مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور السيد ولد أباه حاصل على‏ دكتوراه الفلسفة من جامعة تونس وأستاذ في جامعة نواكشوط وعضو في عدد من المؤسسات الثقافية وأصدر من قبل العديد من الكتب منها »مستقبل إسرائيل.. حوارات لقرن جديد«، »التاريخ والحقيقة لدى ميشيل فوكو«.

وفي كتابه الجديد يستعرض الدكتور ولد أباه الجوانب المختلفة لتأثيرات أحداث 11 سبتمبر محاولا الغوص في أعماقها متجاوزا التحليل السطحي لها وإنطلاقا من هذه الرؤية يتساءل المؤلف عما اذا كان زلزال 11 سبتمبر لحظة تحول وقطيعة في التاريخ ونهاية حقبة كاملة وبداية عهد جديد أم مجرد هزة كبرى لا تأثير لها في العمق والجوهر؟

وفي محاولته الإجابة على السؤال يميز ولد أباه بين الحدث في إيقاعه السريع الذي اعتبره جل المحللين والسياسيين وعلى رأسهم بوش بداية مرحلة جديدة من تاريخ العالم وإطار الحدث البنيوي، أي العوامل التي مهدت له ويشير الى أن التحليل الحدثي يقتضي في الوقت نفسه حدا أدنى من التحليل البنيوي.

وعلى ذلك يخلص الى وجود اتجاهات ثلاثة بشأن تفسير ما حدث أولها الذي يعتبر أن أحداث 11 سبتمبر تمثل تكريسا للمسار النهائي منذ نهاية الحرب الباردة أي مشهد الهيمنة الأميركية الأحادية الذي كان يحتاج الى خطر خارجي يوفر له الغطاء الاستراتيجي والفاعلية الهجومية... فالحدث وفر لإدارة بوش فرصة تجسيد مشروعها الإمبراطوري للهيمنة ذي الخلفية الأيديولوجية المحافظة القائمة على التفوق العسكري والأصولية الدينية وأصولية السوق.

أما الاتجاه الثاني فيتمثل في الاتجاه الى اللجوء الى فكرة الصراع الحضاري الأمر الذي أدى الى اختزال الصراع الدائر حاليا في صدام الإسلام والحضارة الغربية المعاصرة وقد أدى ذلك الى الصعوبة البالغة في الفصل بين الإرهاب والمجال الإسلامي في الخطاب الاميركي الرسمي وفي الأدبيات الغربية.

فالسؤالان الرئيسان المطروحان بحدة في الخطاب السياسي والثقافي الأميركي والغربي إجمالا هما: لماذا ظلت المنطقة العربية الإسلامية عصية على التحديث من موقع رفض التغريب ولماذا هي مركز أهم حساسيات التمرد على الهيمنة الأميركية.

والإجابة المقدمة تتسم بالسطحية والتسرع والعجز عن إدراك الأسباب الموضوعية لنشوء ظاهرة التطرف والعداء للمصالح الأميركية والغربية وفي مقدمتها طبعا المعادلة الإسرائيلية.

إتجاه أخير وله أشياعه في المنطقة العربية يري في الحدث مبشرات نهاية الهيمنة الأميركية ومظهراً بارزاً لضعف وهشاشة القوة المتحكمة في العالم وبداية أفول هذه القوة.

ومع تأكيده على ضعف هذا الاتجاه الاخير يشير الى أن أحداث سبتمبر لم تكن بداية لحقبة جديدة ولا هي قطيعة مع نظام دولي مندثر وإنما هي مظهر دراماتيكي لأزمات ثلاث يعاني منها الوضع الدولي في مستويات ثلاثة وثيقة الترابط هي العلاقات الدولية، ديناميكية العولمة، الأرضية الثقافية.

وحسب ولد أباه فإن الظاهرة الأكثر خطورة في أحداث 11 سبتمبر هي تلقي القوة الدولية المهيمنة أقسى ضرباتها في تاريخها المعاصر من عدو مبهم لا موقع له ولا كيان سياسي حقيقي وراءه مما يطرح على العقل الاستراتيجي الاميركي أسئلة خطيرة وعصية حول التحديات غير المسبوقة المنجرة عن تصدعات واختلالات ديناميكية العولمة.

ثم يتطرق المؤلف بعد ذلك الى تناول العلاقات الدولية فيما بعد 11 سبتمبر عارضا بعض الاتجاهات البارزة في العلاقات الدولية بعد زلزال سبتمبر على مستويات ثلاث: أولها العالم الإسلامي والذي عرف إثر الأحداث تحولات جوهرية أكثر مما أثرت فيه سنوات العقد المنصرم.

وثانيها الولايات المتحدة ذاتها مضيفا أن الظاهرة البارزة الأن هي تزايد العزلة الاميركية على الساحة الدولية إثر انحسار موجة التعاطف العارم معها بعد الحدث، فالتحالف الدولي ضد الإرهاب أصبح هشا ولم يعد بإمكانه تأمين الوقوف الآلي مع الوحش الأميركي المنفلت من كل قيود وضوابط.

أما الوضع الدولي العام فيشهد انبثاق نمط جديد من التعددية القطبية بدأت معالمه تبرز في ظهور قوى دولية متنامية، وإن كان لا يقر تماما هذه التوجهات.

وفي تناوله لاتجاهات الفكر الاستراتيجي الأميركي بعد هذه الأحداث يشير الى عدة اتجاهات تتنازع هذا الفكر تتراوح بين التنظير للاحادية القطبية بمنظور انعزالي أو اعتماد المسلك نفسه بمنظور تبشيري نشط..

فالمدرسة الانعزالية تعتبر أميركا أمة مكتملة ذات حدود نهاية ومن ثم يجب على سياستها الخارجية أن تهدف الى إعطاء الاولوية لتحصين الامة وتدعيم وحدتها.. فنموذج الدبلوماسية الأميركية يجب أن يكون الحية المنكفئة على نفسها التي لا تؤذي أحدا قبل أن يهاجمها.

فيما يذهب النموذج التبشيري الى أن الولايات المتحدة يجب أن تكون بمثابة الفارس الذي يجوب العالم لاصلاح الأغلاط ومحاربة الشر وإنفاق الثروة الأميركية في تعميم الديمقراطية في العالم.

ثم يتطرق الى علاقات أوروبا والولايات المتحدة فيما بعد الأحداث موضحا انها تسببت في تصدع ظرفي قد يستمر، الأمر الذي يعبر عنه مفكران أميركيان بتأكيد نهاية مفهوم الغرب الاستراتيجي حتى ولو كان الغرب الحضاري لا يزال قائما، فالمنظومة الغربية لم تعد موحدة اليوم إزاء كون جناحاها الرئيسان أوروبا وأميركا يختلفان جوهريا في نماذجها الاجتماعية وتوجهاتهما الاستراتيجية ونظرتيهما للعلاقات الدولية.

ثم ينتقل الدكتور السيد ولد أباه الى استعراض قضية الإرهاب والمشروعية بعد أحداث سبتمبر من خلال تناول الخلفيات الفلسفية والاستراتيجية لمفهوم الحرب العادلة. فالنزاعات الدامية التي سرعان ما اندلعت بعد نهاية الحرب الباردة في مناطق شتى من العالم ولدت انطباعا مغاير بأن عالم ما بعد الصراع القطبي الثنائي سيكون أكثر فظاعة وعنف من الوضع الدولي السابق.

فكان الوعي بضرورة مراجعة المنظمة الدولية التي بدت عاجزة عن احتواء مثل هذه التحديات فبرز توجهان أحدهما يميل الى تخويل القوة العظمي الوحيدة مسؤولية حفظ الأمن والتدخل المباشر لضمان السلم الدولي، في حين يميل التوجه الثاني الى معالجة اختلالات القانون الدولي بتقييد مفهوم السيادة القومية، الأمر الذي انعكس في بروز مبدأ حق التدخل الإنساني.

وهو مبدأ رغم ما قد يرد عليه من تحفظات كتعبير عن التوجه الثاني إلا أنه يختلف كثيرا من حيث الخلفية المنهجية والمنظور القيمي عن مبدأ الحرب العادلة الذي بعثته الدوائر الفكرية والسياسية الأميركية من السجل اللاهوتي الوسيط لبناء أطروحة جديدة في العلاقات الدولية تناسب من منظورها التحدي الأبرز الذي يواجهها العالم اليوم الذي هو بتعبير هذه الأوساط الإرهاب العابر للقارات القائم على أسلحة الدمار الشامل.

ويخلص الدكتور السيد ولد أباه الى أن زلزال سبتمبر الذي كرس قطيعة نوعية في مسار الفكر الاستراتيجي الأميركي هو الذي سمح لأول مرة بتبني الإدارة الحاكمة التي يهيمن عليها المحافظون الجدد والإنجيليون الأصوليون بعض مقاييس الحرب العادلة ولو ضمن منظور لا يزال حرجا في التنصل النهائي من مرجعية الشرعية الدولية.

ولعله من هنا التقط بوش اعتداءات 11 سبتمبر واطلق لفظ الحرب العالمية ضد الإرهاب معتبرا إياها أفظع وأقسي من أي حرب دخلتها الولايات المتحدة من قبل بعد أن كانت الفلسفة الاستراتيجية الأميركية تجد مصاعب جمة في تحديد المخاطر التي تتهدد النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

ويحاول المؤلف بعد ذلك التطرق الى مأزق استراتيجة محاربة الإرهاب أو أوهام الحرب العادلة مشيرا الى أنه يأتي على رأس أبعاد هذا المأزق أن مفهوم الإرهاب نفسه يظل غامضا في الخطاب السياسي الاستراتيجي الأميركي لا يخضع لأي تحديد إشكالي ولا اسكتناه نظري دقيق. ص 89.

مضيفا أنه لا معنى لمقولة الحرب على الإرهاب العاجزة عن تحديد الخصم المستهدف، فضلا عن أن الولايات المتحدة وأوروبا هما ايضا مراكز تصدير وإيواء الإرهاب ومواقع تكوين الإرهابيين كما ظهر خلال أحداث 11 سبتمبر على حد ما يشير الكتاب.

ثم يقدم رؤية أخرى في تعزيز ما يذهب اليه مستعينا برأي أحد المفكرين الغربيين الذي يري أن حركية الإرهاب مقوم أساسي من مقومات النسق الراهن للعولمة ولا تمكن قراءتها من خارجه فهي الوجه الملازم لمنظومة شمولية ذات سمة كونية، وعلى ذلك يخلص الى أن الأمر ليس صراع حضارات أو أديان على عكس الصورة السائدة في الإعلام وإنما هو صدام عميق وجوهري في ما وراء شبحي أميركا والإسلام، إلى صدام العولمة مع نفسها، أي تصدعها الذاتي.

ينتقل المؤلف بعد ذلك في إطار استعراضه للإشكاليات الفكرية والاستراتيجية لعالم ما بعد 11 سبتمبر الى وضع النظام العربي بعد هذه الأحداث، مشيرا الى أنه برز منذ الصدمة الأولى لزلزال سبتمبر اتجاه واضح الى النظر الى الحدث المأساوي بصفته نقطة تحول نوعية في علاقات العرب بمحيطهم العالمي ونهاية حقبة الإستثناء العربي في مرحلة شهد العالم بأسره تحولات جذرية خلال العقدين الماضيين.

وكانت النتيجة الحتمية هي صعوبة أن تلج المنطقة العربية العالم الراهن بمنطق وأدوات وآليات مرحلة انتهت وتجاوزتها الدوائر الإقليمية القريبة من أوضاعنا ما أدى الى أن أصبحت دينامية الإصلاح غاية ملحة لا سبيل لتأجليها وكل تهاون في شأنها يخدم الضغوط الأميركية التي يتفق على رفضها الحكام والمحكومون.

وعلى ذلك يستعرض المؤلف المطلب الإصلاحي في بعديه الأساسيين اللذين يكثر الحديث عنهما في الوقت الحالي وهما الإصلاح الديني والثقافي، والإصلاح السياسي في الإطارين الداخلي والإقليمي.

وفي إطار استعراضه للمقاربة الإصلاحية يعرض بالتفصيل والنقد للمنطلقات الثلاثة الأساسية والتي تتمثل بالأساس في : إتجاه يطالب بالإصلاح من داخل المرجعية الإسلامية، وثان يطالب بضرورة معالجة النص الإسلامي داخل التقليد الكتابي الذي ينتمي اليه، بما يعني إخضاع هذا النص لمناهج النقد والتأويل التي طبقت على العهدين القديم والجديد، وثالث يدعو الى تطبيق مناهج العلوم الإنسانية المعاصرة وفلسفات التأويل الجديدة على هذا النص.

أما بالنسبة للإصلاح السياسي والذي ساد الشعور بضرورته في الداخل فإن مشروعه بدأ يأخذ طريقه الى التبلور من خلال الخارج مع خطاب بوش في مايو 2003 من خلال ما سمى بمبادرة الشرق الأوسط الكبير الممتد من موريتانيا الى أفغانستان.

وهو الأمر الذي توزع الخطاب العربي إزاءه الى اتجاهين احدهما ينزع الى التجييش العاطفي باستخدام لغة الصدام والمقاومة وثانيهما ينزع الى مسلك التحليل الواقعي الذي قد يفضي في بعض الأحيان الى تسويق المشروع الأميركي بصفته الخيار المتاح والفرصة المنتظرة.

ويختتم المؤلف كتابه بالحديث عن »الإسلام في الخطاب الأميركي.. وهم الصورة ووهم الخطر« مشيرا الى تزايد الكتابات عن الإسلام في الغرب بشكل لا يعكس تطورا نوعيا في الجهد العلمي بقدر ما يعكس أن المسألة الإسلامية هي التحدي الأساسي في الرهان العالمي الحالي.

ويتتبع في هذا الإطار تشكل الصورة العدائية عن الإسلام في الثقافة الغربية السائدة بعد أحداث سبتمبر مشيرا الى أن هذه الصورة تتحدد وفق نماذج ثلاثة نظرية متشابكة، الاول الإسلام ضمن التقليد الكتابي وتتأرجح النظرة على أساس هذا النموذج بين النكوص للأحكام الإستشراقية باعتبار الإسلام.. يهودية أو مسيحية محرفة، أو النظر اليه بصفته ديانة جامدة.

أما النموذج الثاني فيحاول تناول علاقة الإسلام بالحداثة فكرا وقيما والتي يحكم عليها في الغالب بأنها منقطعة أو مستحيلة، الثالث الإسلام من المنظور الاستراتيجي وهو الأكثر انتشاراً وتم تجذيره على يد هنتنغتون من خلال مفهوم صراع الحضارات ووفقا لهذا النموذج فالإسلام هو العدو الأخضر الراهن.

ألفت عبدالله

الكتاب : عالم ما بعد 11 سبتمبر

الناشر : الدار العربية للعلوم – بيروت 2004

الصفحات: 176 صفحة من القطع الكبير