ألف هذا الكتاب »لوران جيرفيرو« خريج مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في فرنسا، والذي يترأس الجمعية الدولية والمجلس الأوروبي، لمتاحف التاريخ، ومدير معهد الصور في باريس.
وعلاوة على كونه مؤرخا واختصاصيا في الصورة السياسية، فلقد تميز بنشر عديد من المؤلفات المهمة ومن بنيها: الانتخابات التشريعية ــ ملصقات الحملة الانتخابية (1986)؟ الصورة التي تكذب ــ تاريخ البصريات في القرن العشرين (2000)، نقد الصورة اليومية (2001)، رؤية وفهم وتحليل الصور (2004).
مع التدفق الإعلامي الذي يشهده العالم منذ سنوات بسبب التكنولوجيات الاتصالية الحديثة، يتصاعد التساؤل حول مدى قيام الوسائل الإعلامية بتقديم صورة مطابقة أو أمينة لما يجري من أحداث يومية في العالم. ولهذا يقوم الكاتب بتمحيص هذه الصورة عبر دراسته لعدد من وسائل الإعلام التلفزيونية والصحافية في عدد من بلدان الشمال وبعض بلدان الجنوب بما يعطي لكتابه رصانة البحث العلمي.
بهذا فإن الكاتب ينجز مبحثه، استقصاء وتحليلاً واستنتاجاً، على امتداد عام 2003 متناولاً بذلك 6 بلدان غربية وجنوبية: ألمانيا وفرنسا وأسبانيا وايطاليا والولايات الأميركية والجزائر (وبحدود ما مصر).
لقد جعل من الصورة الإعلامية قطب الرحى في مبحثه بما قاده لتناول النشرة الإخبارية لثلاث محطات تلفزيونية أساسية في كل بلد والصفحة الأولى لخمس صحف يومية فيها.
والكاتب يشير منذ البداية إلى الأخذ دائما بعين الاعتبار لبعض المعطيات الأولية:
ــ تقلص ثقة الجمهور في مصداقية الاعلام وذلك في عدد من البلدان مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا.. بسبب بروز ظاهرة »المسخ والتشويه« الإعلامي للوقائع.
الانفصال من الدعاية التي ولدت مع الحرب العالمية الأولى بتوفر بعض التكنولوجيات الإسلامية وفي واقع من اجماع الجيش والشعب والحكم ضد العدو، الى »حرب إعلامية« لا يوجد فيها من زمن للسلم أو زمن للحرب وتشمل ميدان السياسة والتجارة والثقافة على حد سواء اليوم.
في عالم السرعة والانتقال الفوري وبالزمن الفعلي للأحداث، برزت إكراهات جديدة فيما يتعلق بالمهنة الصحافية، فضلا عن ان الاعلام مرتبط بوكالات الأنباء الدولية التي تقرر نشر ما تراه فإن العديد من التحقيقات الصحافية تنجز كاستجابة لطبيعة المؤسسات الصحافية نفسها طبق المعايير والمفاهيم التي تراها.
لكن هذه المعطيات نفسها تعتبر حقيقة ان الاخبار المبثوثة هي اخبار اقلية باتجاه الاكثرية. بمعنى آخر فإن معرفتنا للعالم وفهمنا له وعلاقتنا به هي انعكاس لمختصر مكثف لما يقرر عرضه في النشرة التلفزية أو على الصفحة الأولى للدوريات اليومية. لكن ذلك المختصر المكثف ليس الا اختيارا لأخبار من بين آلاف الأخبار ويظهر لنا وكأنه بديهي وطبيعي في حركة الاستقطاب الإعلامي القومي أو الدولي السائدة. ومن جهة ثانية فاذا كان العالم حاضراً لدينا عبر أخبار وسائل الإعلام، فان هذا الحضور هو أنماط من التصورات التي تبثها هذه الوسائل وبما يحدد طريقتنا في التفكير والعمل والحكم على مجريات الأمور. هل هذا يعني ان نأخذ على عاتقنا الاطروحات القائلة بوجود »مؤامرة« تحيك هذه التصورات وتفرضها علينا؟ لم لا؟ فبقدر ما ان النشاطات الدعائية كانت قا ئمة في الماضي ومازالت مستمرة طبقا لأغراضها سواء نجم ذلك عن الحكومات أو المنشآت التجارية او الأحزاب السياسية.. بقدر ما ان الصحافيين عملوا ويعملون على انجاز دورهم المهني في تقديم الوقائع التي من شأنها ان تعطينا صورة اقرب إلى الحقيقة وتستهدف المصداقية حول سير العالم.
هذا يعني انه ليس هناك من »إعلام موضوعي« كلياً، وهنا بيت القصيد، بل ان هذا الاعلام بانتقائه لبعض احداث الواقع دون غيرها انما يبسطه ويختزله. فالصورة الإعلامية التي تشكل كبد مبحث الكاتب: هي »لقطة« مأخوذة عن اللوحة المتحركة للواقع، أي انها صورة حصرية له وتجمده حولها وتستجيب عادة لمناسبات معينة، وهي بهذا انما تتحول الى »صورة ــ رمز له، تعطيه معنى آخر لا يحمله بالضرورة أو معنى تفرضه الاستخدامات التي توظف فيه هذه الصورة بالذات. نحن اذن ودون اغفال كراهات العمل الإعلامي (سرعة، ومقاسا، وبحثا عن أوسع الجمهور..) أمام »واقع« أو »عالم إعلامي، أي طريقة في عرض الواقع أو العالم.
والمشكلة تكمن برمتها من وجهة نظر الكاتب في مدى توفر التعددية الاعلامية وبدء تنوع المضمون الإعلامي. وفي التأويلات المرافقة للصورة الإعلامية وفي قدرة بلدان الجنوب في بث ما تراه حول نفسها وحول غيرها عالميا وفي تحويل المواطن الى فاعل إعلامي، قادر على الاختيار والنقد والنقاش ازاء احداث العالم. ذلك انه لابد من الحذر ازاء العالم الاعلامي القائم، فالصحافي مثله مثل المواطن او المؤرخ او السياسي يحتاج الى تجنب »اختزالات الواقع« و»جموح البديهيات« و»المتوافقات السريعة« حول الأحداث، و»ضغوطات القوى المختلفة« لتصوير العالم كما تريد. وبهذا يضع الكاتب امامنا خلاصات مبحثه في النقاط الاساسية التالية وذلك طبقا للمقياس الأوروبي لوسائل الإعلام المستخدم كأداة لتحليل ما تبثه هذه الوسائل:
ــ سيطرة الرؤية الغربية للعالم، فالانتقال العالمي للصور في وسائل الإعلام الجماهيرية مرتبط بوجه أساسي ببعض وكالات أبناء الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. بمعنى اخر فإن هذه الوكالات هي التي تحدد ما تريده من تغطية للاحداث، أي اننا أمام نظرة غربية احادية الجانب ومفهوم غربي احادي الجانب. ومن هنا فإن مسألة من ينتج الصورة المبثوثة هي مسألة أساسية يجب ان نأخذها بعين الاعتبار قبل كل شيء لماذا؟ لأن هذه الصورة تتجه الى تنميط الرأي العام في مختلف البلدان.
واذا كان لبعض وسائل الإعلام ان تعتبر نفسها دولية، فيجب القول أن عملها يتمحور في الواقع على ما هو قومي. فإذا كانت حصة الاعلام الدولي في النشرة التلفزية للبلدان المدروسة تتراوح بين 17% »القناة الخامسة الايطالية« و50% »القناة التلفزية الاسبانية الأولى« فإن المعدل الوسطي العام لقسم الاخبار الدولية لا يتجاوز 25% من مجمل النشرات التلفزية الاخبارية لهذه البلدان. هكذا فإن هذه النشرات تدور حول ما هو محلي، و»ما يجري في الألعاب الأولمبية الرياضية يعكس ذلك لأن » كل بلد يهمه ابطاله« قبل كل شيء في حين ان ما يطرح من قضايا دولية ترابط بالسياسة الخارجية و»حتى محطة الـ »سي ان ان« الدولية لا تمثل في الواقع إلا الرؤية الأميركية لما هو عالمي«
وهذا له تاريخ، فمثلا صحيفة »الشعب« اليسارية الفرنسية التي كان يديرها المفكر الشهير الاشتراكي »برودون« والتي كانت تعتبر نفسها »صحيفة الجمهورية الديمقراطية والاجتماعية« عام 1848 والتي كانت تتطلع وتدعو إلى التضامن الأممي؟ انما كانت ذات خطاب فرنسي في مضمونه وصلبه. وبوجه عام فإن الانفتاح على العالم في تلك المرحلة لم يكن بالنسبة للوسائل الاعلامية اكثر من الانفتاح على اوروبا واذا كانت المرحلة الاستعمارية الغربية قد مكنت من اكتشاف العالم، فإن وسائل الإعلام آنذاك كانت بمجملها انعكاسا لرؤية أوروبية قائمة على التفوق على الشعوب الآخرى. صحيح ان فترة ما بين الحربين العالميتين وما تلاهما من قيام منظمة الأمم المتحدة قد ساعد في تطور التكنولوجيات الإعلامية وبروز التلفزة وعلى شكل »حس عالمي« شعوراً دعويا بمشكلات العالم المشتركة؟ إلا ان الانفتاح على الآخر« ظل ضعيفا حتى اليوم. فثلاثة ارباع العالم ما زال محجوبا عن الانظار لأن مناطق كاملة فيه لا تأخذ اهتمام الاعلام الدولي لطالما انها لا تدخل في »سوق الكوارث والآلام« أو تبرز كأنها »سوق جنان عدن« بهذا المعطى فان الاعلام الدولي يحجب احداث العالم ووقائعه اكثر مما يكشف عنها، في حين ان الاعمال الإعلامية للبرازيل أو الصين.. حول بلدانها او حول الاحداث، لا تجد طريقها الى الاعلام الدولي.
ــ لقد اصبح الاعلام استعراضيا بمعنى انه وقع تحت تأثير البحث عما يمكن ان يستجلب الانظار، وتحت تأثير الاعلانات التجارية، وتحت تأثير الحصول على اوسع الجمهور اخيرا. والشكل الذي تخرج به الاخبار وبالتقنيات المعروف اصبح هو المحتوى. انه اعلام اشهاري ان صح التعبير بحيث يطرح السؤال حول القيمة الاضافية للاخبارنفسها: القيمة الجوهرية (خبر جديد، خبر متفرد)، القيمة التوقيتية (تحقيقات، اهمال حول مواضيع محددة، التنمية التحليلية (تعليقات، اراء، وجهات نظر). ان هذه القيم الثلاث للخبر مفسدة بعوامل عديدة وبوجه اساسي ضغوط مالكي الصحف، وضغوط اصحاب الاعلانات التجارية. هل هذا نتيجة تطور اجتماعي ام انه حصيلة استراتيجية متعمدة من قبل الاعلام نفسه أم انه نجم عن تأقلم وسائل الاعلام في العلاقة فيما بينها؟: في الوقت الذي لا يمكن فيه اغفال هذا التطور الاجتماعي المتعلق بالجمهور، فإنه لا يمكن تجاهل هذه الاستراتيجية للاعلام الاشهاري او استبعاد التأثيرات التي مارستها كل وسيلة اعلامية جديدة بالعلاقة مع وسيلة اعلامية سبقتها الى الوجود. فالصحافة اقلمت نفسها مع ظهور السينما في سنوات 1920 ــ 1930 باتباع بعض طرق هذه الأخيرة وبوجه خاص في »مونتاج الصورة« وفي أعوام الستينات فان الاشكال »الخشنة« المباشرة للاعلام التلفزي قد اثرت على السينما، واليوم فان التلفزيون يستعير طرائق الانترنت في الاعلام، سرعة وجمعا لشتات من النصوص والصور، وفسيفسائية في الاخبار.. ووحدها الصحافة تقوم بدور اكثر رصانة وأكثر تنوعا في المحتوى وان كانت تتمة الى تقليد التلفزيون والانترنت في عملها، وبلا شك فإن النزعة الاستعراضية للنشرات التلفزية المدروسة من قبل الكاتب وتراقبها وطبيعة التحقيقات الصحافية المعروضة والتعليقات التي تصاحبها والبحث عن الاثارة والاستقطاب هي التي تحدد ان لم نقل »تفبرك« لا النظرة المحلية للعالم وحسب وانما ايضا دلالاتها.
ان صنع الوقائع يستجيب في الحقيقة لمتطلبات الاعلام الاستعراضي الأمر الذي يقود الى الانزلاقات المختلفة سيما وان التدفق الاخباري وسرعته في الانتشار يزيد من مخاطر سريان الاخبار الملفتة على المستوى المحلي والعالمي، بل ان هذا الإعلام من شأنه ان يخلق مشكلات حقيقية ليست موجودة كما حدث في التحقيق الصحافي حول »العجاب« في مدرسة فرنسية، في ظرف لم يكن هناك من مشكلة حجاب ولا من صدامات دينية بين التلامذة، والأمر نجده بشكل آخر في تغطية سقوط »تشاوشيسكو« في رومانيا عام 1989، حيث ان البحث عن الإثارة واستقطاب الانظار قادت الصحافة والتلفزة الى »فبركة« مقبرة لضحايا النظام تحتوي على عدد هائل من الموتى، وهذا ما نجده ايضا في صنع الوقائع باناطة الاحداث الارهابية التي جرت في اسبانيا عام 2004 بالمنظمة العسكرية الانفصالية الباسكية، ويضيف الكاتب ان هذه النزعة نحو ما هو كارثي والتضارب بين الواقع وما يتم عرضه إعلاميا قد برز في مسألة الزلزال الجزائري الاخير حيث ان فريقا صحافيا من القناة الثالثة الفرنسية ذهب الى الجزائر بعد ستة ايام من وقوع الزلزال ليعطي صورة تهويلية وبتضارب مع ما تم من تضامن بين الجزائريين في مواجهة الزلزال نفسه وبتجنب الخبر الفعلي حول عدد القتلى الذي بلغ 5000 قتيل على عكس ما اشيع رسميا واعلاميا.
ان التبسيط الإعلامي وصولا الي تشويه المتعمد يغذي التحقيقات الصحافية، والموسيقى التي تزامن هذه التحقيقات سواءا كانت كئيبة أو ابتهاجية تقدم سلفا للجمهور المغزى المقصود منها بحيث لا يوجد هناك من فاصل بين »الخبر« و»الخيال«، وهذا التبسيط نفسه نجده في النشرات التلفزية بوجه خاص حيث تتم التحقيقات الصحافية في بعض المناطق بربط هذه الأخيرة بعملية ارهابية او قتل جماعي او صراعات مذهبية او اقتتال اثني وكفي. والنتيجة ان هذه المناطق تصبح مرادفة لما هو سلبي وبشع في تصورات الجمهور أو الرأي العام أي اننا أمام خلق »خيال اعلامي« بعيد عن الواقع حول هذه المناطق وكمثال على ذلك يعرض الكاتب انه اذا تم اكتشاف »دارفور« في السودان عام 2004 فبربطها بـ »القتل الجماعي« و»الكارثة الانسانية« بما يجعلها مرتبطة باستمرار بهذه الصورة »الكابوسية« فالجميع يبحث عن بيع اعلامه.
ويستخلص الكاتب اخيرا ان التنوع المدهش للاخبار يتركنا امام الاعتقاد اننا نحقق علاقة حية مع العالم، الاانها ليست علاقة واقعية بقدر ما انها »مفبركة« من قبل اقلية تجاه الاكثرية لماذا؟ لان قلة من الدول هي التي تمتلك وسائل الاعلام الدولية، وهي التي تنتج على طريقتها اخباره وعبر نظرتها القومية ــ المحلية وبتوافق مع سياساتها الخارجية. ان هذا الاعلام وان كان متنوعا لأول وهلة فإنه محدود ومنمط وموجه بحيث يتعلق الأمر بشكل جديد من »استعمار اعلامي« حسب تعبيره. وبهذا فانه يجمد التفكير والتصورات ويمس أعمق الاحساسات الداخلية طبقاً لما يراه.
هكذا لابد من مساءلة وسائل الإعلام حول ما تنشره للجمهور والرأي العام، وهكذا لابد للصحافيين من طرح ما يعيشونه من ضغوطات عليهم في ممارسة مهنتهم الصحافية، وايجاد »بورصة عالمية« للاعلام مفتوحة لبلدان الشمال والجنوب حيث تتوفر التعددية ويتمكن الجميع من جعل الاعلام امكانية حقيقية لادراك العالم وتغييره.
الكتاب ــ صنع الأخبار اليومية
الناشر: لاديكوفرت ــ باريس 2005
الصفحات: 186 صفحة من القطع المتوسط
Inventer l'actualite
laurent gervereau
La decouverte – paris 2005
P. 186
