مؤلف هذا الكتاب هو د. إبراهيم صالح، الذي يعمل مدرساً لمادة الصحافة والإعلام بالجامعة الأميركية بالقاهرة، إلى جانب عضويته بالمجلس الأكاديمي لنظم الأمم المتحدة، حيث أولى قضايا السلام، والتعايش، والوعي بالآخر، اهتماماً كبيراً في أبحاثه، وهو ما يعالجها ـ أيضاً ـ في كتابه هذا.
حيث أسهب المؤلف من خلال مقدمته في شرح مغزى عنوانه ـ أي "عناقيد الغضب" ـ والذي ورد في سفر "أشعيا" التوراتي، في إشارة إلى الزمن السابق لزمن النعمة النهائية، ومن حيث اتخاذه اسما لرواية شهيرة للأديب الأميركي "جون شتاينبك" الصادرة سنة 1939 تعبيرا عما اختلج في صدور سكان أميركا الأصليين ـ من الهنود الحمر ـ من تذمر، نتيجة ترحيلهم من أراضيهم، وإحلال المستوطنين البيض محلهم، إلى جانب اتخاذ هذا العنوان ـ أيضا ـ شعارا للعملية العسكرية الإسرائيلية ضد المقاومة اللبنانية سنة 1996، والتي أسفرت عن خمس مجازر أشهرها مجزرة قانا.
واستنادا إلى ذلك، يشير المؤلف إلى كيفية تمكن السياسة من عزل اللفظ عن مدلوله المتداول فاستخدمه بما يلائمها، عند الضرورة، بحيث أصبح مصطلح "عناقيد الغضب" ـ على حد ما يذكر المؤلف ـ بمثابة "رسالة مشفرة".
يصعب على الرأي العام العالمي تفهم سر خطورتها، دون التنبه إلى مجموعة وقائع تاريخية، تواترت على مر السنين، بحيث صار يوم اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وهو السادس من سبتمبر 2000 هو أيضا "يوم الغضب".
ثم قيام المقاومة الفلسطينية بتنفيذ عملية استشهادية كبرى، ضد إسرائيل في ديسمبر 2004 باسم "براكين الغضب"، وما أعقب ذلك من إطلاق تسميات مماثلة على تنظيمات المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي وحلفائه المحليين، مثل "جماعة الغضب الإلهي"، و"كتائب الغضب الإسلامي"، وتسمية التظاهرات العراقية ضد الأميركيين بـ "يوم الغضب الأكبر".
وبذلك اكتسب هذا المصطلح القديم ـ كما يقول المؤلف ـ دلالات عصرية، فهو عند العرب والمسلمين يعكس حرارة الفتيل المشتعل، من جراء تردي الأوضاع في بلادهم، وهو عند أهل الغرب شاهد على روح التوتر، التي تسود مجتمعاتهم، بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وهو عند الإسرائيليين تعبير عن حالة النفور في أوساطهم بسبب الشعور المستمر بالتهديد، الذي يمثله الفلسطينيون، سواء ـ بشكل حقيقي ـ نتيجة العمليات الاسشهادية أو ـ بشكل مفتعل ـ نتيجة الترويج الإعلامي!.
وبذلك، أصبح باستطاعة مصطلح »عناقيد الغضب« أن يدق ناقوس الخطر، على حد تعبير المؤلف، وهو ما يستوجب ـ برأيه ـ إقامة حوار بين مختلف الأطراف والتيارات.
بديلا عن الصراع الناشب بينهما، حاليا، بحيث يعمل أهل الأديان السماوية الثلاثة على التسامي بأديانهم، فوق الخلافات السياسية والأيديولوجية، بغية الوصول إلى سلام حقيقي في منطقة الشرق الأوسط وذلك بصياغة قنوات اتصال جديدة، عبر ما يسميه المؤلف، "الدبلوماسية الشعبية".
وقد قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة فصول، عدا المقدمة والخاتمة، حمل الأول عنوان: "مزارع العنب وحقول الموت"، وجاء الثاني تحت عنوان: "الذئب والحمل في مزارع العنب"، واتخذ الثالث عنوان: "طريق الخلاص".
ففي الفصل الأول استعرض المؤلف ما أسماه البعدين الجغرافي السياسي والأيديولوجي لقضايا الشرق الأوسط، وسعي الدول الكبرى للاستفادة ـ من ثرواته، وهو ما كان يتطلب من هذه الدول نسج علاقات ودية مع شعوبه، والعمل على إشاعة الاستقرار في أرجائه.
لكن، المفارقة ـ كما يقول المؤلف ـ ان هذه الدول خالفت هذه القاعدة، متبعة سياسة الإملاء والهيمنة، ومنها الولايات المتحدة، التي فضلت مؤازرة عدو شعوب هذه المنطقة ـ أي إسرائيل ـ على طول الخط، وذلك من خلال التوظيف السياسي لمفهومات دينية مشتركة العهد القديم من الكتاب المقدس، بل وإلى نظريات بيولوجية، مثل نظرية »داروين«، حول »أصل الأنواع«، و»البقاء للأصلح«، التي تتسق مع القوة الإسرائيلية، بحسب زعمهم.
وهو ما دعا المؤلف لتأصيل الأبعاد التاريخية لمسيرة الصراع العربي الإسرائيلي، وارتباط الصهيونية ـ كظاهرة سياسية حديثة ـ بالظاهرة الاستعمارية الأوروبية، التي أفرزتها الثورة الصناعية الأولى، وتفاقم حدتها في الحربين العالميتين، خلال النصف الأول من القرن المنصرم، وما صاحبها من صعود للفكر اليهودي الاستعلائي، والعنصري، وخصوصا ضد العرب.
وذلك على الرغم من أن أحدا من العلماء الاجتماعيين، أو المؤرخين، لم يلجأ البته لتفسير الصراع العربي ـ الإسرائيلي على اساس الكره المسبق، إلا أن اليهودي ـ بحسب ما يذكر المؤلف ـ يصر على تفسير التاريخ بفكرة خارج التاريخ ألا وهي »العداء للسامية«، بوصف أن معاداتهم هو أمر لصيق بالنفس البشرية، غير اليهودية.
وذلك استنادا إلى الميثولوجيا اليهودية القديمة، التي يستعرض المؤلف بعضا من جوانبها، ومنها أسطورة »هرمجدون« التي تحظى بايمان راسخ من جانب قطاعات واسعة من الشعب الأميركي، وكبار سياسييه وقادته، وهو ما منح اليهود الأميركيين القدرة على التحكم بالقرارات الاستراتيجية الأميركية، بالتحالف مع اليمين المسيحي المتهود، وهو ما حمل أحد الكتاب الأميركيين.
كما يقول المؤلف ـ على الدعوة لنفض اليد من الدور الأميركي في عملية إحلال السلام بالشرق الأوسط، عاقدا الأمل على دور الاتحاد الأوروبي، للاضطلاع بهذه المهمة نظرا لتمتعه بقدر من المصداقية وعدم الانحياز، وذلك لغياب أي امكانية لتحقيق "خريطة الطريق للسلام"، في ظل الإدارة الحالية للبيت الأبيض الأميركي التي اتخذت من غزو العراق.
كما يذكر المؤلف ـ مدخلا لتحقيق مشروع »القرن الأميركي«، عبر التدخل العسكري المباشر في بلدان العالم، أو فرض الحصار على شعوبها، أو التلويح بعقوبات اقتصادية واسعة ضدها أو فرض شروط التغيير الملائمة لاستراتيجيتها، في هذه البلدان.
وخاصة العربية منها، تحت شعارات »حقوق المواطنة«، و»الديمقراطية«، وما يصاحب كل ذلك من تشهير مبرمج لصورة العرب والمسلمين، ولديانتهم في ذات الآن، بحيث توافقت الهجمة الإعلامية الغربية على الشرق الأوسط.
بحسب ما يذكر المؤلف ـمع الاحتقان الداخلي في البلاد العربية، نتيجة القهر السياسي، والاقتصاد المهلهل، وازدياد الهوة الطبقية، والتناحر بين أبناء الأعراق والأديان المختلفة، بحيث تحولت المنطقة العربية إلى حقول للموت والخراب، ودفعت شعوبها أو من يسميهم المؤلف "السكان الأصليين"، إلى شفا الانفجار.
حيث يدعو المؤلف إلى توسيع آفاق استخدام هذا المصطلح، بوصفه تعبيرا عن شعوب ـ وإن كانت تعيش تجربة تتباين إلى حد ما، مع تجربة سكان أميركا واستراليا الأصليين ـ تعاني من حالات الاغتراب والانسحاق النفسي نفسها، بعد أن جردت من كبريائها وعزيمتها، حتى صار "الغضب" متنفسها الوحيد، في ظل غياب الأمل، في الخلاص والإصلاح ومفاهيم الحوار.
وهو ما حمل المؤلف على رسم شكل هندسي، لما أسماه "عناقيد الغضب في الشرق الأوسط"، يتكون من ثلاثة أضلاع، يحتوى الأول على رفض سوء الأوضاع الداخلية، والتدخلات والافتراءات الخارجية ويشمل الثاني ما يسمى "قهر السكان الأصليين"، ويتضمن الثالث ما أسماه "الطرح الاختياري".
وعلى هذا، يتناول المؤلف ـ في فصل تال ـ أهمية التحاور مع التيار الإسلامي المعتدل، وهو ما بدأ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الشروع في إجرائه، وذلك على الرغم، مما يسميه المؤلف الود المفقود بين طرفي الحوار.
ومع ذلك، يرى المؤلف في هذا المنحى من الحوار الاضطراري خطوة في مسار عملية الحوار، بوصفها إحدى السمات الطبيعية للبشر، لأجل سد الفجوات المعرفية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وهو ما ينطلق منه المؤلف ـ أيضا ـ لبحث مسألة الحوار بين العرب والإسرائيليين، والذي يتهم ـ ويا المفارقة ـ الولايات المتحدة بالمسؤولية عن عرقلة الحوار في حين يدان العرب دوما بإفشال مثل هذا الحوار، في ضوء وصف إسرائيل العلاقة مع العرب بأنها من قبيل "السلام البارد" تارة، والحرب الباردة تارة أخرى.
وذلك مع اشتراط الدول العربية انسحاب إسرائيل من القدس، قبل إجراء أي حوار بين الجانبين، وهو ما يعد ـ برأي المؤلف ـ أحد أهم العثرات أمام حل قضية الصراع وذلك مع إمكانية قيام إسرائيل بتلك الخطوة، مما يجعل من الشرط العربي إعداما للحوار، بحسب ما يعتقد المؤلف الذي يرى أن نجاح أي حوار يستلزم وجود طرفين متجاوبين له على الأقل وهو شرط غير متوفر كما يقول, خصوصاً وأن الأوصاف التي يدمغ بها العرب.
من جانب الغرب وإسرائيل، بالبربرية، والإرهاب وتهديد السلام والاستقرار العالمي، وما يقترن بذلك من اختلال في توازن القوى بين الإسرائيليين والفلسطينيين يثير مشاعر الهوان والذلة واليأس، ومن ثم إلى انفجار الغضب والعنف لدى الجانب الأضعف أي العرب والفلسطينيين بغية تحقيق غاياته، ولهذا يرى المؤلف أن مفتاح الحوار المفتقد في الشرق الأوسط يظل محصورا فيما يسميه الاعتراف بالآخر.
وقبول التحاور معه دون فرض شروط تعجيزية مسبقة، على حد تعبير المؤلف، الذي يستعير رؤية المفكر السياسي »تانوسبورن«، والداعية إلى أن يقوم ذلك الحوار على تبادل الرؤى والأفكار، من خلال مستمعين مصغين، وليس حواراً بين الصم، كي يجلب نوعا من الوفاق، إن تم من المنظور الإبراهيمي، أي المنظور الموحد للأديان السماوية الثلاثة.
وعلى خلاف الصدام الحتمي بين الحضارتين الإسلامية والغربية، التي روج له العالم الأميركي هنتنغتون باسم نظرية صراع أو صدام الحضارات، يورد المؤلف رؤى أخرى للمفكرين الغربيين، مثل »إرب وبكر«، الذي يقرر أن الحضارات لا تتصادم وأن الصدام الحاصل، راهنا، ينحصر بين أقليات من الأصوليين، بيد أن المؤلف يميز ـ هنا ـ بين الحضارة والثقافة، بوصف أن الثانية هى جزء من الأولى.
ومن ثم فإن المرحلة الحالية، والمرتبطة بآليات الكوكبة أو العولمة، تتطلب ـ برأيه ـ أن يكون الحوار بين الثقافات، داخل الحضارة الواحدة، أو الحضارات المختلفة، وذلك بعد أن تمكنت العولمة من إزالة الحدود، سعيا إلى تقديم هوية إنسانية جديدة، تتباين كثيرا مع كل النماذج السابقة للثقافات المحلية.
طرق الخلاص ـ إذن ـ كما يحددها المؤلف في الفصل الأخير، من كتابه ـ تكمن في أحسن استخدام اللغة، وخلق نموذج اتصالي، في صورة دبلوماسية شعبية، يسمح بالتعامل الاستراتيجي مع حالة سخط السكان الأصليين، وهو ما قد يمثل ميلاداً جديداً لقوة الرأي العام القومي، والاقليمي، والدولي، بعيدا عن قنوات الدبلوماسية التقليدية، التي تقوم على الحوار الحكومي ـ بالأساس ـ وهو النموذج الذي يفصل المؤلف محتوياته وشروط فاعليته في بقية صفحات كتابه.
** فكري عبد المطلب
الكتاب: قبل أن تنفجر عناقيد الغضب في الشرق الأوسط
الناشر: المطبعة العربية ـ القاهرة 2005
الصفحات: 154 صفحة من القطع المتوسط.
