مؤلف هذا الكتاب أو بالأحرى مترجمه إلى اللغة الانجليزية هو الناقد الانجليزي هارييت و. بريستون. وقد اعتمد على ما كتبه أخو الشاعر بول دو موسيه لكي يقدم بالانجليزية سيرة حياة واحد من أكبر الشعراء الرومانطيقيين الفرنسيين في القرن التاسع عشر.

ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: ولد الفريد دو موسيه في باريس عام 1810 وفيها مات عام 1857 عن عمر يناهز السابعة والأربعين عاماً فقط. وبين هذين التاريخين دارت حياته بشكل هادئ أحياناً وعاصف في معظم الأحيان.

والواقع أنه دخل أفضل المدارس الفرنسية في باريس كثانوية هنري الرابع مثلاً. ثم قرر بعدئذ دخول كلية الحقوق في الجامعة، ثم دراسة الطب. ولكن دراسة التشريح في كلية الطب جعلته يشعر بالرعب فترك هذا الاختصاص وراح يتجول في شوارع السان جيرمان دي باري. ثم عرَّفه أحدهم على فيكتور هيغو والحلقة الرومانطيقية الملتفة حوله. وراح ينخرط في دراسات أدبية ومناقشات فلسفية لها بداية وليس لها نهاية.

كما وراح يتعرف على الصالونات الباريسية ويعشق النساء والحرية والشعر. ومنذ أن نشر دواوينه الأولى راح يحقق نجاحات منقطعة النظير وكان ديوانه الأول بعنوان »نزهة في ضوء القمر«. ولكن نجاحه جلب عليه غضب الحلقة الرومانطيقية التي لم تكن تتوقع أنه موهوب إلى مثل هذه الدرجة فقد كاد أن ينافس المعلم ــ أي فيكتور هيغو ــ على مكانته في سماء الشعر ولذلك انقطعت علاقته بهذه الحلقة الباريسية وراح يغرّد خارج السرب لوحده.

وفي عام 1833 يحصل له اللقاء التاريخي مع الكاتبة الشهيرة التي اتخذت اسم رجل: جورج صاند. وقد أحبها حباً يفوق الوصف وتعذب بسبب هذا الحب إلى أقصى حد ممكن. ونتجت عن ذلك أجمل الأشعار والقصائد.

فهذه المرأة الغريبة التصرفات والسابقة لزمانها بكثير جذبته منذ اللحظة الأولى بعينيها الواسعتين اللتين تصعب مقاومتهما وقد أحبته هي أيضاً بكل قوة وعنف وكان حباً جنونياً هائجاً عرفا فيه كل لحظات السعادة وكل لحظات الشقاء.

ولكن لكي ينجح الحب ينبغي أن يكون بين المحبين شيء من التفاوت في المستوى أو اللامساواة. وهذا للأسف شيء لم يتحقق في علاقة الشاعر الكبير بالكاتبة الروائية الكبيرة. فكلاهما كان عبقرياً في مجاله. وكلاهما كان أديباً من الطراز الأول. وبالتالي كان من الصعب أن يستمر حبهما إلى الأبد.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد سافرا إلى إيطاليا كما يفعل العشاق الفرنسيون عندما يريدون أن يعيشوا لحظات السعادة في الحب. سافرا إلى مدينة البندقية، أجمل مكان في العالم بالنسبة لشاعر عاشق وامرأة محبة، ولكن لسوء حظ الفريد دو موسيه فإنه وقع صريع الحمَّى والمرض. فأخذوه إلى المستشفى. وهناك تعرفت جورج صاند على الطبيب الذي جاء لمعالجته. وكان شاباً إيطالياً وسيماً.

فأحبته وتركت الشاعر يتحسر عليها في وحدته وهو على فراش المرض وكان ينتظرها حتى طلوع الفجر لكي تعود من مغامراتها العاطفية مع عشيقها الجديد.

وفي أثناء ذلك كتب الفريد دو موسيه أجمل قصائد الحب الرومانطيقي في اللغة الفرنسية. وكانت تدعى: »ليالي موسيه« لأنه كتبها أثناء سهره لتلك الليالي.

ثم حصلت القطيعة النهائية بينه وبين جورج صاند عام 1835: أي بعد سنتين من تعرفه عليها فقط. وهكذا لم يدم هذا الحب طويلاً. ومع ذلك فقد ترك في نفسه أعظم الأثر وظل يتذكرها حتى نهاية حياته. ظلت جرحاً لا يندمل في أعماقه.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد خرج الشاعر من هذه المحنة بعد أن صهرته صهراً.

وكتب عندئذ أجمل القصائد الغنائية التي عرفتها اللغة الفرنسية. كتب ديواناً بعنوان »الليالي«، وكتاباً آخر بعنوان: رسالة إلى لامارتين.

وراح الفريد دو موسيه يشكل فلسفته عن الحب ويقول: الحب لا يدوم، الحب مهدد بالخيانة يوماً ما ولكن لحظات الحب لا تنسى وأجمل شيء في الحب هو الذكرى التي تبقى في أعماقنا منه بعد أن ينتهي.. وقد كتب يقول: ربما كانت الذكرى السعيدة على الأرض أكثر جمالاً من السعادة ذاتها.

بمعنى آخر ينبغي أن نعيش قصة حب ما لكي نتذكرها بعدئذ، لكي نجترها باستمرار، لكي نعيش عليها. وهكذا أثبت الفريد دو موسيه أنه رومانطيقي فعلاً، أنه يعيش على الذكرى، على اللحظات التي مضت وانقضت، ولا يعيش على الحاضر.

وبدءاً من عام 1840 أخذ الشاعر الكبير يعاني من أمراض جسدية. فقد تناوبت عليه الأزمات العصبية، والحمى المشتعلة، ومرض القلب.. وأدت كلها في نهاية المطاف إلى موته ولكن قبل أن يموت بلحظات فلتت منه هذه العبارة: "أريد أن أنام! أخيراً سوف أنام إلى الأبد وأستريح....

ولكنه قبل ذلك توصل إلى أعلى المناصب الأدبية في فرنسا. فقد انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية عام 1852 وعمره اثنان وأربعون عاماً فقط.

ثم كتب الفريد دو موسيه عدة كتب نثرية مهمة. وكان أقواها كتاب: "اعترافات أحد أبناء هذا القرن".

وفيه يعود إلى قصة حب مع جورج صاند ويتحدث في صفحات موجعة عن تلك الأيام التي انصرمت وتركت في أعماقه أمر الذكريات وأحلاها.. كما ويتحدث عن ثقافة عصره وأفكاره وعاداته وتقاليده.

وبالتالي فالكتاب يقدم لنا صورة رائعة ليس فقط عن الشاعر وحبه الخائب وإنما أيضاً عن العصر ككل.

ومن الأقوال المأثورة عن الفريد دو موسيه نذكر العبارات التالية: "نصف الحب العنيف هو تقريباً الصداقة" وهذا يعني أن الحب قد يتحول إلى صداقة بعد أن ينتهي أو ينطفئ أواره المشتعل.

ثم يقول الشاعر الكبير: "من يلمس الحذاء يمكن أن يعض، ومن يقبلك أكثر مما ينبغي يمكن أن يخنقك" وهو يقصد بذلك أن الشيء قد يتحول إلى عكسه أو إلى نقيضه فالحب قد يتحول إلى كره عنيف، وكذلك الذل والعبودية.

ثم يقول:"إن فكر الرجل مشكَّل من المتع والنسيان والتجارب التي عاشها. وأما المرأة فلا تحيا إلا بالحب ولا تموت إلا به. فهي تفكر أو تحلم بشيء ما سنة كاملة، في حين أن الرجل يفكر فيه بيوم واحد".. هنا يكمن الفرق بين الرجل والمرأة وبالتالي فموقفهما من الحب مختلف وليس متطابقاً على عكس ما نظن.

ثم يقول شاعر الرومانطيقية الفرنسية هذه العبارة المهمة: »الشعر مهم، ولكن الموسيقى أهم«. وهذا ما يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: ما معنى الموسيقى بدون الشعر؟ أو بالأحرى: ما معنى الشعر بدون موسيقى وإيقاع؟ الموسيقى هي جوهر الفن والوجود.

ثم يردف قائلاً: »الموسيقى هي التي جعلتني أؤمن بالله«! وهذا أكبر دليل على مدى حبه للموسيقى وتعلقه بها. والواقع أنها تشكل لغة كونية خالدة يفهمها كل البشر. فأنت لكي تفهم الشعر الألماني بحاجة إلى معرفة اللغة الألمانية. ولكنك لست بحاجة إلى معرفة هذه اللغة من أجل معرفة الموسيقى الألمانية أو تذوقها. من هنا لا يسكر ويغيب عن وعيه عندما يسمع موسيقى موزار، أو بيتهوفن، أو باخ؟

نعلم أن الموسيقى هي لغة الكون كله فيما وراء كل اللغات والتراثات الدينية والثقافية. إنها لغة كل اللغات.

ثم يقول الفريد دو موسيه هذه العبارة الجميلة: »هناك سرّان أو سببان أساسيان للسعادة هما: المتعة والنسيان«! فمن لا ينسى لا يستطع أن يكون سعيداً من يتذكر باستمرار اللحظات المؤلمة التي مر بها سوف يظل في حالة عذاب وشقاء وبالتالي فالنسيان علامة صحة وعافية، علامة هضم واستيعاب لتجارب الحياة. ومن لا يعرف كيف ينسى لا يمكن أن يستمر في العيش.

ثم يقول أيضاً: »نحن نحب المجاهيل ونخشاها«. بمعنى أن هناك شيئاً ما يدفعنا باتجاه استكشاف المجاهيل، هناك إغراء كبير للمجاهيل. ولكننا نخشى السقوط فيها! إنها تشبه ثقباً أسود أو بئراً معتماً. ونخشى إذا ما دخلناه ألا نستطيع الخروج منه.

ثم يقول هذه العبارة الغامضة: »كل أنواع الحب لا تتشابه، ولكن كل العشيقات يتشابهن«! ولكن ربما كانت هذه العبارة مزعجة بالنسبة للنساء. فكل امرأة تعتقد أنها فريدة من نوعها.

ثم يقول هذه العبارة العميقة: »قولوا لي بالله عليكم: من أين تجيء هذه الحالة وهي أن المرء لا يمكن أن يكون ما هو عليه حقيقة«؟ لماذا لا يستطيع أن يكون هو هو؟ لماذا يعاني من الانقسام المستمر بين الظاهر والباطن«؟

وهذه العبارة تحيلنا إلى التحليل النفسي الذي يقول لنا بأن كل شخص يعاني من انقسام داخلي على نفسه. ويبلغ هذا الانقسام درجة الشيزوفرينيا أو انفصام الشخصية لدى المجانين. ولكن حتى العاقلين المتوازنين يعانون من درجة ما من انفصام الشخصية.

ثم يقول الفريد دو موسيه هذه العبارة المهمة: »الثروة أقل أهمية من الحياة، والحياة أقل أهمية من الحب، والحب أقل أهمية من الحرية«! وهذا يعني أن الحرية هي أغلى شيء في الوجود..

ثم يقول هذه العبارة الرائعة: »هل كان كل شعراء العالم مجانين عندما هربوا من جحيم الواقع إلى جنة الأحلام؟ آه، كم أنتم تعساء لأنكم لستم مجانين!«...

ثم يقول أخيراً هذه العبارة: الشر موجود، ولكن ليس بدون الخير، تماماً كالظل لا يوجد بدون النور.. وهنا تكمن جدلية المتناقضات.

هذا هو ألفريد دو موسيه في كل حالاته. لقد عاش حياة مليئة بالمتع والعذاب. وكانت حياة قصيرة ولكن كثيفة وجميلة. ويبدو أن الجمهور كان يحبه لشخصه ولإنسانيته وطيبة نفسه مثلما كانوا يحبونه لأدبه وشعره وربما أكثر.

الكتاب: سيرة حياة الفريد دو موسيه

الناشر: كيسنغر بوبليشنغ ـ نيويورك 2005

الصفحات: 324 صفحة من القطع الكبير

THE BIOGRAPHY OF ALFRED DE MUSSET

HARRIET W. PRESTON AND PAUL DE MUSSET

KESSINGER PUBLISHING - NEW YORK 2005

P. 324