مؤلف هذا الكتاب هو الطبيب والكاتب والباحث المصري، المختص بالشؤون الإسلامية، (د.أحمد شوقي ـــ الفنجري)، الذي قدم- من قبل ـــ أحد عشر كتابا منها »كيف نحكم بالإسلام في دولة عصرية« و»الطب الوقائي في الإسلام« و»الإسلام والفنون« و»ثقافة الجنس في ضوء الطب والديانات«..
والمؤلف سبق ان خاض تجربة الأسر والاعتقال ـــ في مطلع شبابه ـــ على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي لمدينة (غزة)، أثناء العدوان الثلاثي على (مصر) عام 1956ـــ حيث كان يعمل طبيباً موفدا من جانب السلطات المصرية، التي كانت تتولى إدارة القطاع آنذاك، وقد أصدر المؤلف كتابا عن تجربته تلك، وما تعرض له خلالها من صنوف التعذيب الإسرائيلي في معتقل (عتليت، شمالي (عكا).
هذا الكتاب يضم أحدث اجتهادات المؤلف وأبحاثه، في الشأن الإسلامي، مساجلاته مع عدد من رموز الخطاب الإسلامي، مثل (الشعراوي) وسبق لمجلة »روز اليوسف« المصرية نشر أغلبها مؤخرا.
وينقسم الكتاب إلى جزأين، يضم الأول ثلاثة أبواب يدور الأول حول، ما يسميه المؤلف الفتاوى الخطأ وخطرها على الإسلام، وعلى الدول التي أخذت بها، وواجب أهل الفكر والعلم في كشف خططها.
ويتناول الثاني نماذج من فتاوى تحريم الديمقراطية والبنوك والسياحة، وما لازمها من تكفير لأهل الفكر وأبناء المذهب الشيعي.
ويشتمل الثالث على قضايا علمية وحضارية مثل الطعن في كروية الأرض (...)، والتشكيك في هبوط الإنسان على القمر، والادعاء بحرمانية الفنون الجميلة والتمثيل ونقل الأعضاء إلى المرضى بينما جاء الجزء الثاني في بابين، اتصل الأول بقضايا الاختلاط والأسرة المسلمة، وتوفر الثاني على قضايا المرأة، وما يرتبط بكرامتها وإنسانيتها وأزيائها.
بيد ان اللافت في هذا الكتاب هو التعزيز الفقهي الذي نالته اجتهادات المؤلف، من جانب (الأزهر الشريف)، حيث تمت مراجعة الكتاب ـ دينيا ولغويا ـ بوساطة اثنين من كبار المسؤولين بـ (الأزهر)، على حد ما يذكر المؤلف في صدارة صفحات كتابة.
بل ان أحد هذين المسؤولين ـ وهو الشيخ (علي محمد فتح الله) ـ قد قدم للكتاب، مشيدا بإتباع المؤلف لتقاليد الحوار الراقية، وبما ساقه من أدلة وبراهين على سلامة اجتهاداته، استنادا إلى »العقل«، حينا، ومن »النقل« عن السلف، حينا آخر.
إذ يرى المؤلف ان الخطر الأكبر على الإسلام والمسلمين يأتي من بين جوانبهم، حيث الانشغال عن ركب الحضارة والحياة العصرية، بقضايا نظرية تافهة لينهمر سيل من الفتاوى الجاهلة والباطلة، على حد تعبير المؤلف، والتي هي ـــ برأيه ـــ تحريفا للدين الإسلامي (...)، عبر تحميل الآيات القرآنية الكريمة غير ما تحتمل، واستعمال الأحاديث النبوية الضعيفة والموضوعة، وكذا أحاديث الآحاد، في مجال التشريع، على الرغم من النهي الشرعي عن أخذ أي قاعدة شرعية منها.
وهو ما أفضى إلى تضليل العوام والجهلة بفتاوى تحيد عن العقل والمنطق والاتزان، كما يقول المؤلف، لذا يشدد المؤلف ـــ ضمن الباب الأول، من كتابه ـــ على ضرورة توافر ثلاث مزايا ينبغي لمن من يتصدى للفتوى ان يتحلى بها، في عصرنا الراهن، وهي إما أن يكون حاصلا على شهادة تخصص في الفقه والشريعة، أو التفسير، من جامعة (الأزهر)، بوصفها الجامعة الإسلامية الوحيدة، المتخصصة في تلك الدراسات، أو ان يكون عالما موسوعيا بعلوم الدين والحياة، وآخرها ان تتسم اجتهاداته بالتيسير لا التعسير.
ويرى المؤلف ان الشرط الحيوي لذيوع هذه الاجتهادات ان تعتمد على كل من القرآن والسنة الصحيحة والعلوم الحديثة، لا على النقل من القديم بأفكاره وفتاويه الغابرة.
حول تحريم الديمقراطية، يعرض المؤلف في الباب الثاني، لفتاوى عدد من الشخصيات الإسلامية مثل (أبو الأعلى المودودي) (وسيد قطب ) و(مأمون الهضيبي) ـ المرشد السابق للإخوان المسلمين ـ و(عباس مدني) ـ زعيم جبهة الإنقاذ الجزائرية، ومن حذا حذوهم من والتي تجمع على إدانة صريحة للديمقراطية،
فهي مثلاً على طرف نقيض مع الإسلام لان الحكم بعده، برأي ( المودودي) و(مدني )، وهي مستوردة، بنظر كل من (الهضيبي) وأستاذ القانون/ الإخواني (د.توفيق الشاوي)، بينما كان (قطب) يدعو قديما ضباط ثورة يوليه 1952 إلى ما أسماه الدكتاتورية العادلة، وذلك قبل ان ينقلب عليهم، ويجري إعدامه، على ايديهم!.
وعلى الرغم من ان فتاوى هؤلاء لا تلزم مسلما بالعمل بها، لكونها اجتهادات تصيب وتخطئ إلا أنها باتت نموذجا يحتذى به لدى جماعات الإسلام السياسي المعاصرة ـ كما يقول المؤلف - بل ولدى دول مثل (أفغانستان) و(إيران) و(باكستان) و(والسودان) والتي قام زعماؤها بإعدام آلاف من المعارضين وذلك قبل التحولات التي طرأت على هذه البلدان، مؤخراً.
ويعرب المؤلف ـ في هذا الصدد ـ عن دهشته من المفارقات التي تحفل بها تلك الفتاوى، مثل القبول بالاستيراد ـ السلعي والتكنولوجي من الغرب، ثم دمغ "الديمقراطية" ـ تحديدا- بوصفها "مستوردة" !
وكأنها تهمة ينبغبي التبرؤ منها (!)، معتبرا القول بأن هذا الاستيراد- وهو ما لا يجيز المؤلف تسميته- يتعارض مع الثوابت الإسلامية هو ـــ بالضرورة- قول يتعارض مع مفهوم »الشورى« الإسلامية، وافتراء على الإسلام بمناوئته لقيم العدل والمساواة وحقوق الإنسان، التي تمثل جزء من روح الديمقراطية الحديثة.
وهناك ـ كذلك ـ فتاوى التحريم التي طالت المصارف ـ كما يقول المؤلف - بحيث باتت جزءا من خطب »صلاة الجمعة« المقدسة (...) وهي الفتاوى التي أطلقها مشايخ يتمتعون بمكانة مهمة لدى المسلمين، مثل (بن باز) و(الشعراوي) و(المودودي).
ويعزو المؤلف إطلاق هذه الفتاوى إلى ما تتسم به بعض العقول الإسلامية من جمود عند النظر إلى كل جديد، فيرتابون فيه، كما وقف بعضهم ـ قديما- ازاء أجهزة المذياع والتلفاز، معتبرين إياهما "صوت إبليس" و"صورة إبليس"!.
وكما أوضح المؤلف فقد اختلط القديم بالجديد، والبسيط بالمعقد، ففوائد البنوك الحديثة، التي تمنح بناء على دراسات علمية شاملة، تصير ذلك الربا »القديم والمعاملات المصرفية، التي تعتمد التحليل العلمي في الاستثمار، تصبح معاملات ربوية طاغية (...).
وهو ما يعني ــ برأي المؤلف ــ هدم النظام الاقتصادي للمسلمين، وإثارة الذعر في صفوفهم، والتي كان من أثرها توجيههم إلى كيانات غير اقتصادية، عرفت في ثمانينات القرن الفائت بـ« شركات توظيف الأموال الإسلامية«، وما ترتب عليها من تبديد مدخرات المسلمين، على أيديها!.
وفي هذا المنحى الاقتصادي يشير المؤلف إلى فتاوى الأب الروحي للجماعة الإسلامية (عمر عبد الرحمن)، والخاصة بتحريم السياحة، والتي أفضت ـ كما بقول المؤلف ـ إلى شيوع مظاهر عدوانية وإجرامية، في أوساط العامة نحو السائحين الأبرياء من (مصر ) إلى (اندونسيا) و (المغرب) التي شهدت مذابح مروعة ضد السائحين في أراضيها، وهو ما يتعارض ـ بالقطع- مع النص الإسلامي ـ كما يقول المؤلف ـ الذي يحث على البر والمودة مع »أهل الذمة«، أكانوا من المقيمين الدائمين أو السائحين العابرين!.
وبالطبع، فإن الروح العدوانية التي تشيع في هذا الطراز من الفتاوى تقترن بالإلحاح على التنفيذ الفوري لنظام العقوبات (الحدود) الإسلامية ـ كما يوضح المؤلف ـ الذي يرى ان تلك الدعوة تتعارض مع مااصطلح عليه فقهاء المسلمين من ضرورة ان يسبق ذلك التطبيق إصلاحا جذريا للمجتمع مثل بلوغ "حد الكفاية" لأفقر رجل في الرعية، وذلك بوصف ان العقوبات ليست هدفا في حد ذاتها، بل هو الإصلاح، الهادف للقضاء على كل أشكال الانحرافات.
ولاشك ان الصورة القائمة، التي يرسمها المؤلف ـ استنادا إلى تلك الفتاوى والدعاوى ــ لن تكون بعيدة عما اسماه المؤلف »الفتاوى والدعاوي الشيطانية"، ان فتاوى الخاصة »بالجان« و" الشيطان"، وغزوهما البدن الأسناني (...)، حيث يعرض المؤلف لفتاوى عديدة، أحدهما للشيخ (بن باز).
والأخرى للشيخ (الشعراوي)، حيث يدين الأول العلم الطبي، ويتهم أصحابه بالجهل والسفالة والزندقة، لمعارضتهم تلك الفتاوى، بينما يؤكد الثاني على مسؤولية "الجن" عن كراهية الرجل لامرأته، وعلى دور الشيطان« عن برودة العلاقة الحميمة بين الزوجين (...)،
وهي فتاوى، يرى المؤلف، أنها اقر إلى »الرخصة«، التي يمنحها رجل دين للجهلة والعوام، لممارسة مهنة الشعوذة والدجل، باسم الدين، وذلك في تعارض تام مع التشريعات والقوانين التي لا تبيح ذلك، مما يجعل سلطة التنفيذ في صدام مع ما يعتقد أنه صحيح الدين (!).
بيد ان المؤلف يؤكد على ان قوة هذه الفتاوى تنبع من التلاعب بالأحاديث النبوية، حينا، ومن إحياء الأحاديث المكذوبة والضعيفة، أحيانا، ناهيك عن »الإسرائيليات« الشائعة في كتب السلف!
كما ترتبط هذه الفتاوى بالتقاليد الكنيسة في (أوربة)، خلال العصور الوسطى، او ما يسمى بعصر الظلمات.
وبذلك فإن »عقل القرون الوسطى« الأوروبية بات هو المرادف لعقول أصحاب هذه الفتاوى، وهو ما يفصله المؤلف، في الباب الثالث، من حيث موقف أولئك الشيوخ، من القضايا العلمية والحضارية المعاصرة، فمن إنكار الشيخ (بن باز) لـ "كروية الأرض"، وتكفيره لمن قال بها من المسلمين، إلى إعلان الشيخ (الشعراوي) لحرمانية نقل الأعضاء للمرضى، بل وألزم الطبيب المسلم بوقف عملياته الجراحية، عند سماعة أذان الصلاة (...).
وفي هذا يبدي المؤلف دهشته من تجرأ أولئك المشايخ على اختصاص العلماء في هذه الشؤون، موردا اجتهادات العلماء المستنيرين، مثل شيخ الأزهر الحالي (محمد سيد طنطاوي)، والداعي إلى جواز نقل عضو من أعضاء الجسد الميت إلى الجسد الحي، استنادا إلى القاعدة الفقهية : "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف"، وكذلك جواز تبرع المسلم بأحد أعضائه، وحظر المقابل المالي في هذا الصدد.
ولا يقف المؤلف ــ فقط ــ عند إيراد تلك الفتاوى المعادية للحياة، فيضيف لها فتاوى تحريم الفنون الجميلة (التشكيل ) والموسيقى والتمثيل ومشاهدة السينما (...)، والتي تضمنتها كتيبات فاخرة، وزهيدة الثمن، جرى تصديرها إلى السوق المصرية.
أما الجزء الثاني من الكتاب، فيتناول المؤلف من خلال بابه الأول قضايا اجتماعية عديدة فيسجل دعاوي (الشعراوي) أو (المودودي) القائلة بتحريم الاختلاط بين الجنسين، في المدارس والجامعات ودور العمل وحتى خلال مرحلة الخطوبة، وما يتصل بذلك من منع المرأة من العمل، وإلزامها ارتداء "النقاب"، وهي دعاوي، يرى المؤلف، أنها تخلط بين الخلوة والحجاب والاختلاط.
حيث كان الأخير ظاهرة طبيعية في المجتمع الإسلامي، منذ مراحله المبكرة، بينما منع الإسلام الخلوة، وأحل عمل المرأة الناتج عن تعليمها ومهاراتها العقلية، كما يقول المؤلف، الذي يرى أن الأضرار المترتبة على منع الاختلاط تفضي إلى زيجات بدائية، فاشلة، وإلى زيجات الأقارب، ذات الضرر الصحي، ناهيك عن تعدد الزوجات، مشيرا إلى أن كل ثلاث زيجات، في العالم الإسلامي، تنتهي واحدة منها بالطلاق، استنادا إلى الإحصاءات الحديثة.
وفي هذا الصدد، يعلن المؤلف ــ بشجاعة تحسب له ــ انحيازه لعاطفة الحب، التي تسبق إتمام القران بين الرجل والمرأة، معتبراً ما جاء في الآيات القرآنية الكريمة، وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) من تعبيرات »المودة والرحمة والسكينة« كناية عما يسمى ــ في عصرنا ـ الانسجام العاطفي، وذلك على خلاف مواقف الكثيرين من أصحاب الفتاوى المحرمة لهذه العاطفة، ولو كان غايتها الزواج!
وفي موضع آخر، يندد المؤلف بالمزاعم القائلة بأن تعدد الزوجات هو الأصل في الإسلام، وتكفير من يجتهد بغير ذلك (...)، فيشير إلى واقعة إعلان النبي (صلى الله عليه وسلم) ــ من داخل المسجد ــ ضرورة تطليق كريمته (فاطمة) من الصحابي (علي بن أبي طالب)، عند إقدامه على الاقتران بأخرى، إلى جانب تقييد القرآن للتعدد بتوفر شروط العدل، وهو ما يتوافر في عصرنا، على حد تعبير المؤلف.
ويواصل المؤلف في بقية صفحات كتابه تفنيد وفضح الأسس المتهافتة للفتاوى المناوئة لتنظيم النسل، وما يتصل بها من الإعلاء من شأن الذكورة، والحط من قدر المرأة، مثل اعتبار مصافحتها وقوعا في "الزنا" (!)، أو تطليقها بدعوى "فك النحس"، بل وإلزامها معايشة الزوج العقيم، وتحريض الأزواج على تأديبها بالضرب البدني الصريح (!).
ناهيك عن الإيذاء الجنسي الدائم للفتيات عبر عمليات "الختان" الشهيرة، وما يرتبط بكل ذلك من وصف النساء بأنهن "ناقصات عقل ودين" ...الخ، وهي الادعاءات التي يفصلها المؤلف في الباب الخامس، باسطا حقوق المرأة ضمن ما أسماه "الدستور الإسلامي"، من حيث حرية اختيار الزوج، وطبيعة العمل، والمشاركة في إدارة شؤون الدولة، وما إلى ذلك.
وهو ما حمل المؤلف على الدعوة إلى إعادة النظر بالخطاب الإسلامي المعاصر، وذلك بوقف العمل بالمذاهب الفقهية القديمة، بعد أن أخفقت جهود التوفيق بين هذه المذاهب وبين متغيرات هذا العصر، وذلك لأجل فقه عصري، يتولى شأنه أهل الاختصاص في علوم الدين والدنيا، وهو الأمر الذي سكت عنه ممثلا (الأزهر)، عند مراجعتهما لما تضمنته صفحات هذا الكتاب من اجتهادات ورؤى جريئة!
فكري عبدالمطلب
الكتاب: مفاهيم خاطئة تؤخر المسلمين
الناشر: خاص ـــ القاهرة 2005
الصفحات: 258 صفحة من القطع المتوسط
