صدر حديثاً عن شركة الفكر للطباعة والنشر كتاب "التغلغل الإسرائيلي في العراق الأهداف والمخاطر" لمؤلفه سهيل حاطوم وهو صحافي وسياسي سوري يعرض في كتابه الذي جاء في ما يشبه تأريخ يومي لأشكال التغلغل الإسرائيلي في العراق من خلال رصد للأحداث المعاصرة مع العودة إلى الوراء لاستعراض الوجود اليهودي في العراق منذ السبي البابلي.

الكتاب هو باكورة أعمال حاطوم وخلاصة جهد ومتابعة حثيثة، يطرح من الأسئلة أكثر ما يطرح إجابات تاركاً للمهتمين الغوص وراء هذه الخيوط السرية بعد أن سلط الضوء عليها.

لذلك بدا جهده واضحاً لجهة قرعه جرس الإنذار والخطورة بآن معاً إلى ما يتشكل الآن في العراق، والذي قد تفوق خطورته كل ما شهدته الأمة العربية ويوقظ الكاتب ذاكرتنا بالعودة إلى الماضي القريب حيث إسرائيل أخرى تحاول التشكل في المخاض العراقي وسط واقع عربي مثقل بالقهر والتفكك.

يتوزع الكتاب بين ثمانية فصول مدعومة بالشواهد والتواريخ والأرقام المستقاة من متابعات وأحاديث وتصريحات قادة ومفكرين يهود وتناولته الصحافة العربية، لذلك جاء الكتاب بمثابة تأريخ لفترة عشنا فصولها ومازلنا مع العودة بنا بين الفينة والأخرى إلى الماضي القريب والبعيد لربط ما يجري الآن بالأسس والمنطلقات التي يعتمد عليها اليهود.

بدا حاطوم كتابه بتناول الوجود اليهودي في العراق منذ السبي البابلي 587 ق.م مروراً بالعصور اليونانية والرومانية والإسلامية وتمتعهم خلال هذه الحقبة بالمعاملة الحسنة، وكانوا يديرون شؤونهم بأنفسهم خلال الحكم العثماني حيث كان لهم منزلة مهمة في الاستيراد والتصدير وفي السوق والمصارف.

وحتى بداية القرن العشرين كان اليهود يدفعون الضرائب المتوجبة للحكومة مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية، إلا أن امتلاك اليهود للمال مكنهم من الحصول على موطئ قدم في الميدان التجاري مستفيدين من علاقاتهم مع يهود أوروبا والهند، وتحول هذا النفوذ إلى قوة سياسية إلى حد تسلم أحد يهود العراق ساسون حزقيل منصب وزير للمالية.

الحركة الصهيونية لم تترك يهود العراق وشأنهم فحاولت الاتصال بهم بشتى الطرق لاستغلال وجودهم في العراق ففي عام 1903 حاول هرتزل إيجاد مستعمرات في العراق من خلال اتصالاته مع الدولة العثمانية إلا أن السلطان عبدالحميد الثاني رفض.

وخلال الانتداب البريطاني1921 -1932 نشطت الحركة الصهيونية والوكالات والجمعيات اليهودية في نشر اللغة والكتب العبرية بين يهود العراق مستفيدة من الإمكانات المالية التي توفرت والتي مكنتها من الاتصال المباشر بالمؤسسات الصهيونية العالمية وأسست جمعيات يهودية تحت لبوس اجتماعي ومع حلول عام 1932 كان في العراق حوالي 21 جمعية وناد يهودي مرخص من المندوب السامي البريطاني.

ولم يقتصر نشاط اليهود على المجال الاقتصادي بل وصل إلى الميدان الثقافي فكانت المدارس والصحف والمطابع الخاصة بهم إضافة إلى قيام دور السينما بعرض أفلام صهيونية ومناظر للمستعمرات الزراعية.

ومنذ 1919 بدأت الحركة الصهيونية بجمع الأموال من يهود العراق وفي عام 1920 تبرعوا بـ 6.5% من مجموع التبرعات أي ما يعادل المرتبة الرابعة عالمياً بعد يهود أميركا وانجلترا والصين وترافق ذلك مع البدء الفعلي لأول موجات الهجرة إلى فلسطين.

و يعرض الكتاب للأطماع الإسرائيلية في العراق وخط أنابيب نفط الموصل – حيفا وابرز مشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق منذ أن قامت الدولة العبرية على أرض فلسطين حيث ترى الحكومات المتعاقبة في العراق حلاً لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومصدراً مهماً للحصول على المياه والطاقة.

كما بقي العراق في مقدمة الأطماع الصهيونية لتحقيق الحلم التوراتي في إسرائيل الكبرى وظلت تراقب تطور العراق وتحرض عليه كما لم تتورع عن ضرب مفاعله الذري عام 1981 وتدميره بالكامل.

كما كان لها في زرع الفتن عبر تذكية المشاريع الانفصالية بهدف إضعاف العراق وتمزيق وحدته ودعم الأكراد ومدهم بالسلاح وصولاً إلى الحرب الأميركية على العراق التي هي أولاً وأخيراً من أجل إسرائيل حسب اعتراف نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني.

كما ويتناول الدور الإسرائيلي في الحرب على العراق والحملات المستمرة للتحريض عليه قبيل هذه الحرب إضافة إلى التنسيق الثنائي بين الولايات المتحدة وإسرائيل إبان الحرب والمشاركة فيها. فقد عملت إسرائيل على التحريض على العراق بعد أن حقق خططاً اقتصادية وتنموية وعسكرية طموحة قبل أن يتم توريطه بالحرب مع إيران ومن بعدها غزو الكويت.

لذا قامت الاستراتيجية الإسرائيلية على أساس السعي الدائم لإجهاض إمكاناته وكان من جملة المطالب الإسرائيلية بعد احتلال العراق تسلم العلماء والباحثين والعاملين في برامج التسلح العراقي السابقة لاستجوابهم في الولايات المتحدة.

ومن المفيد التذكير أن الدعوة الإسرائيلية لضرب العراق ترجع إلى عدة سنوات قبل أحداث أيلول أي إلى 1979 حين تحركت مراكز الضغط اليهودي في الولايات المتحدة وإسرائيل لإقناع الإدارات الأميركية بوجوب إسقاط النظام وإطلاق مشروع الهيمنة على ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير.

لقد وضعت إسرائيل كل ثقلها إلى جانب واشنطن قبل الحرب وبعدها بما في ذلك إمدادها بمعدات المسح الجوي وطائرات بلا طيار وظهرت المشاركة الإسرائيلية في الحرب منذ اللحظات الأولى للغزو الذي أعده بالأساس غلاة اليهود (ريتشارد بيرل بول وولفوفيتز ودوغلاس فايث).

وقامت إسرائيل بتدريب عناصر من الوحدات الخاصة الأميركية على حرب المدن وشاركت مجموعة من العسكريين الإسرائيليين من أصول عراقية كأدلاء للقوات الأميركية وأخرى في عمليات تعذيب السجناء في أبوغريب.

أما بخصوص التواجد الاستخباراتي والسياسي في العراق وخاصة في الشمال فإنه لم يعد مجرد خطط حبيسة الأدراج وتصريحات بل حقيقة يعترف كبار المسؤولين الإسرائيليين حيث اعترف شارون في يوليو 2004 خلال لقاء جمعه مع السناتور جوزف ليبرمان بإقامة الصلات مع القادة الأكراد واعترف وزير خارجيته شالوم بوجود شركات إسرائيلية ومراكز أبحاث وأمن وبتدفق مئات اليهود إلى كردستان العراق للإقامة في المناطق الحدودية فضلاً عن تدريب البشمركة.

أما لجهة التغلغل الاقتصادي في العراق فإن هذا البلد يتعرض ومنذ الحرب لغزو تجاري من قبل عشرات الشركات الإسرائيلية التي اندفعت للحصول على حصة من الكعكة خاصة بعد أن أصبحت الساحة مفتوحة بفضل التسهيلات الأميركية، وفي 21 /7/2003 أصدر وزير المالية الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بياناً أعلن فيه إلغاء قرار حظر التجارة مع العراق وفي 20/4/2004.

كشفت معاريف عن وجود عدد كبير من الشخصيات الإسرائيلية البارزة التي تعمل في العراق ومن ضمنها رئيس هيئة الأركان السابق أمنون شاحاك كذلك كشفت عن وجود مفاوضات للحصول على عقود في إعادة الإعمار.

وفي هذا السياق أيضاً نقلت صحيفة "الرياض" السعودية بتاريخ 24/8 /2004عن مصدر في وزارة التجارة العراقية قوله إن إسرائيل صدرت في تموز 2003 بضائع بقيمة 20 مليون دولار للعراق منتجات زراعية وأغذية معلبة ومشروبات غازية وكحولية إضافة إلى عقود في مجال المطارات والهواتف النقالة وتكرير المياه والنقل والشحن وحسب معاريف.

فإن هناك ما بين 70/ 100 شركة إسرائيلية تسوق بضائع في السوق العراقي هذا فضلاً عن تغلغل الخبرات الإسرائيلية في مجالات الحياة العراقية المختلفة. ولم تكتف إسرائيل بذلك بل عمدت إلى شراء الأراضي في الشمال عن طريق عناصر الموساد بما يفوق أضعاف أثمانها الحقيقية وخاصة على الحدود مع سورية وتركيا وإيران كما يقوم عناصر الموساد بشراء العقارات في بغداد.

ويخلص الكاتب إلى اعتبار أن ما يجري على الساحة العراقية من عمليات تفجير واغتيالات منظمة ما هو إلا من صنع إسرائيلي بامتياز لإثارة الفتن وهذا لا يدخل في باب التكهن بل هو أمر واقع مؤكد مستشهداًَ بما قاله الشيخ مهدي أحمد الصميدعي رئيس وفد هيئة الإفتاء والإرشاد في العراق الذي أكد أن الموساد يقف وراء التفجيرات التي طالت الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.

وفي هذا السياق يذكر أن القيادة الأميركية رحلت أكثر من 15 من عناصر الموساد الذين كانوا يقيمون في أحد الفنادق ببغداد تحت أسماء مستعارة بعد أن توصلت إلى معلومات مهمة تفيد بتورطهم في عملية اغتيال رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق محمد باقر الحكيم وكذلك استهداف العلماء وتصفيتهم وسرقة ونهب المتاحف والتراث الإنساني والحضاري العراقي والعبث فيه.

* شوكت أبوفخر

الكتاب: التغلغل الإسرائيلي في العراق

الأهداف والمخاطر

الناشر: دار الفكر للطباعة ــ السويداء 2005

الصفحات: 146 صفحة من القطع المتوسط