مصنّف كتاب «طرائف الطرف» هو «الحسين بن محمد بن عبدالله الحارثي» الشهير بالبارع البغدادي، ولد في بغداد سنة 443 هجرية في بيت مجد وسؤود ووزارة، جده الأعلى «سليمان بن وهب» من أعلام الكتاب في عصره، ولي الوزارة «للمهتدي بالله» ثم «للمعتمد على الله» وابنه «عبدالله بن سليمان» وكان من أكابر الكتّاب استوزره المعتمد العباسي، ثم المعتضد بعده وابن الأخير القاسم استوزره المعتضد بالله العباسي بعد أبيه.

وقد ذكر الباحثون للبارع البغدادي، مصنفات غير كتابه هذا، إضافة إلى ديوان شعر، وقد أجمعوا على مكانته الرفيعة في دنيا العلم والأدب، إذ قال العماد الكاتب عنه: كان نحوي زمانه، فاضلاً عارفاً باللغة والأدب وله شعر مليح. ووصفه «ابن خلّكان» بأنه: الشاعر المشهور الأديب النديم البغدادي، وكان نحوياً، لغوياً، مقرئاً، حسن المعرفة بصنوف الآداب، وأفاد خلقاً كثيراً، خصوصاً بإقراء القرآن الكريم».

وتشير قصائده إلى تنقله في البلدان، ورحلته من «هراة» التي نسب إليها، إلى «بغداد» التي ولد بها ودفن فيها، إلى الحلّة التي استقر فيها مدة أيام حكم بني مزيد الأسديين، إلى الحجاز التي زارها غير مرة، وقد عمي في آخر عمره، وتوفي في بغداد سنة 524 هجرية.

كتاب «طرائف الطرف» مختارات شعرية، اختارها مؤلفه من نوادر الشعراء الذين أدرك زمانهم وقرأ عليهم دواوينهم، متجنباً الشائع الذائع، وأضاف إليها بعض نوادر الشعراء المتقدمين ممن عاشوا في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وألحق بها مختارات من شعره على وفق أبوابه.

ومعلوم أن ديوان «المفضليات» التي اختارها «المفضل الضبي» المتوفى في حدود سنة 168 هجرية، يمثل أقدم ما وصلنا من كتب المختارات الشعرية، وبعد تأليف «أبي تمام» لحماسته، صارت كتب المختارات الشعرية هذه تعرف بالحماسات، وقد وصلنا منها: حماسة البحتري، حماسة الشجري، الحماسة البصرية، حماسة الظرفاء، وكتابنا هذا «طرائف الطرف» له شأن كبير في بابه، ذلك أنه يضيف إلى ديوان الشعر العربي إضافة ذات بال.

فكثير من الشعراء الذين اختار لهم المؤلف غير معروفين أصلاً، وحتى المعروفين منهم أورد لهم أشعاراً نادرة لا وجود لها، كما أضاف جديداً إلى دواوين شعراء طبعت دواوينهم أمثال: علي بن الجهم، ابن الرومي، ابن دريد، ابن نباته السعدي، الطغرائي، أحمد بن أبي فنن وغيرهم.

يقدم الكتاب إضافة لذلك مجموعة منتقاة من شعر مؤلفه، تصلح أن تكون نواة لصنع ديوانه الضائع. يبدأ الكتاب كالعادة، بمقدمة يحمد فيها المؤلف ربه ثم يصلي على نبيه المصطفى محمد «صلى الله عليه وسلم» وعلى آله وأصحابه، ليقول: فإني أردت أن أجمع طرفاً من الطرائف، من درة التاج وواسطة العقد، وما خلص على مسبك النقد، أكثر لأهل العصر والقريبي العهد ممن أدركت زمانه، وقرأت عليه ديوانه، وأودعتها مقدمة الأبواب في كل باب من شعر المتقدمين بدائع ما حكتها الألسن.

وعلى هذا فقد بوْب المصنف كتابه في اثني عشر باباً، يبدأ الباب الأول: في الحكم والأمثال، وما يحسن منها في الكتابة والمقال: فيبدأ في قول أبي العلاء المعري:

ألا إنما الأيام أبناءُ واحدٍ وهذي الليالي كلّها أخواتُ

فلا تطلبَنْ من عند يوم وليلةٍ خلاف الذي مرّت به السنواتُ

ثم يقدم كثيراً من الأشعار النادرة بعد ذلك في هذا الباب، ليأتي الباب الثاني بعنوان في مكارم الأخلاق، بادئاً بعلي بن الجهم في قوله:

تعزّ فإنّ الصبر بالحرِّ أجمل وليس على ريب الزمان معوّل

وعاقبة الصبر الجميل جميلة وأفضل أخلاق الرِّجال التفضّل

محمد سطام الفهد