مؤلف هذا الكتاب هو عبد الحسين شعبان الباحث والأكاديمي العراقي، وهو مختص في القانون الدولي، وخبير في ميدان حقوق الإنسان. ورئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن.

ساهم في تأسيس اللجنة العربية لدعم الأمم المتحدة رقم 3379 (اللجنة العربية المناهضة للصهيونية والعنصرية)، وشغل منصب أمينها العام من 1986 إلى 1989. ويعمل حالياً مستشاراً قانونياً في لندن وأستاذاً جامعياً غير متفرغ.

صدر له العديد من الكتب منها: »الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي« (1985)، و»قرطاجة يجب أن تدمر« (1985)، و»أميركا والإسلام« (1987)، و»الانتفاضة الفلسطينية وحقوق الإنسان« (1991)، و»المحاكمة« (1992)، و»بانوراما حرب الخليج« (1995)، و»السيادة ومبدأ التدخل الإنساني« (2000)، و»المدينة المفتوحة« (2001)، و»الإسلام وحقوق الإنسان« (2001)، و»مدخل إلى القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان« (2002). وله كذلك مؤلفات أدبية منها »بعيداً عن أعين الرقيب« (1994)، و»أبو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة« (1998).

ولدى البدء في قراءة صفحات كتاب »فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي«: »الثقافة والدولة« يتبادر إلى الذهن السؤال عن جدوى الحديث عن التسامح في عصرنا الذي انتشرت فيه بقوة أفكار ومفاهيم الصراع والصدام ما بين الثقافات والحضارات، خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، وتحول الولايات المتحدة الأميركية إلى إمبراطورية، تريد التحكم والهيمنة على العالم، وفرض قيمها ونموذجها عليه.

غير أن الحديث عن التسامح كقيمة مشتركة بين بني البشر، يشبه الحديث عن حوار الحضارات والأديان، ويهدف إلى التفاهم والتعايش مع الآخر، وكذلك الاعتراف به كخطوة في سياق الإقرار بالتنوع البشري في ميادين الفكر والممارسة، وبالتالي الإقرار بالتسامح كمظلة للعيش في الفضاء العالمي المشترك الذي يتسع للجميع.

وعليه فإن كتاب عبد الحسين شعبان يندرج في سياق الدعوة إلى نبذ العنف، وتلمّس أثر التسامح الكامن في جوهر الثقافات والحضارات الإنسانية، بوصفه رسالة تضفي قيمة عليا على الاختلاف والتباين. وليس قدراً محتماً أن يكون الاحتراب صنو الاختلاف، ذلك أن في الاختلاف رحمة، ومنه ينبجس المعنى وتختلق الدلالة، فيكون الإبداع، وتكون التنمية، ويكون السلام.

وقد أبرزت الفلسفة قيمة التسامح التي نهضت عليها حقوق الإنسان وشرعتها، وهي قيمة تجد مرتكزاتها الراسخة في الفكر التوحيدي، وتستند إلى وحدة المشترك الإنساني بغض النظر عن التباينات والاختلافات الفكرية والأيديولوجية والإنسانية، لذلك يقدم المؤلف فكرة المشترك الإنساني بوصفها حاضنة لجملة من القيم الإنسانية الكامنة في جوهر كل الأديان والحضارات.

وينطلق منها ليبيّن أن فكرة التسامح تعني القدرة على تحمل الرأي الآخر، والصبر على أشياء لا يحبها الإنسان ولا يرغب فيها، بل يعتبرها أحياناً مناقضة لمنظومته الفكرية والأخلاقية، ذلك أن قبول مبدأ التسامح وفكرة التعايش يعني تجاوز سبل الانقسام الذي ينهض على أساس رابطة الدم أو الرابطة القومية أو الدين أو الطائفة أو العشيرة أو غيرها من الروابط ما قبل المدنية من الناحيتين النظرية والأخلاقية على أقل تقدير.

أما مبدأ التسامح فيتخذ منابع متعددة، دينية وسياسية وقانونية وأخلاقية واجتماعية وفكرية وفلسفية، لذلك فإن غياب التسامح يعني انتشار ظاهرة التعصب والعنف وسيادة عقلية التحريم والتجريم في السلطة وخارجها من قبل جماعات التطرف والتشدد أو ما اصطلح على تسميته بالجماعات الأصولية، سواء على الصعيد الفكري أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو ما يتعلق بنمط الحياة وأسلوبها.

وينتقد المؤلف الجمود الذي لحق بالفكر الإسلامي، كما ينتقد توظيف الإسلام طبقيا وسياسيا، كذلك ينتقد بالمقابل نزعة العداء للإسلام السائدة في الغرب وظاهرة الإسلاموفوبيا، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001.

ويندرج في هذا السياق نقده لمحاولات بعض المفسرين والمؤولين تطويع أحكام الإسلام بطريقة مؤدلجة، تناسب القيم السائدة، وتخدم النخب الحاكمة وبعض الأفكار التعصب والإنغلاق.

كما ينتقد بعض توجهات الفكر الغربي من خلال رؤية لأزمة هذا الفكر إزاء قضايا التسامح واحترام وقبول الآخر فقد تعامل هذا الفكر بطريقة براغماتية انتهازية مع الإسلام، وساهمت البلدان الغربية مساهمة لا يمكن لأحد أن ينكرها في دعم التيارات الأصولية المتعصبة، بل والجهادية، عندما كان توظيف هذه الاتجاهات يحقق مصالح الغرب وهيمنته، ولكنها انقلبت عليها عندما باتت هذه الأصوليات تهدد مصالح الدول الغربية.

كما روّج الغرب فكرة أن الإسلامويين أو المتطرفين والمتعصبين هم نموذج الإسلام، وكان يريد من وراء ذلك تحقيق أهداف معينة، والأهم هي محاولته فرض الاستتباع والهيمنة.

من هذا المنطلق يحرص المؤلف على مناقشة فكرة التسامح وأساسها دولياً ومعناها وإشكالياتها، ثم مناقشة التسامح إسلامياً وبخاصة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، بغية استكمال الصورة ومعرفة مكوناتها.

والأمر لا يتعلق برغبة رومانسية في التواصل وإنما بالتزام وضرورة. التزام من جهة أن التسامح صار ركناً أساسياً من أركان القانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني وضرورة من جهة كون التسامح صار ضرورة للتعايش المشترك، أو كما يقول غاندي "لا أحب التسامح ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عما أقصده".

وإن كان القرآن الكريم لم يستخدم عبارة "التسامح" بحدّ ذاتها، إلا أنه تحدث عن حرية التديّن في نحو مئة آية، وعليه يؤكد المؤلف "أن التسامح يشكل الأساس في الإسلام".

ثم يبحث في المواثيق والأحلاف الإسلامية، ومنها دستور المدينة (الصحيفة) الذي وضعه النبي في مجتمع تعددي مكوّن من مسلمين ونصارى ويهود ووثنيين، وكان بمثابة عقد اجتماعي ينظم العلاقات مابين القبائل على أساس وحدة سكان المدينة، والمساواة بينهم في الحقوق والكرامة الإنسانية، والعمل على رفع الظلم، والاحتكام إلى الشورى.

ثم جاء صلح الحديبية ليشكل عهداً من لدن النبي إزاء نصارى نجران، واستند إلى مبادئ التسامح وكفل الاعتراف بالآخر كذلك فإن العهدة العمرية التي أجراها الخليفة عمر بن الخطّاب مع البطريرك الاورشليمي صفرونيوس تشكل خير دليل على التسامح إزاء الأديان الأخرى.

أما في عصرنا الراهن فإن »الخطاب الإسلامي، أو الاسلاموي، السائد« يقف عائقاً أمام مبادئ التسامح والحداثة. هو يفغل عن كون "التشدد والغلوّ والتطرف" مفاهيم مناقضة للإسلام، الذي يقوم على "الوسطية والاعتدال والتسامح".

لذلك فإن غياب التسامح أفضى إلى انتشار ظاهرة التعصب والعنف وسيادة عقلية التحريم والتجريم، سواء على الصعيد الفكري أم السياسي أم الاجتماعي أم الثقافي أم ما يتعلق بنمط الحياة.

ونظراً إلى أن واقع الحال في العالم العربي والإسلامي من أكثر الأوضاع قسوة على الصعيد العالمي إزاء قضايا التسامح واحترام حقوق الإنسان، فإن ملايين المسلمين هربوا من بلاهم بسبب الاضطهاد السياسي أو القومي أو المذهبي، وهم يعيشون الآن في بلاد الغرب المسيحي، حيث يتلقون الإعانات والدعم وينعمون بالحرية.

وبالتالي فإن التحدي الأساسي الذي يواجه العالم العربي يتعلق بقدرتنا على اللحاق بالركب الحضاري، ولن يحدث هذا إلا عبر التطور والوسطية والاعتدال والبحث عن المشترك الإنساني والاعتراف بالآخر والتسامح في التعامل معه.

إن المشكلة لا تكمن في الماضي، بل إنها تواجه الحاضر كما يقول المؤلف، فالعديد من الإسلاميين يعيشون في التاريخ ولا يريدون أن يخرجوا من نفقه المظلم. لذلك لا بد من النقد ونبذ ما عفى عليه الزمن وتجاوزته الحياة، واعتماد خطاب جديد يعترف بالآخر ودوره، والبدء بإصلاح دستوري وقانوني، وخلق ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية مناسبة، وإحداث تنمية عقلانية ومستديمة.

وللوصول إلى كل ذلك لابد من الاعتراف بنسبية المعرفة وعدم امتلاك الحقيقة، والإقرار بفكرة الخطأ والصواب وفقاً لما ذهب إليه الإمام الشافعي أو أبو حنيفة أو فولتير، وكذلك الإيمان بالحقوق والحرية والكرامة لجميع الناس، والإقرار بحق الاختلاف، وتبنّي الفكر النقدي، واعتماد مناهج تعليمية كفيلة بتحقيق كل هذه الخطوات.

ويرى المؤلف أن الحل يتمثل في الحوار، ويشترط أن يبدأ كل طرف عملية فعلية لنقد الذات ولموقفه من الآخر، وذلك كي يكون هناك الحوار إيجابياً وفعالاً. فالأمر لا يتعلق برغبة رومانسية في التواصل وإنما بالتزام وضرورة.

التزام من حيث أن التسامح قد صار ركناً أساسياً من أركان القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وضرورة انطلاقاً من كونه ضرورة للتعايش، أو كما يقول غاندي "لا أحب التسامح ولكني لا أجد أفضل منه للتعبير عما أقصده".

لا شك في أن السمة الغالبة على أطروحات الكتاب هي سمة مثالية، تطالب بإعلاء قيمة التسامح واحترام الآخر والاعتراف به، وكذلك الإقرار بالتعددية والاختلاف، ولا يخفف هذه النزعة المثالية بعض النقد العلمي لمواطن الخلل الكائن في الحضارة المعاصرة.

* عمر كوش

الكتاب: فقه التسامح الإسلامي

الثقافة والدولة

الناشر: دار النهار ـ بيروت 2005

الصفحات: 197 صفحة من القطع المتوسط