي تراود القارئ». أقول لنفسي، ربما كان لذلك علاقة بما تدربت عليه في مجال الإعلان من الضروري ألا تثقل على القاريء، وعلى الرغم من الإيجاز، إلا أن ثمة ما هو مخيف ومرعب في روايتها، خاصة عندما تقع أحداثها في إحدى المناطق الريفية.

أشرت إلى شيء جانبي يحدث في رواية «قد لا تغادر»، وهو استخدام الجثث في تغذية الحيوانات إن ذلك من الأشياء التي يعود تاريخها إلى الفترة التي كانت تشرف في أثنائها على إحدى المزارع في سومرست .

تقول هذه الجثث كانت تتغذى عليها الخراف. كانت الرائحة فظيعة ولم يكن هنالك سياج لضمان خصوصيتها وكان الناس يتخبطون في تلك الحفر المليئة بالعظام المطحونة تقيم ويلدون، الآن، في دورست بعدما أرهقها الاشتغال في الزراعة وبعدما عجزت الطبيعة عن تحريضها على الكتابة عن هذه الجزئية. تعلق على الرغم من عدم حدوث هذا، إلا انه سيحدث. وعلى الرغم من ذلك فهي تمضي يومها في الكتابة والقراءة و في لعب الورق على جهاز الكمبيوتر.

وقد تحولت الآن إلى الكتابة بوساطة الكمبيوتر تضيف: «إن الكتابة باليد أكثر تعقيداً، وأكثر تضميناً» لقد أطلق الكمبيوتر طاقتها الكتابية. تقول إنني أعشق كمبيوتري. أعشقه حقيقة إنه يقرأ ما أكتب من سيناريوهات بأصوات مختلفة كما يصحح أخطائي، بجرأة شديدة إنني مغرمة به حقاً تعاود الضحك لقد استمتعنا بفترة أطول من السعادة تزيد على النصف ساعة.

غير أن ويلدون ما تزال تلك المرأة القوية الجادة. فهي أم لثلاثة أبناء وكتبت 25 رواية وعدداً من المسرحيات والسيناريوهات التلفزيونية إلى جانب بعض المؤلفات غير الروائية كما أن لها مساهمات جديرة بالملاحظة في عدد من المجلات ولجان التحكيم وكل ما يتعلق بالمرأة التي تنتمي إلى هذا القرن.

* حقائق عن فاي ويلدون

فاي ويلدون (1931) روائية وكاتبة مسرحية وتلفزيونية وصحافية ثقافية بريطانية غزيرة الإنتاج. ولدت في إنجلترا لأب طبيب وأم روائية ونشأت في نيوزيلندا بعد انفصال والديها أكملت تعليمها العالي في جامعة سانت أندروز حيث درست الاقتصاد وعلم النفس. عملت في بداية حياتها في مجال الإعلان ثم تفرغت للكتابة الإبداعية.

تلقي أعمالها الروائية الترجيكوميدية الضوء على التجربة الإنسانية من خلال المرأة كما تسلط الضوء على حياتها المعاصرة الممزقة بين أعبائها العائلية والعملية. ينظر إليها كصوت مهم في مجال الإبداع النسائي الأنثوي.

أولى رواياتها «دعابة المرأة السمينة» (1967) من أهم أعمالها الروائية «تطبيق عملي»( 1978) ظهرت على القائمة النهائية لجائزة بوكر،«حياة وغراميات امرأة شريرة» (1983)،«استنساخ جوانا ماي» (1989)، «أسى»(1993)،«شرك الرجل» (2004)،«قد لا تغادر»(2005) من مؤلفاتها «نساء شريرات «مجموعة قصصية «المحاكمة».