الدكتور السيد إبراهيم أستاذ النقد الأدبي الحديث في جامعة القاهرة ناقد وشاعر صدر له في النقد الأدبي كتب: »الضرورة الشعرية دراسة أسلوبية 1979 ونظرية القارئ 1997، ونظرية الرواية 1988، إضافة إلى دواوين شعرية "صلوات العشاق" 1998، وعبير الرياض 2003، ولينور القاهرة 2005.

وفي كتابه الجديد المتخيل الثقافي ونظرية التحليل النفسي المعاصر يحاول إعادة الاعتبار إلى الدور الذي يمكن أن تقوم به نظرية التحليل النفسي على صعيد الأفكار والمفاهيم التي قدمتها لا سيما تلك المفاهيم الأساسية للنظرية التي دخلت في كثير من نظريات الخطاب الثقافي المعاصر، وفي مقدمتها الأفكار التي قدمها جاك لاكان الذي أحيا النقد الفرويدي.

ويضيف الناقد أن الاهتمام المتجدد بهذه النظرية ينبع من محاولة تجاوز المناهج الشكلية الحداثية خاصة وأن توجهات النقد التحليلي النفسي تقوم على محاولات تقديم نظرية جمالية، أو نظام منهجي من الأفكار موضوعه البحث في المعنى في الأعمال الأدبية.

ثم يوضح الأهداف التي يسعى البحث إلى إنجازها من خلال مدخل نظري وآخر تطبيقي يسعى في الأول إلى استعراض تاريخ استعمال النظرية الفرويدية في تفسير الأعمال، لكنه قبل ذلك يشير إلى خطأ وقعت فيه الدراسات الأدبية لايت اعتمدت منهج التحليل النفسي قديماً، ويتمثل في أنها لم تتجه إلى درس النصوص في ذاتها، بل جعلتها سبيلاً إلى دراسة مؤلفيها، أو الشخصيات الموجودة فيها.

وبالتالي فإنها لم تخبرنا إلا بالقليل عن بنية النصوص الأدبية وبلاغتها، لقد تمثل تاريخ النقد التحليلي النفسي منذ البداية وحتى اليوم في تدرجه في الاهتمام من المؤلف إلى الشخصية في العمل الأدبي، ثم تحول إلى الاهتمام بالقارئ وبدوره في خلق المعنى في العمل الأدبي، والاهتمام أيضاً بالنص، حيث جاء الاهتمام الأخير مرتبطاً بالتطور الذي حدث في دراسة التحليل النفسي.

ويعد مؤسس هذا المنهج فرويد أول من وجه الاهتمام نحو المؤلف الذي كان يرى أن يخفي أفكاره تحت عباءة من الصور، وقد ظل هذا النقد حتى الخمسينات يدور على فكرة المؤلف مما تطلب الاهتمام بجمع الحقائق حول شخصيته وفي مقدمتها سيرته الشخصية ورسائله، ثم أتت مرحلة جديدة انصرف فيها الاهتمام إلى الشخصيات في العمل الأدبي مما أدى إلى تحليلات للعمل الأدبي أكثر تعقيداً كانت تقوم على إسقاط للجوانب المقموعة في نفس الكاتب كما في دراسة روبرت روجرز عن القرين في الأدب.

المرحلة التالية انتقل فيها النقاد إلى القارئ انطلاقاً من ملاحظة تقوم على أن للقراء مفاهيمهم عن كل شخصية من شخصيات المؤلف »الأمر الذي قاد التحليل إلى تحليل دوافع الشخصيات في العمل الأدبي وتحليل أفعالهم، ومن أهم ممثلي هذا الاتجاه نورمان هولاند وقد عرضت هذه المدرسة بمدرسة نقد الاستجابة.

إلا أن الانعطافة المهمة التي تحققت في هذا المجال كانت على يد عالم التحليل النفسي الفرنسي جاك لاكان الأمر الذي عمل على توجيه الدراسات التحليلية النفسية نحو النص نفسه باعتباره بنية لغوية ورغم ذلك يعود الناقد إلى تأكيد أبوة فرويد لنظرية التحليل النفسي، والذي اعتبر النص الأدبي فنتازيا أو حلماً يكون غرض الكاتب منه إشباع رغبته المكبوتة التي ترجع بصورة خاصة إلى الطفولة.

ويشرح الكاتب الناقد الأسس التي قامت عليها هذه النظرية عند فرويد توجهاتها التي ظلت معنية بفهم طبيعة العقل الواعي على نحو مباشر أو غير مباشر ومن ثم المراحل التي يمر بها تطور النفس عند الإنسان، وبعدها ينتقل للحديث عن نظرية كارل يونج أشهر تلامذة فرويد الذي أكد على ان اللاشعور الجمعي يشتمل على جميع ما يقع لنا كل يوم في حياتنا الشخصية أو الخاصة.

وهذا اللاشعور الجمعي يقع في أعماق النفس ويشكل مخزونا من المعارف المتراكمة والتجارب والصور التي يشترك فيها البشر جميعا، وقد عرف النقد الذي يطبقه بنقد الأنماط الأصلية وأشهر ممثلي هذا النقد الناقد الروسي نورثروب فراي صاحب كتاب »تشريح النقد 1957« وفيه اعتبر أن الأدب ليس إلا قصة واحدة مكتملة يسميها الأسطورة الأحادية، وتعد حقبة الخمسينات هي الحقبة التي انصب عليها النقد الأدبي في هذا المجال.

المرحلة التالية هي مرحلة النقد المنصب على النص أو نظرية لاكان في التحليل النفسي والتي جرى التركيز فيها على الأحلام، ولكن بالاعتماد على مبادئ بنيوية لغوية كاللغة نفسها وهنا يظهر تمايزه عن معلمه فرويد، إذا اعتبر أن اللاشعور يقوم على البنية وليس على الفوضى "كما كان يقول فرويد".

كما أن اللاشعور ليس نتيجة للكبت أو من أعراضه، بل هو خطاب فاللغة عند لاكان استعارية وهناك مقاومة ذاتية داخل اللغة للالماع بالمعنى ما يجعل الاستعارة خلقا لمدلول جديد، ويستطرد الناقد في شرح مضمون هذه النظرية استناداً إلى عدد من الدراسات لأكثر من عمل أدبي، وفكرة لبيان الأسس التي قام عليها منهج لاكان في هذه النظرية.

يركز لاكان في هذه النظرية على دور الأدب الذي يهيئ الطفل للدخول في الوجود الاجتماعي مع التأكيد على تمييز الأب الرمزي والأب التخيلي والأب الواقعي وشرح مدلولات كل واحد منهم، في حين ان الفكرة المركزية في تفكير لاكان هي الرغبة اللاشعورية التي هي رغبة جنسية يجري التعبير عنها بالكلام لكن لاكان يميز بين ثلاثة مفاهيم هي الرغبة والحاجة والطلب، ولذلك يشرح الناقد الاختلاف بين هذه المفاهيم وصولا إلى إجمال ما ترتب على تطوير لاكان لأفكار فرويد من أفكار أفاد منها النقد اللغوي النسوي والنقد التفكيكي.

الفصل الثاني يحمل عنوان المتخيل السردي ونظرية التحليل النفسي المعاصر ويعرض فيه لبعض التحليلات التطبيقية التي استندت في فهم النصوص الأدبية على أفكار لاكان لاسيما الدراسة التي قدمتها الناقدة الاسترالية جيل باركر لقصة الكاتب الانجليزي ريتشارد جيفريز.

وفي هذا الصدد يشير إلى ان النص الأدبي يقرأ كما يقرأ خطاب المريض، فالناقد عليه ان يتقصى الدروب التي تسلكها الرغبة خلال شفرة غامضة متغيرة من الرموز والاستعارات، وتتيح طريقة لاكان استكشاف ما بين المجتمع واللاشعور من علاقة، ثم يعرض لقصة ايدي التي درستها باركر بدءاً من الانتقال من التمرد على قانون الأب إلى التلاؤم معه.

حيث يستدعي الكلام عن الرغبة استجلاء موقف الذات من هذا القانون، حيث تدل كلمة الذات على التشخيص الذي يقول أنا ويزعم أنه مستقل ومتماسك في حين أنه في حالة تحول وتغير، كما يدرس الخطاب في هذه القصة وكذلك دور بنيتي اللغة والزمن، واستحضار أسم الأب بمعناه الاصطلاحي في التحليل النفسي، إضافة إلى مراجعة لتصور التحليل النفسي للمنطق الذي تقوم عليه حركة الذات نحو النظام الرمزي، ثم يثبت نص القصة موضوع الدراسة.

الفصل الثالث الذي يحمل عنوان المتخيل الشعري ونظرية التحليل النفسي يتناول بالدراسة مفهوم الرغبة و "لا" الأبوية في شعر "امرؤ القيس" ويأتي هذا الاختبار باعتبار امرئ القيس شاعر الرغبة الأول في العربية، وفي شعره فكرة الرغبة التي لا تشبع أبداً، ثم يبين مواطن التعبير عن هذه الراغبة في شعره من خلال أبيات مختارة من قصائده.

وقبل ان يقوم بدراسته التطبيقية يلجأ إلى تعريف مفهوم التي تعني الخروج عن الحاجة التي تذعن للإشباع إلى ما لا ينصاع للإشباع وهي تظهر منذ مرحلة انفصال الطفل عن أمه، ويشكل قانون المنع الأبوي الدال الذي يؤسس أبدية الرغبة في الوقت الذي يمنع فيه هذه الرغبة ويعترضها.

بداية يتساءل النقاد عن إمكانية الولوج إلى معلقة امرئ القيس من خلال كلمة واحدة، ويجيب على ذلك بالإيجاب من خلال بيان المدلولات الخاصة لها مبينا ان المرأة عنده يمكن النظر اليها في ضوء الثلاثية في الموقف الأوديبي الأمومة والحمل والإرضاع، ثم يؤكد عبر قراءته لهذه القصيدة ان الشاعر يورد منظومة من الألفاظ المتساوقة وكأنها منتزعة مما نجده في نظرية التحليل النفسي، فهو يكشف عن صورة الطفل المقذوف خارج الرحم وهو موضوع الرغبة.

كما يوضح أن ديالكتيك الرغبة يقتضي إقامة تفرقة بين "أنا" و بين الــ "ني" لأنها تنظوي على صورة للذات كثيرة التعقيد، ويقيم مشابهة بين امرئ القيس وأوديب الملك من خلال دراسة مدلولات اللغر في القصيدة والأسطورة مبيناً أن هناك نوعين من الألغاز، نوع يبقى بلا أجوبة ونوع يتضمن أجوبة ولا يسبقه لغز ويعرض الناقد لمفهوم الهوية عند لاكان والتي تعني التماهي.

أو ما ينعكس في الأشياء من صور الذات، وكذلك هي ما يستعيره الذات من الآخر وفي النهاية يستعيد مفهوم الرغبة عند بارت وسبينوزا وديكور مؤكدا أن الرغبة في النهاية تبقى هي المدخل الذي ينبغي تقديمه قبل الدخول إلى شعر امرئ القيس من أي مدخل آخر.

*أحلام سليمان

الكتاب: المتخيل الثقافي ونظرية التحليل النفسي المعاصر

الناشر: مركز الحضارة العربية ـ القاهرة 2005

الصفحات: 184 صفحة من القطع المتوسط