د. نجمان ياسين مؤلف هذا الكتاب هو أستاذ التاريخ الاجتماعي والاقتصادي العربي الإسلامي في كلية الآداب بجامعة الموصل. وكان شغل من قبل منصب رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق (1996 ـــ 1998).
ذهب د. نجمان إلى أن »المدينة« كانت تسمى قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم يثرب، وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه عن دار هجرة المسلمين، فقال: (إنها المدينة يثرب).
إلا انه أحب إطلاق اسم المدينة عليها، كما سميت مدينة الرسول، وهناك من أحصى عشرات الأسماء للمدينة، وهناك من يرى بأن المدينة كاسم كان قديماً ومعروفاً قبل الإسلام، وأن اللفظ قد انحدر من كلمة (مدينتا) أو (مدينتو) الآرامية التي تعطي معنى المدينة في اللغة العربية.
لا بل ان السمهودي يشير بأن اسم يثرب قد وجد على حجر بوادي العقيق، بينما يرجع باحث معاصر اسم يثرب إلى نص للملك نبونيد 556 ـــ 539 ق.م أشار فيه إلى أنه وصل يثرب، وثمة من يرى بأن بطليموس واستيفانوس البيزنطيين قد ذكراها باسم يثربا iathrippa، وإذا تذكرنا بأن الجزء الجنوبي من المدينة قد أطلق عليه العالية وقباء.
فإن هذا يعطينا الدليل بأن تسمية يثرب لم تكن لتطلق على كامل المدينة. ونحسب أن ذكر المدينة أربع مرات في القرآن الكريم، أمر له دلالته، فالنص القرآني ينحاز إلى هذه التسمية التي تشير إلى الاستقرار والتمدن ووحدة الجماعة ومقر السلطة.
إلا أنه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن العشيرة والقبيلة كانتا تمثلان الوحدة الاجتماعية السياسية عند العرب، وكانت النظم البدوية تشكل حياتهم، مع ملاحظة أن العرب المستقرين قد عرفوا الدولة، كما حصل في اليمن مثلاً ورغم أن البناء الاجتماعي في تلك الدول التي عرفها العرب، قد ارتكز على التجمعات القبيلة، إلا أننا نستطيع أن نتلمس في القبائل البذرة الأولى لتكوين الدولة، ذلك أن أكثر القبائل قوة.
كانت تجسد المحور المركزي للقبائل الأخرى، وفيه تتركز القوى الإدارية والاقتصادية والسياسية وهي جميعاً تكون الدولة وهنالك ما يشير إلي أن العرب قد عرفوا مصطلح الأمة، وأن ملك الأنباط كان يسمي شعبه (الأمة) وهي وحدة جامعة للشعب.
لكن لما جاء الإسلام نجد أنه سعى أول ما سعى إلى تأسيس الأمة في العالم، واستيعاب العالم في الأمة (قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) الأعراف: 158 و(وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) سبأ:28.
الأمر الذي يعني أن طبيعة الخطاب القرآني، تملي أن تبقى الأمة مفتوحة ـــ أي في حالة تحقق ـــ ما دام في العالم ناحية لم تقتحمها الرسالة الجديدة لتسيطر أو توازن أو توحد، ورغم اتجاهها الإنساني إلا أن بدايتها محلية، وطنية، قومية. ومما له دلالته البليغة، التأكيد القرآني، بأن الرسل والأنبياء يبعثون إلى الحواضر والمستقرات الحضرية (القرى، القرية).
ومن هنا نفهم معنى اختيار المدينة كمركز للدعوة نشراً واستمراراً وقيادة، وبعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة إليها، إذ بدأ في تكوين الأمة وتشكيل الدولة من الشعوب والقبائل، فكانت أمة في دولة المدينة، المدينة التي اعتمد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عدة اجراءات كان لها شأنها في بلورة وترسيخ فكرة الأمة والإعلان عن ميلادها وفق علاقتها بالعقيدة الجديدة،
ويمكن لنا أن نحدد هذه الإجراءات الفاعلة والمؤثرة في:
1-الهجرة ـــ إذ وقف الإسلام من البدو موقفاً متشدداً بحكم كونه قد انحاز إلى الاستقرار والتحضر، لأن البداوة تكرس التسيب والخروج عن الجماعة والابتعاد عن المركزية ذات الطابع التوحيدي، وقام الرسول صلى الله عليه وسلم بدمج هؤلاء البداوة الأعراب عدة مرات في المجتمع القائم على الهجرة والجهاد، وتشدد معهم بشأن الهجرة إذ اشترط عليهم أن يهاجروا كي تكتمل البيعة.
لكن الهجرة إلى المدينة ازدادت بسبب اقبال القبائل العربية، واضطرت هذه الأعداد من المهاجرين الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التوجيه بأن: (من باع عقاراً أو داراً ولم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيه) كما ألجأته إلى أن يضرب لوفد ثقيف قبة في المسجد.
لكنه بعد فتح مكة ألغى الهجرة بقوله: (لا هجرة بعد الفتح) تلافياً للمتاعب الناجمة عنها في المجال الاقتصادي والاجتماعي، بيد أن إيقاف الهجرة لم يطمس دور المجاهدين في الدفاع عن الأمة، إذ أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار).
إلا أنه نجم عن الهجرة الواسعة إلى المدينة، بروز أعداد من فقراء المهاجرين ممن لم يستطيعوا تأمين متطلبات العيش والسكن وقد عولجت مشكلتهم من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أسكنهم في صفة المسجد واهتم بهم وعمل على توفير ما يقيم أودهم، وكان يدعوهم إلى مشاركته طعامه الخاص البسيط ويتضح أن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل الصفة ودعمه لهم، قد رسخ روح الزهد والتقشف عند بعضهم بحيث صار اتجاهاً له في عصر الراشدين، فكان أن ظهر تيار زاهد في الثروات والأموال وجاذبية المادة.
2-المؤاخاة ـــ لم يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة بصفته لاجئاً، بل دخلها كرسول الله ومن الواجب طاعته، وكان يعرف سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لبعض المهاجرين الذين تركوا دورهم وأموالهم في مكة، وكان يعرف أن الأنصار وهم قبائل عربية مستقرة يفهمون نتائج الحلف، ومن هنا عمل على تجاوز هذا الفهم القبلي بإعلانه نظام المؤاخاة حيث آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من الأنصار والمهاجرين.
لقد كانت المدينة تتمتع بوضع طبيعي ـــ أرض خصبة، آبار، ووديان ـــ أدى إلى وجود زراعة منتظمة جيدة الانتاج بحيث عدت المدينة عن جدارة من المراكز الزراعية البارزة في الحجاز، وكانت معروفة بالدرجة الأولى بإنتاج التمور، كما كانت الملكية الخاصة للأرض هي التي تسود في المدينة، وقد ازدرع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجرف وقال: (اطلبوا الرزق تحت خبايا الأرض) وعد الزراعة من الكسب الطيب للمؤمنين، وكان عمل الأنصار الرئيس يتمثل في ممارسة الزراعة.
ومن المعروف أن المدينة قد تمتعت بوجود آبار كثيرة أسهمت في تنشيط الزراعة، كما كان لوديانها ومجتمع مياهها الأثر في هذا المجال، ويتضح أن أسعار بعض هذه الآبار قد وصل إلى مبالغ مرتفعة، فقد بلغ ثمن بئر جشم في المدينة في خلافة عمر بن الخطاب إلى ثلاثين ألف درهم، بينما دفع معاوية ثمن عين أبي نيرز مبلغ مئتي ألف دينار للحسين بن علي الذي رفض أن يبيعها رغم أنه كان محتاجاً حينذاك للمال.
والواقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نظم توزيع المياه على مزارعي المدينة إذ قضى ألا يحبسه الأعلى عن الأسفل، وذلك أن المدينة قد شهدت في عصر الرسالة والراشدين بعض المشاكل والاختلافات حول تنظيم وتوزيع المياه بين السكان من جهة وبعض كبار الصحابة من جهة أخرى لقد انتبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهمية الثروة النباتية وأدرك ضرورة حماية الثروة النباتية وإدامتها.
ومن هنا نفهم تحريمه لقطع النبات أو تعضيد الشجر فيها، إذ أشار إلى أهمية ذلك بقوله: »من قطع شجرة فليغرس مكانها ودية، فغرست الغابة). وحاكاه في هذا عمر بن الخطاب الذي قال لعامل له على أرض المدينة: (لا تبرح فقد استعملتك على ماههنا ولا تدعن أحداً يخبط شجرة ولا يعضدها يعني من شجر المدينة) وهذا يعني وجود رقيب على الثروة النباتية أشبه ما يكون بعامل الحمى.
وقد ترافق مع النشاط الزراعي واقترن به النشاط الرعوي، ولذا لابد من الإشارة إلى الثروة الحيوانية في المدينة، فإذا استثنينا ملكيات الدولة للثروة الحيوانية من خيل وإبل وغنم والتي جاءت عن طريق الصدقات وحصة الدولة من الخمس في عصر الراشدين لم تكن هينة، نجد أعداداً معتبرة من الإبل وثلاثمئة فرس في خلافة عمر بن الخطاب.
فإن الثروة الحيوانية لدى بعض الأفراد كانت تستحق الاهتمام، وهي إذا كانت بسيطة عند بعضهم ممن امتلك خمسمئة شاة، فإنها جيدة عند البعض الآخر الذي امتلك أكثر من أربعة آلاف شاة.
كما أننا نجد سوقاً في المدينة عرف بسوق الخيل، وكانت تباع فيه خيول البدو، كما لوحظ أن الآبار كانت تباع في سوق المدينة، ويظهر أن مزارعي المدينة قد استفادوا من الإبل والأبقار في العمل الزراعي، كما كانت الإبل تستخدم في نقل المنتجات الزراعية، ولعل هذا الأمر هو الذي يفسر أحد أسباب اهتمام ابراهيم بن هشام المخزومي بالإبل حيث امتلك عدة آلاف منها، وقام بعض سكان المدينة بتربية الدواجن بأعداد كبيرة.
من جانب آخر، فلقد عرفت أسواق المدينة العديد من المهن، وكان الانتساب إلى المهنة قد وجد في العصر الأموي، وأن أصحاب المهن كانوا يزاولون حرفهم في دكاكينهم الخاصة بهم، كما أتيح لأكثر من عامل الجمع بين أكثر من مهنة، وكانت حرية المهنة مكفولة ومتروكة للاختيار الشخصي، إذ كان العامل يشرع في عمله وإنشاء دكانه في المكان الذي يريد. حتى إن الدولة في العصر الأموي أنشأت العديد من الدكاكين وأجرتها للتجار، إذ يدون لنا مصدر تاريخي بأنها قد جعلت لدار السوق حوانيت في أسفلها وعلالي تكرى للسكن.
كما قامت الدولة بمراقبة الأسواق الخاصة بالمدينة، وكان من جملة مهامها مراقبة أصحاب الصنائع والمهن ومنعهم من خداع الآخرين أو وضع اليد على أموالهم، كما شهدت المدينة وجود أماكن للصرف (بنوك) لعل أشهرها مصرف الزبير في المدينة.
مع ذلك فإن مكانة الحجاز في العصر الأموي لم تتأثر بعد انتقال مركز الخلافة إلى الشام حيث بقي مركز العالم الإسلامي، وكان للحج دوره في تنشيط التجارة، إلا أن التجارة تأثرت بسبب أن نقل العاصمة يستتبع بقية البناء الاقتصادي للبناء السياسي، ولنتذكر هنا أن الخليفة علي بن أبي طالب قد أدرك هذا عندما نقل العاصمة إلى الكوفة لوجود المال والرجال في العراق.
أنور محمد
الكتاب: التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في المدينة
الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2004
الصفحات: 235 من القطع الكبير
